السبت، 6 أغسطس 2011

مؤشر القيمة السوقية الرأسمالية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي

ماذا يقول مؤشر القيمة السوقية الرأسمالية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي عن تقييمات أسواق الأسهم في المنطقة؟
مباشر -

أشار بنك الكويت الوطني في نشرته الاقتصادية الأخيرة إلى أن الأسواق المالية الخليجية فقدت نحو 0.5 تريليون دولار من قيمتها السوقية منذ بداية الأزمة المالية في شهر سبتمبر الماضي.

كما تراجعت قيمة الموجودات الأخرى كالسندات والعقارات. ونتيجة لذلك، شهدت معدلات الدخل والثروات لعدد كبير من المستثمرين الخليجيين انخفاضا ملحوظا.
لكن على الرغم من التحديات التي فرضتها الأزمة على هؤلاء المستثمرين، إلا أنها تحمل في الوقت نفسه جانبا إيجابيا: إذ إن الأسهم، مع هبوط أسعارها، باتت أكثر جاذبية على المدى الطويل.
وبالنسبة للمستثمرين الذين يتبعون قاعدة "اشتر بسعر منخفض، وبع بسعر مرتفع"، فإن الهبوط الحاد في أسعار الأسهم يمثل فرصة كبيرة للشراء.
لكن ما قيمة هذه الفرصة؟ 

فعلى الرغم من أن هبوط الأسعار يجعل الأسهم أرخص، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن قيمتها الحالية باتت دون مستواها العادل نسبة إلى الأرباح المحتملة. وتتمثل المعايير الأكثر شيوعا لتقدير القيمة السوقية بمعدلي "السعر إلى الربحية" و"السعر إلى القيمة الدفترية".
لكن هذه النشرة الاقتصادية ستركز على معيار اقتصادي أشمل، وهو مؤشر القيمة السوقية الرأسمالية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، والذي يقيس قيمة أسهم الشركات المدرجة في بلد ما نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي لذلك البلد.


القيمة السوقية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي


ورأى الوطني أن هذا المعيار قد يبدو غير مألوف إذا ما أردنا قياس قوة السوق المالية. وفي الواقع، يجب ألا ينظر إلى ذلك المؤشر كبديل عن المعدلات والتحليلات الأخرى التي تقيس القيم السوقية بطرق مباشرة أكثر، لكنه في الوقت نفسه يوفر مجموعة إضافية من المزايا. وتتمثل إحدى هذه المزايا بأن الناتج المحلي الإجمالي، عند مقارنته بأرباح السوق المالية، يعتبر مؤشرا أكثر استقرارا وشمولية لأرباح الدخل المحتملة في الاقتصاد، والتي لا تتأثر مباشرة بالأسس المحاسبية. كما إنه يتماشى بشكل أفضل مع عدم الدقة في التقييمات الذي قد ينجم عن تداخل ملكيات الأسهم: إذ إن ارتفاع أسعار الأسهم قد يعزز أرباح المساهم، ما يرفع بدوره سعر سهمه وبالتالي الأرباح التي يحققها حاملو هذا السهم، وهكذا دواليك. فهذا يشير إلى أن الأرباح وأسعار الأسهم يمكن أن تكون مرتبطة على نحو غير ملائم، ما يجعل تقييم التحركات الكبيرة في أسعار الأسهم أكثر صعوبة باستخدام معدل السعر إلى الربحية. وقد نجد خاصية مماثلة في قياس الناتج المحلي الإجمالي، لكنها على الأغلب لن تكون بالأهمية والتأثير ذاتهما.


كذلك الحال، فإن مؤشر القيمة السوقية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي يوفر معلومة عن حجم سوق الأوراق المالية مقارنة مع الاقتصاد الكلي ووتيرة نموه. لكن ليس هناك مستوى مطلق يجب أن يدور حوله هذا المعدل: فهو يتأثر بشكل مباشر بهيكل الملكية للوحدات الاقتصادية. وهذا بدوره تحدده عوامل مثل تطور الأسواق الرأسمالية ومستوى التنافسية وقواعد الإدراج وتوفر مصادر تمويل بديلة، وكذلك العوامل الثقافية التي من شأنها تحديد حجم مساهمة العامة في سوق الأسهم (أي المساهمة نسبة إلى عدد السكان). وبشكل عام، فإن الأسواق المالية الأكثر تطورا تتمتع بمعدلات أعلى من القيمة السوقية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. فعلى سبيل المثال، بلغ متوسط هذا المؤشر في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بين العامي 2002 و2007 نحو 127% و129% على التوالي، مقارنة بما يقدر بنحو 67% و54% في الصين والبرازيل (على الرغم من التقلبات الحادة التي تشهدها أحيانا هاتان السوقان).


من جهة ثانية، أشار الوطني إلى أن التغير في المؤشر نفسه قد يشكل دلالة مهمة على مدى تطور السوق. ففي بعض الحالات، قد يكون ارتفاعه السريع نسبيا مبررا، وذلك- على سبيل المثال- في حال يتوقع معدلات نمو اقتصادي أعلى في المستقبل، أو إذا ما اختارت المزيد من الشركات أن تدرج أسهمها في البورصة، أو في حال بات الحصول على تمويل أسهل. لكن في معظم الحالات، فإن الارتفاع السريع والكبير في المعدل يجب أن ينظر إليه بحذر.


البيانات الإجمالية للدول الخليجية


وبعد أن بلغ 48% في العام 2002، قفز مؤشر القيمة السوقية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في دول مجلس التعاون الخليجي عموما إلى 182% بحلول نهاية 2005- عندما بلغت أسواق الأسهم ذروتها. أي أن القيمة الإجمالية لأسواق الأسهم الخليجية كانت توازي 1.8 ضعف الناتج الإجمالي الخليجي. لكن ذلك لم يكن مستداما، إذ مع نهاية ذلك العام هبطت أسعار الأسهم، ليتراجع معها المؤشر إلى 94% بنهاية 2006. ومن اللافت أنه عندما شهدت أسعار الأسهم طفرة جديدة في يونيو 2008، ارتفع المؤشر بشكل طفيف فقط إلى 101%. لكن بحلول نهاية العام نفسه، هوى إلى 50%. ويعتبر هذا التراجع أكثر حدة نسبيا مقارنة مع الانخفاض الذي نجم عن هبوط أسعار الأسهم في 2005/2006. وبحلول شهر أبريل الجاري، بلغ المؤشر 67%، أي نحو ثلث مستواه المسجل في العام 2005.


أما بالنسبة لكل بلد خليجي على حدة، فلحظ الوطني أن متوسط مؤشر القيمة السوقية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2002 و2007 سجل أعلى مستوى له في الكويت، إذ بلغ 126% مقارنة مع المتوسط الخليجي البالغ 99%. ما يعكس في جانب منه واقع أن سوق الأسهم الكويتية شهدت حركة تصحيح معتدلة نسبيا في 2005/2006 مقارنة مع الأسواق الخليجية الأخرى. وفي المقابل، بلغ المتوسط في السعودية والبحرين نحو 100%. أما المؤشر الأدنى خليجيا، فسجلته سوق الأسهم العمانية وبلغ 30%، ما يعكس صغر حجم السوق في السلطنة وقطاعها المالي غير المتطور نسبيا. ومن الجدير ذكره أنه على الرغم من الانطباع السائد بأن سوق الأسهم في الإمارات تشكل مركزا رئيسيا للمضاربة في المنطقة، إلا أن مؤشر القيمة السوقية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد كان بين الأدنى خليجيا وبلغ 80%. ويعكس ذلك على الأرجح تنوع الاقتصاد الإماراتي، كما يعكس العدد الكبير من الشركات الأجنبية العاملة في الإمارات لكن غير المدرجة، والتي تساهم في الناتج المحلي الإجمالي دون أن تساهم في قيمة سوق الأسهم.


لكن عندما بلغت أسواق الأسهم ذروتها في العام الماضي، سجل المؤشر في البحرين المستوى الأعلى خليجيا وبلغ 158%، وهو أعلى بكثير من المؤشر المسجل في الكويت الذي حل ثانيا خليجيا عند 134%. ويعزى الارتفاع الملحوظ في المؤشر في البحرين (وكذلك في عمان) إلى إنتاجها النفطي المتواضع مقارنة مع الدول الخليجية الأخرى، ما يعني أن ارتفاع ناتج القطاع النفطي للمملكة بين العامي 2003 و2008 لم يحد كثيرا من أثر ارتفاع أسعار الأسهم على مستوى المؤشر. بينما في الكويت وقطر والسعودية والإمارات، جاء المؤشر في العام الماضي قريبا من متوسطه بين العامي 2002 و2008. لكن بحلول شهر أبريل الجاري، شهد المؤشر في البحرين هبوطا حادا من الذروة التي بلغها في العام الماضي، ليستقر حاليا أدنى قليلا من متوسطه بين 2002 و2008. وفي الأسواق الأخرى، تراجع المؤشر بشكل ملحوظ عن متوسطه بين 2002 و2008. لكن في عمان، فالمؤشر يتجاوز حاليا متوسطه لتلك الفترة.


تحييد أثر القطاع النفطي


ورأى الوطني أنه، في الواقع، يبدو من الضرورة إجراء تعديل على مؤشر القيمة السوقية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في الخليج. فهو يتأثر بشكل كبير بناتج القطاع النفطي، الذي يستحوذ على نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي الخليجي. ومع افتراض بقاء ناتج القطاعات الأخرى من دون تغيير، فارتفاع الناتج النفطي من شأنه أن يخفض المؤشر، والعكس صحيح. لكن نظرا إلى أن معظم إيرادات هذا القطاع هي لصالح الحكومة، يفترض ألا يؤثر الناتج النفطي بشكل مباشر على أرباح القطاع الخاص، وبالتالي على مستوى سوق الأسهم. لذلك، فاستثناء ناتج القطاع النفطي من احتساب نسبة القيمة السوقية إلى الناتج المحلي الإجمالي يعطي صورة أوضح عن واقع سوق الأسهم بالنسبة للشركات التي يعتمد على أدائها.


وفي هذه الحالة، تبرز أربعة اختلافات رئيسية بين المؤشرين. أولها، أن المؤشر بالقيمة المطلقة يصبح أعلى بشكل واضح، ما يعكس عدم احتساب الناتج النفطي- الكبير في المنطقة- في مقام تلك المعادلة (أي في الرقم الذي تقسم عليه القيمة السوقية). وفي الواقع، لبلغ المؤشر من دون احتساب الناتج النفطي 361% في 2005 و271% في 2007، وهو ما يتجاوز بكثير المؤشر في الدول المتقدمة والنامية. وثانيا، على الرغم من أن ترتيب الدول الخليجية من حيث متوسط المؤشر بين العامي 2002 و2008 لن يتغير كثيرا إذا ما استثنيا الناتج النفطي، إلا أنه يشهد تبدلا ملحوظا من حيث المؤشر عندما بلغت أسواق الأسهم ذروتها في 2008. وفي هذه الحالة، سيقفز المؤشر في قطر ليصبح الأعلى خليجيا، بينما يقترب في البحرين من متوسطه بين 2002 و2008، ويصبح أدنى من المؤشر المسجل في السعودية. أما الاختلاف الثالث فيتمثل بأن المؤشر المسجل عندما بلغت الأسواق ذروتها في العام الماضي يفوق بكثير متوسطه بين 2002 و2008 في العديد من الدول الخليجية، ولاسيما في الكويت وقطر والسعودية. وأخيرا، لتراجع المؤشر بنهاية ابريل الجاري دون متوسطه بين 2002 و2008 بشكل أكثر حدة فيما لو تم احتساب الناتج النفطي فيه. وبشكل عام، تشير تلك الاختلافات إلى أن أسواق الأسهم في المنطقة بلغت ذروتها عند مستويات مرتفعة لا يبررها المؤشر فيما لو تم احتساب الناتج النفطي فيه. لكنها تشير أيضا إلى أن أسعار الأسهم حاليا قد تبدو أكثر جاذبية.


تحييد أثر القطاع العام


وأشار الوطني إلى أن الاقتصادات الخليجية تمتاز إلى جانب الإيرادات النفطية الكبيرة بهيمنة القطاع العام على النشاط الاقتصادي. وجاء ذلك كنتيجة مباشرة لإدارة الدولة للقطاع النفطي، فيما تقوم الحكومة بتوزيع الثروة النفطية عبر تقديم الخدمات العامة المجانية أو المدعومة من خدمات ذات منفعة عامة، وخدمات الصحة والتعليم، إلى التمويل والنقل والنشاطات التجارية الحيوية الأخرى. لذلك، فإن مساهمة الناتج المحلي الإجمالي للقطاع الخاص، الذي يقيس نشاطات الشركات ذات الملكية الخاصة، في الناتج الإجمالي هي أصغر حتى من مساهمة الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي. ونقدر مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بأقل من 65% في المتوسط للدول الثلاث التي تنشر تلك البيانات، وهي الكويت والسعودية والإمارات.


وفي الواقع، يفترض أن يعكس سعر السهم عادة القيمة الحالية للتدفقات النقدية المستقبلية العائدة للمساهمين. وعلى نطاق أوسع، ينتظر أن تكون القيمة السوقية مرتبطة بشكل أوثق بتوجه التدفقات النقدية من مصادر يساهم فيها القطاع الخاص، أي الناتج المحلي الإجمالي للقطاع الخاص. وبالتالي، قد ينظر البعض إلى نسبة القيمة السوقية من الناتج المحلي الإجمالي للقطاع الخاص كمؤشر أكثر دقة لتقييم سوق الأسهم، وليكون بشكل طبيعي، أعلى من مؤشر القيمة السوقية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي. واقترب هذا المؤشر في السعودية والكويت من 500% عندما بلغت الأسواق ذروتها في 2008، لكنه عاد وانخفض إلى 200% مؤخرا. بينما يبلغ في الإمارات نحو 250%. ووفق هذا المؤشر، يلاحظ أن ترتيب الدول الخليجية لا يتغير كثيرا عن ترتيبها وفقا لمؤشر القيمة السوقية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي.


الخلاصة


عندما بلغت أسواق الأسهم الخليجية ذروتها في العام 2008، جاءت مؤشرات قيمها السوقية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي أعلى بكثير عن متوسطها في المدى المتوسط. وقد تكون هذه المؤشرات بذاتها معايير مبالغة في التفاؤل، لكونها ترصد السنوات التي شهدت طفرة في الأسعار.


من جهتهم، ربما كان المستثمرون يتوقعون في شرائهم الكثيف للأسهم أن تستقر في المدى الطويل معدلات النمو الاقتصادي المرتفعة التي كانت قد شهدتها المنطقة خلال أكثر من عقد من الزمن، والتي انعكست على أرباح الشركات والتوزيعات النقدية. وقد يكون هذا التفاؤل مرتبطا في جانب منه بارتفاع أسعار النفط، الذي ساهم بشكل كبير في دفع الأداء الاقتصادي في المنطقة عموما.


لكن الوطني بين أن مؤشر القيمة السوقية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي في معظم الدول الخليجية بات حاليا أدنى بشكل ملحوظ من متوسطه للمدى المتوسط، ما يجعل أسعار الأسهم أكثر جاذبية. وقد يأخذ المستثمرون في حساباتهم حاليا معدلات نمو اقتصادي أدنى بكثير عن المعدلات السابقة، كما أن قدرتهم على شراء الأوراق المالية قد تقلصت نتيجة الضوابط الائتمانية. في المقابل، من شأن العودة إلى معدلات النمو المرتفعة أن ترفع أسعار الأسهم، لكن على الأرجح ليس إلى المستويات التي كانت سائدة خلال السنوات الأخيرة. وفي ظل بيئة الأعمال التي يتوقع أن تشهد معدلات نمو مقبولة في السنوات القليلة القادمة، يرجح أن تتحرك أسواق الأسهم بموازاة معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي. وبالتالي، قد يستقر مؤشر القيمة السوقية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي دون مستوياته التاريخية لبعض الوقت.


تم إضافته يوم الأحد 03/05/2009 م - الموافق 8-5-1430 هـ الساعة 2:01 مساءً

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق