الاثنين، 15 يونيو 2020

إلغاء وزارة التخطيط في العراق

إلغاء وزارة التخطيط في العراق

إلغاء وزارة التخطيط في العراق ونصيحتي للوزير:
د.صلاح حزام
في أوائل التسعينيات من القرن الماضي 
وعندما كنت لا ازال اعمل في وزارة التخطيط العراقية 
كرئيس لقسم السياسات الاقتصادية والخطط ، 
حضر الى مكتبي رئيس مكتب الوزير في حينها المرحوم الدكتور سامال مجيد فرج ، 
حاملا مظروفاً مغلقاً ومكتوب عليه " سري وشخصي". 
قال لي: السيد الوزير ارسل لك الموضوع الذي داخل المظروف 
ويطلب ان تقوم بمراجعته وابداء الرأي بما ورد فيه فوراً 
لأنه مطلوب من السيد الوزير تقديم رأي الوزارة في اجتماع مجلس الوزراء القادم لانه مستعجل. 
كما أوصاني بقفل باب مكتبي من الداخل اثناء عملي على الموضوع ، لكي لايطلع عليه أحد.
فتحت المظروف بسرعة وقرأت محتواه . 
الموضوع كان مذكرة مرفوعة الى رئيس الجمهورية 
تقترح تطبيق نظرية الدكتور شاخت التي قدمها الى ادولف هتلر ، على العراق !!
نظرية او برنامج الدكتور شاخت 
كانت تتلخص بزيادة إصدار العملة (طبع العملة) من قبل الحكومة بزعامة هتلر 
واستخدامها في زيادة الإنفاق العام لغرض تحفيز الاقتصاد الألماني 
ومساعدته على الخروج من الكساد 
الذي كان يعاني منه بسبب الكساد العظيم 
اضافة الى آثار الحرب العالمية الأولى التي كان لازال الاقتصاد يعاني منها
 لاسيما بسبب التعويضات الضخمة التي فرضت عليه من قبل المنتصرين.
حجة شاخت التي استند إليها في دفاعه عن هذا البرنامج هي، 
ان الجهاز الإنتاجي الألماني كان متطورا وكبيرا 
ويمتلك أفضل تقنيات ذلك العصر 
كما انه يتميز بالمرونة الإنتاجية العالية 
لكنه يعاني من بطالة جزئية بسبب الكساد.
وعند شروع الحكومة بتطبيق المقترح والشروع بالإنفاق الكبير 
فان الجهاز الإنتاجي سوف يستجيب للطلب الجديد بسرعة 
وقبل ان تظهر الآثار التضخمية لذلك الانفاق.
وصدقت توقعات شاخت وتحققت المعجزة الالمانية .
الخلاصة :
 من قدم المقترح لرئيس جمهورية العراق في وقتها 
كان يعتقد او يزعم ان العراق في ظل الحصار مثل ألمانيا في تلك المرحلة.
عند الانتهاء من قراءة المذكرة ، 
بدأت بإعداد الرد وكانت خلاصته 
ان هذه الوصفة لا تناسب العراق 
لأن الاقتصاد العراقي ليس الاقتصاد الألماني . 
فالاقتصاد العراقي
ليست لديه طاقات إنتاجية حقيقية قادرة على الاستجابة للطلب ، 
حيث انها لا تنتج كل ما تحتاجه السوق اولا، 
وثانيا انها تعتمد على الاستيراد في توفير مستلزمات الإنتاج وقطع الغيار 
والتي أصبح استيرادها غير ممكن بسبب العقوبات والحصار.
كما ان القطاع الصناعي الخاص العراقي هو نسخة مشوهة من القطاع العام 
بسبب خضوعه التام لإدارة الحكومة 
( كانت قراراته مرهونة بموافقة مدير عام التنمية الصناعية في وزارة الزراعة).
والقطاع الزراعي
يعتمد على الاستيراد في الحصول على البذور وبعض الاسمدة والمبيدات والآلات.
 إنتاج الدواجن في العراق 
كان بمثابة عملية تجميع مكلفة 
إذ يستورد البيض للتفريخ او الافراخ والاعلاف والادوية 
ومستلزمات المشاريع المختلفة من اجهزة ومعدات. 
وكانت كلفة استيراد كيلو لحم الدجاج ارخص من كلفة إنتاج الكيلو محلياً.
وعندما انتهيت من الرد ارسلته الى مكتب الوزير في مظروف مغلق وسلمته باليد الى مدير المكتب.
بعد نصف ساعة طلبني الوزير لمقابلته، ذهبت إليه واستقبلني بوجه مكفهر غضباً من ردي السلبي. 
حاولت ان اشرح له الفروقات الجوهرية بين الاقتصاد الألماني والاقتصاد العراقي 
وبعد حوار طويل يبدو أنه اقتنع مع انه تظاهر بعدم الموافقة.
بعد أيام ، 
اخبرني صديق كان يعمل معنا مديرا عاما في وزارة التخطيط 
وكانت علاقته قوية وخاصة مع الوزير ، 
أخبرني بأنني ورطت الوزير 
لانه طرح الرد الذي قدمته له باعتباره رأي الوزارة في المقترح 
وكان صاحب المقترح هو الفريق حسين كامل 
وكان رئيس مجلس الوزراء في وقتها ليس صدام حسين 
بل هو اما الدكتور سعدون حمادي او احمد حسين.
وما كان من حسين كامل الّا ان يتهجم على وزير التخطيط 
ويوجه له الاهانة العلنية ويتهمه بالمزايدة.
نتيجة ذلك 
ولأن حسين كامل كان سيدا مسيطرا على الحكومة ، 
تم حل وزارة التخطيط وتحويلها إلى هيئة تابعة لأمين عام مجلس الوزراء 
( بعد ان كانت تأتي بعد وزارة الخارجية من الناحية البروتوكولية) 
من باب الاهانة من ناحية 
ومن ناحية أخرى كعلامة من علامات التخلي عن النهج الاشتراكي. 
ويبدو انهم ارادوا ازالة عقبة من طريق حسين كامل في اتخاذ القرارات الاقتصادية.
حيث كانت وزارة التخطيط يوما ما 
رمزا للاشتراكية واليسارية ومكافحة الاستعمار ..الخ من الشعارات.
تم تعيين رجل محاسب كان يعمل مديرا عاما في وزارة المالية، 
كرئيس للهيئة الجديدة فأدار الهيئة بعقلية المحاسب.
بعدها بدأ تسرب افضل كوادر الوزارة 
واهملت وتم الاستيلاء على مبانيها 
بما في ذلك مكتبتها التي كانت أفضل مكتبة في الشرق الأوسط 
لما تحتويه من ثروة من المصادر العلمية 
لاسيما في حقول الاقتصاد والمالية والإحصاء وغيرها من المجالات. 
وزارة التخطيط العراقية 
التي كانت في يوم ما اكاديمية عظيمة ومؤسسة محترمة، 
تحولت الى موضع سخرية من قبل الجهلة والمتخلفين الذين كانوا في مراكز القرار.
اعتبرت عقبة في طريق تنفيذ الافكار المبتكرة التي تنضح من العقول الثورية.
أمين عام مجلس الوزراء اجتمع بالمنتسبين ذات مرة 
وأخذ يسخر من الوزارة 
والتي وصفها بأنها من مخلفات الدول الاشتراكية 
التي كانت تتميز بوزارات الإعلام والتخطيط. 
لقد نسي هذا الجاهل 
أنه مسؤول في دولة لازال يحكمها حزب يعلن انه اشتراكي 
وان العراق لم يتحول إلى دولة إمبريالية !!
كراهية الرجل لوزارة التخطيط 
تنبع من أنه قدم للعمل فيها ذات يوم 
لكنه لم يقبل فيها لعدم الأهلية.
فذهب شاكيا حاله الى صدام حسين الذي كان نائبا في حينها 
فعينه في مكتبه لأنه عضو كبير في الحزب.
في الأزمات والحروب ، 
الدول تؤسس دوائر تقوم بتخطيط الجهود وادارة الموارد النادرة 
حتى لو كانت الدولة رأسمالية . 
وأعتقد ان أزمة الحصار والدمار الذي لحق بالعراق 
يعتبر من مبررات استحداث وزارة للتخطيط حتى لو لم تكن موجودة.

إعداد الاقتصاد بعيون الخبراء
15-6-2020

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق