الجمعة، 21 يونيو، 2013

أسعار المساكن.. والمؤثرات

أسعار المساكن.. والمؤثرات


أ.د. محمد إبراهيم السقا


يلعب سوق المساكن دورا مهما في الاقتصاد المحلي لأي دولة في العالم،

 لأسباب عديدة أهمها

 أن المسكن في أغلب الأحوال يمثل أهم الأصول التي تمتلكها الأسرة التي تسعى دائما إلى تأمينه،

 كما تعتمد قدرة الأسر على تكوين أصول أخرى على أسعار المساكن،

 ولتغيرات أسعار المساكن تأثيرات جوهرية في الثروة الشخصية وفي مستويات الإنفاق للأسر،

 فعندما تأخذ أسعار المساكن في الارتفاع

فإن أصحاب المساكن يمكنهم الحصول على سيولة أكبر من خلال إعادة رهن المساكن على الزيادة التي حدثت في سعر المسكن،

 ومع زيادة مستويات السيولة تزاد بالتالي مستويات الإنفاق الكلي،

 حيث يزداد الإنفاق الاستهلاكي للأسر،

 أما عندما تنخفض أسعار المساكن

فإن قدرة الأسر على إعادة رهن مساكنهم تقل وهو ما يؤدي إلى خفض مستويات السيولة ومن ثم الإنفاق،

 ولذلك تلعب تطورات أسعار المساكن دورا مهما في الدورة الاقتصادية للكثير من دول العالم.

وفي أغلب الحالات ينظر إلى تطورات الطلب على المساكن 

على أنها دليل على بدء الانتعاش والتعافي من الكساد، أو أنها إشارة إلى بدء حالة الكساد،

 على سبيل المثال

يعد الطلب على المساكن الجديدة أحد المؤشرات السباقة المهمة في الاقتصاد الأمريكي Leading indicator،

 أي التي تسبق الكساد أو الرواج،

 بمعنى آخر فإن تزايد الطلب على المساكن يعد أحد المؤشرات التي ينظر إليها على أنها إشارة إلى بدء التعافي الاقتصادي،

 وعندما يتراجع الطلب على المساكن ينظر إليه على أنه أحد مؤشرات بدء مرحلة الكساد.

وتتأثر أسعار المساكن في أي اقتصاد بمجموعة متنوعة من العوامل بعضها يعمل في الأجل القصير والآخر في الأجل الطويل،

 غير أن أسعار المساكن في الأجل الطويل تأخذ دائما اتجاها واحدا وهو الارتفاع،

 لكن ذلك لا يعني أنها لا تنخفض من وقت إلى آخر، ولكن هذا التعديل بالانخفاض غالبا ما يكون مؤقتا،

 لتعاود المساكن اتجاهها العام طويل الأجل وهو الارتفاع.

 لذلك ينصح دائما المستثمرون في المساكن

أن تكون نظرتهم طويلة الأجل بصرف النظر عن الجانب الأكبر من التطورات الحادثة في الأجل القصير.

وتعكس التطورات قصيرة الأجل في أسعار المساكن تأثير عوامل عدة

مثل العرض من المساكن، الذي غالبا ما يكون أقل من الكميات المطلوبة منها،

 نظرا لانخفاض مرونة العروض السعرية للمساكن، حيث تستغرق عملية بناء المساكن وقتا طويلا،

 وبالتالي فإن الارتفاعات الحالية في أسعار المساكن لا تنعكس في زيادة الكميات المعروضة منها اليوم،

 وإنما ستنعكس في أسعار المساكن في المستقبل،

 ولذلك تحافظ المساكن على مستويات أسعارها المرتفعة في أغلب الأحوال حتى في أحلك الظروف الاقتصادية.

هذا بالطبع لا ينفي احتمال تراجع الأسعار، ففي بعض الأحوال تتراجع الأسعار بشدة،

 على سبيل المثال

 مثلما يحدث حاليا في إسبانيا نتيجة فائض العرض الكبير من المساكن،

 غير أنه ما إن يزول أثر العوامل المسببة لانخفاض الأسعار حتى تسترد أسعار المساكن مستوياتها بسرعة

 لتظل أهم الأصول الموثوق فيها من جانب الأسر المتوسطة والمنخفضة الدخول.

ويختلف تأثير تغير أسعار المساكن من منطقة جغرافية إلى منطقة أخرى،

ففي الوقت الذي يمكن أن تنخفض فيه أسعار المساكن في منطقة ما، فإن الأسعار تظل ترتفع في مناطق أخرى،

 كما أنه داخل المنطقة الواحدة تختلف درجة ارتفاع أسعار المساكن حسب الموقع ضمن عوامل أخرى كثيرة.

وتتحدد قدرة الأسر على امتلاك المساكن بمستوى دخولها وثمن المسكن بالنسبة إلى دخل الأسرة

الذي يحدد قدرة الأسرة على امتلاك المسكن المناسب،

 وعندما ترتفع أسعار المساكن تقل القدرة على امتلاك المساكن

لأن المصارف غالبا ما تعطي القروض الإسكانية بحد أقصى من قيمة الدخل السنوي للأسر،

 على سبيل المثال

لو أن سعر المسكن بالنسبة لدخل الأسرة هو 5 أو 7 أضعاف،

 فإن المصارف دائما ما تعطي قروضا لا تتجاوز ضعفي أو ثلاثة أضعاف الدخل السنوي،

 وهنا سيجد المشترون مشكلة في الحصول على التمويل الكافي لتأمين ثمن المسكن،

 ولن يتمكن سوى من لديهم قدر مناسب من المدخرات من شراء المسكن،

 أما الأسر منخفضة الدخل أو حتى المتوسطة فسيصبح من المستحيل عليها أن تجد المسكن المناسب.

ولا شك أن دخول الأسر تعتمد على معدلات النمو الاقتصادي المحققة،

التي مع ارتفاعها تزيد من قدرة الأسر على تملك المساكن،

 أما عندما تنخفض مستويات النشاط الاقتصادي وترتفع معدلات البطالة

 فإن دخول الأسر تنخفض ومعها تنخفض أسعار المساكن نتيجة انخفاض الطلب.

 كذلك تلعب ثقة المستهلكين دورا مهما في دفع مستويات الطلب على المساكن أو خفضها،

فلا شك أن ارتفاع مستويات الثقة لدى الأفراد في درجة استقرار الاقتصاد واستمرار معدلات التوظف مرتفعة

يغذي الطلب على المساكن، والعكس،

 لهذا تهتم الحكومات بقياس درجة ثقة المستهلك من وقت إلى آخر.

وفي حالة تعرض بعض الأفراد لظروف تمنعهم من ممارسة العمل كانتشار البطالة،

فإن الكثير من ملاك المساكن قد يضطرون إلى التنازل عن المسكن أو ما يسمى حبس الرهن Foreclosure،

 حيث تتحول ملكية المسكن للمصرف المقرض،

 وعندما تقوم المصارف بعرض هذه المساكن للبيع فإن أسعار المساكن تنخفض،

 وقد يجد المقترض نفسه تحت سطع الماء Underwater كما يقولون،

 إذ يجد حجم التزاماته بعد كل ما دفعه من أموال لخدمة قرض الرهن العقاري، أعلى بكثير من ثمن المسكن السوقي

 أو ما يطلق عليه Negative equity.

وتعد إمكانات الحصول على التمويل العقاري وشروطه أحد أهم المحددات للطلب على المساكن ومن ثم أسعارها،

فحتى لو كانت معدلات الفائدة منخفضة سيظل الطلب على المساكن مخفضا إذا لم تقم المصارف بتوفير الائتمان اللازم،

مثلما يحدث في الوقت الحالي، فإن الطلب على المساكن يظل منخفضا،

 وحيث تحاول السلطات النقدية في الدول المختلفة بشتى الطرق خفض معدلات الفائدة لتخفيض تكلفة الاقتراض

 لحث المقترضين على الاقتراض،

 ولكن ارتفاع مخاطر التوقف عن خدمة الديون من جانب المقترضين في ظل ظروف الكساد تجعل المصارف تحجم عن الإقراض

 وهو ما يعقد أوضاع سوق المساكن.

لكن أخطر مؤثرات ارتفاع أسعار المساكن

هو انخفاض القدرة على شراء المساكن بواسطة محدودي الدخل وأصحاب الدخول المتوسطة،

 وهو ما ينعش سوق المساكن المؤجرة، ويتحول جانب من الاستثمار في المساكن الجديدة نحو المساكن المؤجرة،

 الأمر الذي يخفض من مستويات المعيشة للأسر التي لا تملك مساكن،

 حيث ترتفع نسبة ما تدفعه من إيجارات إلى إجمالي دخلها السنوي،

 مع استمرار عدم قدرتها على تملك المسكن.



http://www.aleqt.com/2013/06/21/article_764684.html