الخميس، 2 مايو، 2013

تراكم الاحتياطي الاجنبي وتمويل التجارة الخارجية: الانموذج العراقي



تراكم الاحتياطي الاجنبي وتمويل التجارة الخارجية: الانموذج العراقي



– نشر في 17/01/2013

د.مظهر محمد صالح

نيسان 2010

ينصرف مفهوم تمويل التجارة trade finance الى العلم الذي يصف ادارة النقود والمصارف والائتمان والاستثمارات والموجودات لاغراض التجارة الدولية ،

 وان الاطراف المشاركة في تمويل التجارة هم المصدرون والمستوردون والممولون ورجال التامين ومجهزي الخدمات الاخرى .

فالتاريخ الاقتصادي للعراق الحديث قد اشر تلازما واضحا في حركة تمويل التجارة ومستوى تراكم الاحتياطي الاجنبي الرسمي للبلاد.

 حيث غذت موارد النفط الريعية خلال السنوات الستين الاخيرة ما نسبته 95 % من احتياجات البلاد للعملة الاجنبية في تمويل التجارة

 وبنسبة لن تقل عن 85% في تمويل ايرادات الموازنه العامة في افضل سنواتها خلال العقود الاربعة الاخيرة .

ان تراكم العملة الاجنبية لدى البنك المركزي العراقي والتي تمثل احتياطياته الدولية

 قد تمت من خلال قيام وزارة المالية بمقايضة ما لديها من ايرادات بالدولار

التي هي ناجمة بالاساس عن صادرات العراق النفطية

 لقاء حصولها على ماترغبه من الدينار العراقي المصدر من البنك المركزي العراقي ،

 ليدخل التداول ولكن عبر ابواب الصرف في الموازنة العامة للدولة .

ولما كانت مهمة البنك المركزي العراقي هي الحفاظ على استقرار قيمة الدينار العراقي ،

 الذي جرى اصداره والتصرف به بصورة رئيسة عبر نفقات الموازنة العامة المذكورة

وحسب الآلية المشار اليها في اعلاه ،

 فان مثل هذا الامر قد حدد توجهات السياسة النقدية للبنك المركزي العراقي

وقيدها في كيفية استخدام الدولار المتاح كاحتياطي اجنبي ،

 بغية مواجهة نفقات الجمهور ومعاملات السوق المترتبة عليها

والتي أشتقت بالاساس من انفاق حكومي تحول في مرحلة لاحقة الى قوة شرائية بيد الجمهور ،

 يتم تداولها وانفاقها كدينار عراقي في التعاملات اليومية .

وبهذا فقد اضحى الاحتياطي الاجنبي للبنك المركزي العراقي موجه للتعامل المباشر مع ضغوط السوق واحتياجاتها للعملة الاجنبية ،

 ولكن في اطار الحفاظ على الدينار العراقي وقوته الشرائية عبر غطاء دائم من العملة الاجنبية .

 وان مثل هذا التوجه في السياسة النقدية يعد من الاعمال اللاحقة

والاساسية في تنفيذ اهداف البنك المركزي العراقي ،

 ولاسيما بعد ان انتهت مرحلة التعامل المباشر مع السياسة المالية في المرحلة الاولى المذكورة آنفاً

( اي مرحلة استبدال احتياجات الموازنة العامة للدينار العراقي ببعض موجودات الحكومة من العملة الاجنبية والبدء بصرف الدينار عبر نفقات الموازانة العامة )

 لتبدأ المرحلة الثانية المتمثلة هذه المرة بمعالجة طلب السوق على العملة الاجنبية والناجم كما نوهنا عن المصروفات النهائية للحكومة بشكل رئيس .

وفي اطار التوجه نحو اقتصاد السوق وبناء مركتزات قوية ومستقرة للاقتصاد الحر وعلى وفق ما نص عليه الدستور ،

 فان السياسة النقدية هي ليست في وضع التعامل بصورة معكوسة في هذه المرحلة اللاحقة ،

 ذلك بالتغافل عن النتائج التي افرزتها النفقات العامة في المرحلة الاولى ، ووضع الامور بصورة معكوسة خارج سياقاتها ،

عبر التعامل مجددا في معالجة احتياجات الموازنة العامة وسد العجز في متطلباتها التمويلية اللاحقة ،

 ولكن على حساب استقرار السوق وافرازات النفقات العامة السابقة التي تسببت في تعظيم مناسيب السيولة المحلية .


1- آلية تمويل التجارة والموازنه العامة:




أ‌- مرحلة ما قبل استقلالية البنك المركزي

لما كان البنك المركزي العراقي وما يزال يمثل بنك الدولة والمؤتمن على اموالها وهو جزء لا يتجزأ من المالية العامة

 بسبب قوة الترابط بين الموازنة العامة والميزانية العمومية للبنك المركزي

بحكم التبعية وهيمنة السلطة المالية على القرار النقدي .

حيث كان هنالك حساب واحد للعملة الاجنبية يمثل احتياطيات البلاد كافة من النقد الاجنبي

 وان الايرادات من تلك العملة التي تدخل الموازنة العامة تمثل عوائد النفط في الغالب

 يسجل ما يعادلها في الميزانية العمومية للبنك المركزي دينار عراقي مصدر

 سواء بشكل حسابي في سجلات البنك ام فعلي في التداول ليتولد النقد الاساس base money

وان النقد الاجنبي في هذه الحالة يدخل في بنود الميزانية العمومية للبنك المركزي On Balance Sheet.

ان الكيفية التي يجري فيها تمويل التجارة الخارجية (ولا سيما تمويل الاستيرادات ) للحكومة والقطاع الخاص

 كانت تجري وفق برنامج تجاري سنوي معد مسبقا سمي فيما بعد بـ (خطة التجارة الخارجية)

وكان يقصد بها في الغالب تمويل تجارة الاستيرادات الحكومية والخاصة

 وفق الالية الاتية :

اولا – تتولى الحكومة السحب من ذلك الاحتياطي لاغراض تمويل التجارة الحكومية وتجري التسوية عبر تعديل قيود الموازنة العامة وما يقابلها من قيود عبر الميزانية العمومية للبنك المركزي .

ثانيا- استنادا الى برنامج او خطة الاستيراد يمنح القطاع الخاص اجازات استيراد وفق تقديرات لجان الحاجة او مسح الطلب على السلع المستوردة النهائية او مستلزمات انتاج وغيرها من اللوازم الراسمالية .

ثالثا – تقوم الاطراف التجارية الخاصة بفتح اعتماد عن طريق المصارف التجارية المحلية وبشكل خاص مصرف الرافدين ، بعد ان يبتاع التاجر العملة الاجنبية سواء بمدخراته التي تمثل راسماله او عن طريق الاقتراض وهو الائتمان التجاري الذي يمنحه المصرف الى زبونه التاجر .

رابعا – في كلتا الحالتين ثانيا وثالثا في اعلاه يبادل البنك المركزي العملة الاجنبية لقاء الدينار العراقي المتحصل من المصرف التجاري . وفي هذه الحالة كانما الحكومة قامت مباشرة ببيع العملة الاجنبية الى التاجر المستورد عبر المصرف الوسيط الفاتح للاعتماد لتغطية الاستيرادات .

خامسا – في ظل الرقابة المتشددة على الصرف والتحويل الخارجي

 فان البنك المركزي غير مخول في بيع العملة الاجنبية خارج نطاق برنامج تمويل التجارة والسفر السياحي العادي

 الا بموافقة مشروطة مثل نفقات الدراسة على النفقة الخاصة والاستشفاء والتطبب خارج العراق ومستحقات شركات الطيران وبعض الشركات العاملة في العراق المولدة للربح وتحويلات العاملين الاجانب .

 مع العرض ان الفترات التي اشتدت فيها الحروب ولا سيما عقد الثمانينيات تم اللجوء الى الاقتراض الخارجي

 واشاعة ما يسمى بالدفع الاجل بسبب تدني الاحتياطيات الاجنبية التي استهلكتها الحرب

 وقد غطت تلك الاتفاقيات جانب بسيط من احتياجات القطاع الخاص الاستيرادي ،

 قبل ان يؤذن بممارسة سياسة الاستيراد بدون تحويل خارجي التي قادت الى فوضى في مصادر التمويل

وتوليد سوق صرف سوداء واسعة ممولة لتلك العمليات الاستيرادية ولكن بكلف تضخمية مشوهة لهيكل الاسعار .


ب‌- مرحلة استقلالية البنك المركزي العراقي

وهي المرحلة التي ابتدأت منذ العام 2004 والمتمثلة بصدور قانون البنك المركزي العراقي رقم 56 حيث انفصلت موارد الحكومة المركزية بالعملة الاجنبية عن الاحتياطيات الاجنبية للبنك المركزي العراقي .

وان ممارسة وظيفة بنك الدولة في ظل الاستقلالية جعلت من ايرادات الحكومة بالعملة الاجنبية والممثلة بحسابDFI

والذي تمثل عائداته ايرادات مباشرة للموازنة العامة ،

 ان تسجل في الميزانية العمومية للبنك المركزي ضمن بنود خارج الموازنة Off Balance Sheet

 وليس كما كان يجري في المرحلة السابقة لاستقلالية البنك المركزي.

 حيث تولدت احتياطيات البنك المركزي العراقي منذ العام 2004 عبر اتجاهين :

الاول : وهو الاتجاه الغالب او المباشر :

ويتمثل بقيام الحكومة بسد نسبة تصل ما بين 60-70 % من نفقاتها الداخلية بالدينار العراقي

عن طريق مبادلة الدينار المنتج في البنك المركزي العراقي بكونه سلطة الاصدار النقدي ومبادلته بالدولار

 لتمثل عملية مبادلة بين الميزانية العمومية والموازنة العامة

او بين بنود داخل الميزانية العمومية وبنود خارج الميزانية العمومية للبنك المركزي العراقي

 وان هذه المبادلة تتم لاغراض سد النفقات المحلية بالدينار العراقي

وان الدولار المتحصل لقاء هذه المبادلة يمثل تراكم للاحتياطي الاجنبي للبنك المركزي العراقي

 او ما يسمى بالموجودات الخارجية المكونه للنقد الاساس المستعمل في التداول.

ويلحظ ان تمويل تجارة الاستيرادات الحكومية تتم من المتبقي من النسبة في اعلاه

عبر ادارتها من جانب المصرف العراقي للتجارة TBI والذي انشأ في العام 2003 لتمويل الاستيرادات الحكومية

 كبديل مؤقت او دائم لمصرفي الرافدين والرشيد المثقلين بالديون الحكومية الخارجية ودعاوى الحجز القضائي

 والتي جميعها ما زالت في طريق التسوية .

الثاني :وهو الاتجاه غير المباشر :

ويتمثل ببعض التدفقات من تحويلات مقيمة في الخارج الى مقيمين في الداخل

 ولكن بالرغم من ذلك كانت التحويلات من الكيانات غير المقيمة او (خارجية) الى كيانات غير مقيمة (داخلية)

 قد تركت بعض بصماتها على تدفق العملة الاجنبية في السوق المحلية

وهي ناجمة عن بعض مصروفات الجيش الامريكي ومختلف الواجهات الاجنبية .

وبناء على فصل احتياطيات العملة الاجنبية الى قسمين

 الاول يخص الحكومة ويتولى تمويل التجارة الحكومية

 والثاني احتياطيات البنك المركزي

 التي تتولى في واحدة من وظائفها تمويل التجارة الخارجية للقطاع الخاص

عن طريق تلبية طلبات المصارف لها من خلال مزاد العملة الاجنبية .

وهو المزاد الذي يمارس وظيفة عمليات السوق المفتوحة في مبادلة الدولار بالدينار

 ليس لتمويل التجارة الخارجية للقطاع الخاص واحتياجاته من النقد الاجنبي فحسب ،

 وانما يمارسها كسياسة نقدية للتدخل لأستقرار سعر الصرف و للسيطرة على مناسيب السيولة المحلية

واحتواء قوة النفقات العامة التي تولدها الموازنة العامة وبشكل خاص النفقات الجارية

وتوليد قوة طلب محلية متنوعة جدا على السلع والخدمات الخارجية

امام هشاشة التنويع الاقتصادي المحلي

وتعاظم الانفاق الفردي المستمد من قوة النفقات العامة في الموازنة العامة

 الذي يمثل أس التضخم الناجم عن ضغوط الطلب أو الانفاق الكلي ،

 حيث لا تشكل مساهمة القطاع الزراعي والصناعي سوى 5% من تكوين الناتج المحلي الاجمالي ،

 مما جعل مزاد العملة الاجنبية وسيلة لامتصاص قوة الانفاق الحكومي المولد من الريع النفطي

وتغذية السوق واحتياجاتها الواسعة من الطلب على السلع والخدمات الاجنبية ،

عبر تمويل البنك المركزي للتجارة الخارجية للقطاع الخاص 

بوسائل وآليات تمويل متاحة خلفها انعزال العراق عن العالم وانزواءه ضمن الفصل السابع

الذي لايمكن ان يوفر كفاءة عالية في تمويل التجارة الخارجية للقطاع الخاص

 الا من خلال الدفع المقدم او المباشر Cash in Advance

 كبديل لوسائل تمويل التجارة الخارجية عن طريق الائتمان التجاري او الاعتمادات LCs

 لكون العراق يحظى بمخاطر ائتمانية Credit Risk

 ولا يوجد لدى البلاد او مؤسساتها تصنيفا ائتمانيا rating يعتد به في النظام المالي الدولي

لكي ينتقل تمويل التجارة

من الدفع النقدي عن طريق التحويل المباشر للعملة الاجنبية

الى الدفع عن طريق الوسائل الائتمانية في تمويل التجارةالمذكورة آنفا

مثل رسائل الاعتمادات LCs  او تحصيل المستندات Documentary collections وغيرها من وسائل تنظيم التجارة .


2- الاستنتاجات :

اذا كانت الموازنة العامة عبرسياستها المالية قد اخفقت في تحقيق قاعدة قوية للنمو الاقتصادي

 ومالت كثيرا نحو الانفاق الجاري المولد للتضخم بسبب ضعف القاعدة الانتاجية الوطنية ،

فان مثل هذا التوجه يتقاطع مع المباديء الاساسية للسياسة النقدية واهدافها في تحقيق الاستقرار

عن طريق التصدي للانفاق او توليد عرض معوض لنقص العرض المحلي

من خلال تمويل تجارة الاستيراد وجعل العرض منسجم مع قوة الطلب

وبخلاف ذلك فان تقييد مزاد العملة الاجنبية

امام نواقص خطيرة في تنويع العرض المحلي

واخفاقات سياسة التنمية

لا يؤدي الا الى توليد كارثة في الاقتصاد

 تتمثل بضرب عناصر الاستقرار فيه

وابعاد وتحريف السياسة النقدية عن اهدافها

في اكبر موازنة عامة في تاريخ العراق تبلغ 83 تريليون دينار عراقي .

واذا ما اريد تبديل فلسفة السياسة النقدية في تنفيذ بعض ادواتها كمزاد العملة الاجنبية ،

 فينبغي ابتداءا العمل على تبديل فلسفة السياسة المالية وجعلها سياسة مولدة للتنمية

 وتوسيع العرض وقاعدة الانتاج المحلية وتعظيم كفاءتها

 وتقليل مستويات البطالة الفعلية التي ما زالت تزيد على 18% من اجمالي القوة العاملة .

 مما يتطلب تقييم حزمة السياسات الاقتصادية بعيدا عن اي توجهات انتقائية في تقييم بعض السياسات دون الاخرى .