الجمعة، 17 أكتوبر 2014

فرضية الندرة في تفسير التفاوت في توزيع الدخل والثروة

هل تملك الصناديق السيادية العالم؟

أ.د. محمد إبراهيم السقا

أ.د. محمد إبراهيم السقا
في مقدمة كتابه بعنوان "رأس المال في القرن الحادي والعشرين"،
الذي أثار جدلا واسعا في الفترة الماضية،
يتناول المؤلف الفرنسي توماس بيكتي المداخل النظرية
التي تتناول مسببات اختلال عمليات توزيع الدخل والثروة في أوروبا والولايات المتحدة،
وفي معرض حديثه عن بعض الفرضيات النظرية لأسباب التفاوت في الثروة
يعرض بيكيتي لفرضية الندرة لريكاردو،
التي نشرها هذا الأخير في كتابه الشهير بعنوان "الاقتصاد السياسي"
متناولا تطورات أسعار الأراضي والريع في الأجل الطويل.
وفقا لريكاردو
فإنه ما إن ترتفع معدلات النمو السكاني والناتج،
تصبح الأراضي أكثر ندرة بالنسبة للسلع الأخرى في المجتمع،
وهو ما يؤدي إلى استمرار ارتفاع أسعارها،
وبالتبيعة الريع الذي يحصل عليه أصحابها منها،
ونتيجة لذلك ترتفع الحصة من الناتج التي يحصل عليها أصحاب الأراضي
بما يؤثر على التوازن الاجتماعي بين السكان في الدولة،
ولذلك يدعو ريكاردو إلى زيادة الضرائب على الأراضي وريعها
حتى يمكن استعادة التوازن مرة أخرى في توزيع الدخل والثروة بين أفراد المجتمع.
يحاول بيكيتي استخدام مبدأ الندرة في تفسير التوزيع العالمي للثروة في القرن الحادي والعشرين،
ولذلك يستبدل بيكيتي الأرض الزراعية في نموذج ريكاردو
بالأراضي العقارية في المدن،
أو كبديل لها أسعار النفط في الوقت الحالي،
ويرى أنه لو قام بعمل إسقاط لهما استنادا إلى بيانات الفترة من 1970-2010
وذلك للفترة من 2010-2050 أو من 2010 حتى 2100،
فإنه من المتوقع أن يحدث اختلال اقتصادي واجتماعي، وربما سياسي،
على نطاق واسع ليس فقط بين دول العالم، وإنما أيضا داخل تلك الدول،
التي لا محالة تستدعي النتيجة التي توصل إليها ريكاردو.
وفقا لفرضية ريكاردو
فإن تزايد الريع سوف يؤدي إلى تركز الثروة بشكل أكبر في يد أصحاب الأراضي،
وهو ما يمكنهم من شراء المزيد من الأصول
مما يتسبب في انحراف توزيع الثروة بتعاظم ثرواتهم،
وبالتالي يتصور بيكيتي حدوث نفس الموقف في حالة الدول النفطية،
التي مع ارتفاع أسعار النفط وتزايد إيراداته سوف تتمكن من تركيم الأصول التي تمتلكها في العالم
وتتزايد بالتبعية عوائد هذه الأصول
مما يؤدي إلى تزايد قدرتها على شراء الأصول بصورة أكبر بما فيها العقارات،
وتزايد أعداد من يسكنون فيها من السكان في الغرب وتزايد عمليات دفع الإيجارات للدول النفطية.
غير أن عملية تكيف السكان في العالم 
مع هذه التغيرات في توزيع الأصول والثروة على المستوى الدولي
تعد بطيئة فضلا عن أنها ليست سهلة،
وهو ما يمكن أصحاب الأراضي والدول النفطية من تركيم ثرواتهم مقارنة بباقي السكان في العالم،
وبما يساعدهم على تملك كل شيء يمكنهم تملكه،
ولهذا يحذر بيكيتي قراء الكتاب
من أنهم بحلول 2050 سوف يدفعون إيجارات المساكن التي يقطنونها لأمير قطر،
في إشارة إلى تزايد الأصول التي تمتلكها الدول النفطية في العالم من خلال صناديق الثروة السيادية
التي تمتلكها نتيجة لارتفاع أسعار النفط 
ليطرح تساؤلا أساسيا بعنوان "هل تمتلك الصناديق السيادية العالم"؟
يستخدم بيكيتي توقعاته حول نمو صناديق الثروة السيادية في العالم،
التي تمثل نحو 1.5 في المائة من إجمالي الثروة في العالم في 2013،
ليتوصل إلى أنه بحلول النصف الثاني من هذا القرن
سوف تتزايد نسبة صناديق الثروة السيادية إلى ما بين 10-20 في المائة فقط من الثروة في العالم،
وهو ما قد ينفي ما أورده حول احتمال تحول مساكن العالم إلى ملكية الدول النفطية،
إلا أنه يؤكد على أهمية تزايد الدور الذي تلعبه أموال النفط في البلدان الغنية بشكل لافت للنظر،
بصفة خاصة في فرنسا، 
وبالتالي من الخطأ إهمال فرضية أن الناس سوف يدفعون إيجارات مساكنهم للدول النفطية.
يسوق بيكيتي تحليله 
بأن صناديق الثروة السيادية للدول النفطية تنمو
ليس فقط بإعادة استثمار الأرباح التي تحققها،
وإنما أيضا من خلال استثمار جانب من إيرادات بيع النفط،
وأنه يتوقع أن الدخل الذي تحققه هذه الدول من بيع النفط
سوف يتجاوز أرباح الاستثمارات الحالية لصناديق الثروة السيادية،
حيث يتوقع بيكيتي أن يصل سعر النفط إلى نحو 200 دولار بحلول 2020-2030،
وأنه إذا ما تم استثمار جانب جوهري من هذا الريع النفطي في صناديق الثروة السيادية كل عام،
فإنه من المؤكد أن الصناديق السيادية للدول النفطية سوف تنمو
بحيث إن الأصول التي تملكها في الخارج
ربما تصل إلى ثلاثة أضعاف مستوياتها الحالية في 2030-2040،
وهو الأمر الذي يمكن أن يزيد من قلق الدول الغربية
حول قبول فكرة ارتفاع ملكية صناديق الثروة السيادية لأصولها،
وفي رأي بيكيتي قد يصاحب ذلك ردة فعل سياسية
قد تتمثل في تقييد عملية شراء الأصول الحقيقية في الدول الصناعية من جانب صناديق الثروة السيادية،
وربما تطرح خيارات للحد من ثروة هذه الصناديق من بينها سيناريو المصادرة.
بيكيتي يتوصل إلى خلاصة حول تراكم الثروة السيادية النفطية في العالم أراها خاطئة،
وذلك عند المقارنة بين ريع الأرض وريع النفط، 
فشتان بين حالة الأرض وحالة النفط،
فالأرض أصل دائم للثروة
واستمرار القدرة على ملكيتها يضمن لأصحاب الأراضي استمرار تدفقات الريع وتراكم الثروة
طالما استمرت إنتاجية الأرض مرتفعة كما يفترض ريكاردو،
الدول النفطية تملك أصلا آخر هو النفط،
والنفط ليس أصلا دائما من أصول الثروة،
وإنما مصدر ناضب،
وفي وقت ما سوف ينتهي الأساس الذي تقوم من خلاله الدول النفطية بتملك الأصول في دول الغرب،
ومن ثم تركيم الثروة وشراء الأصول في العالم.
من ناحية أخرى فإن بيكيتي يفترض أن تزايد السكان والناتج في العالم
سوف يترتب عليه نتيجة واحدة وهي نمو مضطرد في الثروة السيادية للدول النفطية،
وهذا أيضا افتراض خاطئ،
صحيح أن الدول النفطية تستفيد من آثار تزايد السكان في العالم
وتزايد الطلب على النفط في صورة استمرار التصدير بأسعار مرتفعة له،
لكنها على الجانب الآخر سوف تعاني من الآثار السلبية لمثل هذه التطورات في جانبها هي،
فالسكان في الدول النفطية يتزايدون بمعدلات أكبر بكثير من معدلات تزايد السكان في باقي العالم،
وبالتالي تتزايد مطالبهم على الثروة التي تملكها تلك الدول،
سواء تلك التي يتم استخراجها من الأرض، أي على الثروة النفطية،
أو التي يتم الاحتفاظ بها من خلال صناديق ثروتها السيادية في الخارج.
وفي ظل عدم قدرة الدول النفطية على تنويع مصادر الإنتاج والدخول خلال الفترة الماضية،
ومع تزايد الإنفاق العام لهذه الدول إلى مستويات حرجة،
فإن عمليات السحب الصافي من صناديق الثروة السيادية آتية لا محالة،
بحيث تحدث عملية التراكم العكسي للثروة، 
بعكس ما افترض بيكيتي بتوظيف فرضية ريكاردو على الحالة النفطية.
إن الذي ينبغي التأكيد عليه هنا
هو أن الثروة التي تملكها الدول النفطية بشكل عام هي ثروة استثنائية أو ثروة مؤقتة،
وبالصورة التي يتم التعامل معها اليوم،
من المؤكد أنه سوف يأتي عليها يوم تنضب فيه،
فالمشكلة الأساسية للدول النفطية هي أنها لا تقوم بتنمية هذه الثروة على النحو الذي يضمن استدامتها،
على العكس، ما يحدث هو أنه بدلا من تحويل تلك الثروة إلى أصول إنتاجية حقيقية وعقارات،
بحيث تضمن الدول النفطية تنويع مصادر دخلها وتؤمن فرص تنمية ثرواتها على المدى الطويل
مثلما يفترض ريكاردو،
يتم توجيه الجانب الأكبر من هذه الثروة نحو الاستهلاك وغير ذلك من أشكال الإنفاق غير المنتج،
وهو ما يمثل عملية هدر استثنائية لهذه الثروة،
والآن نعود إلى التساؤل الأساسي،
هل بحلول 2050 سيدفع العالم إيجاراته للدول النفطية مثلما يحذر بيكيتي،
الإجابة في رأيي هي أنه ربما بحلول 2050،
وفي ظل نمط الاستغلال الحالي لهذه الثروة، 
قد لا تجد هذه الدول ما تملكه، لكي تؤجره للعالم.