الأحد، 23 يونيو 2013

فرانسيس بيكون : أوهام العقل الاربعة وبناء المعرفة من جديد

 فرانسيس بيكون : أوهام العقل الاربعة

الأوهام الأربعة وبناء المعرفة من جديد

خالص جلبي


وصف فرانسيس بيكون في كتابه (البحث الجديد ـ أورغانون نوفا Organon Nova)

أوهام العقل

 فاختصرها في أربعة:

 (أوهام القبيلة) و(خيالات الكهف) و(خداع السوق) و( ألاعيب المسرح).

فأما (أوهام القبيلة) فهي مشكلة عقل الانسان، أنه مرآة مقعرة، على نحو ما،

 بمعنى أنه يرى الأشياء في ضوء الهوى والتقاليد التي نشأ فيها.

أما (أوهام الكهف) فهي شخصية، كما وصفها (أفلاطون)،

 أن أحدنا يسكن في كهف من التصورات، وأن النور الذي يأتي من الخارج يترك ظلاله على جدران الكهف؛

 فلا نرى الحقيقة إلا بعمل عقلي مجرد،

 وهيهات أن نصل الى الحقيقة.

وتحت ضغط هذه الفكرة وصل الفيلسوف (بيركلي) الى اعتبار

 أن العالم وهم؛

لأن ما نراه لا يمثل العالم، بقدر الكاميرا العقلية التي نحملها داخل رؤوسنا.

أما (أوهام السوق)

فهي التي تنشأ من عالم المال والأعمال، واجتماع الناس وتأثر بعضهم ببعض،

ومن هنا اعتبر القرآن أن أكثر الناس لا يعقلون، لأن الميديا تلعب دورها في إنشاء هذيان الجماهير.

وانهيار الأسواق المالية لا يتبع قواعد موضوعية، بقدر جموح العواطف، وتخوفات البشر، وأوهامهم حول الأشياء.

ومنها كارثة الرهن العقاري الأمريكي عام 2008 التي قادت إلى زلزلة العالم.

والواقع أن الديموقراطية جيدة، عندما يوجد الوعي، وإلا أصبحت مهزلة؟!

ورصيد الديموقراطية يبقى وعي الأمة قبل الصناديق.

وأما (أوهام المسرح) فهي التي انتقلت إلينا من الفلاسفة والمفكرين،

 أي تلك الأفكار التي نتلقاها دون تمحيص.

ولذلك فإن (بيكون) اقترح علينا، أن نتحلى بالعقل النقدي أكثر من النقلي، كي نؤسس لمعرفة سليمة.

والقرآن نعى جدا على اتباع الآباء فقال:

(أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون).

ليخلص بيكون إلى هذا الاستنتاج الثوري:

( يجب أن نقذف بجميع نظريات القرون الوسطى بعيداً،كذلك الجدل والحوار والنظريات، التي تحتاج إلى إقامة البرهان وننساها.

ويجب على الفلسفة كي تجدد نفسها، أن تبدأ مرة ثانية بقلم جديد ولوح نظيف وعقل مغسول مطهر،

 لذلك تكون الخطوة الأولى في الفلسفة هي تطهير العقل وتنقيته، وكأننا عدنا أطفالاً صغارا أبرياء من الأفكار والأحكام المسبقة.

إن مشكلة المنطق الأولى هي تتبع مصادر هذه الأخطاء وسدها).

هذه الأقوال هي لفيلسوف بريطاني عاش 65 سنة، بين 1561 و 1626 م،

ولكن بصماته مازال لها الأثر في الفكر الإنساني حتى اليوم، هو (فرانسيس بيكون).

ويجب أن نفرق هذا عن جبل آخر من العلم هو (روجر بيكون) استفتح عصر التنوير سميه فرانسيس بقرون.

ويعلق المؤرخ الأمريكي (ديورانت) على أثره في الفكر،

أنه شق طريقاً جديداً في الفلسفة، بعد أرسطو، تعتمد الجانب العملي التجريبي.

وتشبه قصة هذا الفيلسوف البريطاني، حياة (ابن خلدون) فقد جمع بين الفلسفة والسياسة،

وهي خلطة صعبة إلا على من يسرها الله عليه.

وارتقى في المناصب الحكومية، حتى أصبح رئيس وزراء، في عهد جيمس الأول،

ولكن السياسة حصان جموح غير قابل للترويض؛

 فقد جلبت لنفسه المتاعب والحساد؛ فكادوا له كيدا ورموه في غياهب السجن.

وفي نهاية حياته ذاق مرارة الفقر بعد نعمة الغنى،

ولكنه عكف على إنتاج أفضل شيء للبشر، أي الخلاصات الفكرية في عدة كتب.

وبقي بيكون نشيطاً حتى أيامه الأخيرة،

وعندما كان في طريقه لزيارة أحدهم خطرت له فكرة عن حفظ الدجاج أو اللحم عموما؛

فكم من الوقت يحتفظ الثلج بلحم الدجاج دون فساد؟

وعندما سارع إلى تطبيق التجربة على نفسه؛

 انتابته عرواء ومرض ومات،

غالبا من التهاب رئوي حاد، في وقت لم تكن الصادات الحيوية موجودة، ولم يكن يعمر إلا القليلون النادرون.

هكذا مات سبينوزا عن عمر 42 سنة بالتهاب صدر،

وجن نيتشه بالتهاب الدماغ الصمغي في عمر 50،

وقضى صلاح الدين وهو كهل بالتهاب الطريق الصفراوي،

وأما الإمام الشافعي فمات من البواسير، وهي اليوم تحل بعملية بسيطة.

وأوصى بيكون أن يكتب على قبره:

(أترك روحي إلى الله، وأما جسدي فأمره إلى المجهول، وأما اسمي فأبقيه للأجيال القادمة والإنسانية جميعاً).


http://www.aleqt.com/2009/08/13/article_262449.html