الأربعاء، 13 يونيو، 2012

الحداثة وما بعد الحداثة (1)

مجدي عزالدين حسن
مدخل عام:
يفتح مصطلحا "الحداثة" و"ما بعد الحداثة" على أفاق لا حصر لها.


وإذا كان يصعب أو يستحيل على أي باحث أن يقدم تعريفاً جامعاً مانعاً لمصطلحي "الحداثة" و"ما بعد الحداثة" ولحقلهما الدلالي، في مختلف ميادين الفكر والممارسة، فإنه يصعب أيضاً عليه أن يتنكر لأهمية ما تمثله إشكالية "الحداثة" و"ما بعد الحداثة"، في حياتنا المعاصرة، ثقافياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً.

نبعت "الحداثة" في الغرب من سيرورة تاريخية اقتصادية علمية، وهذا يعني أن الحداثة كانت خلاصة لتجربة مميزة، ارتبطت تاريخياً وسوسيولوجياً بمرحلة الثورة الصناعية، لذلك اقترنت في الغرب بمفهوم العقلانية وإخضاع الكون والطبيعة والإنسان لأحكام هذا العقل وسيادته وطاقاته.


وحداثة الغرب ارتبطت بالحياة، وانبثقت منها ولم تفرض فرضاً لا على المجتمع ولا على الفكر ولا على الثقافة.
والمحصلة النهائية لهذا المسار الغربي أن الحداثة الغربية، وخلال مراحل سيرورتها، كونت هوية لها، وخصائص وتمايزات.

على ذلك، يمكن النظر إلى الحداثة بوصفها نمط حياة شاملة تكونت في السياق الحضاري الغربي، وتفاعلت استجابة للثورة الصناعية، وما رافقها من ثورة علمية، وثورة في التفكير، و تغيير في نوعية الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

وقد وصلت إلى حالة الأزمة التي كشف عنها تيار "ما بعد الحداثة" في نقده لمسارها والدعوة إما للعودة إلى منطلقاتها الأولى لتصحيح ذاتها, أو تدميرها وفرض نوع جديد من الحداثة.

إن الحداثة -واقعاً ومفاهيمياً- تعبر عن مرحلة تاريخية وتقوم على مقومات مثل الانتظام والعقلانية: عقلنة الفكر العلمي, عقلنة الفكر السياسي, عقلنة القول التاريخي, عقلنة القول الديني.

وبشكل عام تشير الحداثة إلى فلسفة المجتمعات الغربية وثقافتها، قبل وبعد الفترة التاريخية التي حقق فيها مجتمع ما بعد الثورة الصناعية إنجازات هائلة، تكنولوجية وفكرية، وقاسى ويلات حربين عالميتين، وشهد تحولاً حضارياً كاملاً في ظروف المعيشة والعلاقات الاجتماعية "

وبوسعنا القول بأن الحداثة في جميع معانيها المتعددة تعني التسليم بقدرة العقل المطلقة.

وعلى الضد تماماً نجد أن ما بعد الحداثة تميزت بالشك والتمرد على كل السلطات المعرفية التقليدية التى كانت سائدة في الحداثة ومنها سلطة العقل.

كان الشك في كل السلطات التقليدية قد بدأ في معسكر ما بعد الحداثة.

ونعني بالسلطات التقليدية سلطة العلم، سلطة الدين، سلطة الفلسفة والميتافيزيقيا، وجميعها أقامت أنظمتها، على ما أسماه النقاد ما بعد الحداثيين وتحديداً "دريدا"، بالحضور Presence-ومعناه التسليم بوجود نظام خارج نطاق اللغة وإطار عملها تقوم بالإحالة إليه –وهو ما يرفضه النقاد ما بعد الحداثيين.

في ظل هذا السياق، يمكننا النظر إلى ما بعد الحداثة باعتبارها اتجاهاً يعارض بكل جدية الوجهة التأكيدية واليقينية التي ميزت أفكار الحداثة التي قامت على السلطات التقليدية المذكورة آنفاً والتي أعطت بدورها العقل أهمية قصوى.

هذا الإيمان: إيمان الحداثة بالعقل ومنتجاته في الحضارة الغربية، 
هو الذي دفع النقاد ما بعد الحداثيين إلى الارتداد على المشروع الحداثوي نفسه 
وقادهم إلى التمرد على التسليم الكامل بسلطة العقل وكسر سطوته، 
لماذا ؟ لأنهم رأوا أن الحداثة انتهت إلى قهر الذات بدلاً من تحريرها.

بالتالي في إمكاننا أن نربط ما بين التعريف ل "ما بعد الحداثة " والنقد الذي وجهه منتسبوها إلى مشروع الحداثة.
ويقودنا ذلك إلى أن "ما بعد الحداثة" تمثل اتجاهاً نقدياً لمشروع التنوير والنهضة الذي قدمته الحداثة الغربية. 
وإذا أردنا وضع هذا التعريف في شكل معادلة قلنا: "ما بعد الحداثة= نقد الحداثة".

إلا أن ذلك لا يعني أن كل النقد الذي صوب نحو المشروع الحداثوي الغربي، كان حكراً على تيارات ومدارس ما بعد الحداثة



وهذا ما أكده "يورغن هابرماس" حينما صنف أو ميز بين " ثلاث نزعات تعارض الحداثة:

i/ نزعة الشباب المحافظين الذين عاشوا تجربة الحداثة الجمالية، وهي مظهر من مظاهر الذاتية التي أزيحت عن مركزها، والتي تحررت من كل تحديدات عملية الإدراك والعمل الغائي والتي تخلصت من قيود العمل والمنفعة.
باسم هذه الذاتية نقدت هذه النزعة تمظهرات الحداثة على الصعيد العلمي والسياسي والإبداعي،ابتدأ هذا الميل في فرنسا عند "جورج باتاي" وانتهى عند "دريدا" مروراً ب"فوكو".
ومن البديهي أن نجد عند هذا الاتجاه روح "نيتشه" الذي اُكتشف مرة أخرى في السبعينيات.

ii/ نزعة المحافظين القدامى الذين ينتقدون تفكك العقل بالأساس وينصحون بالعودة إلى ما قبل الحداثة، أي إلى عنصر الروحانيات حيث لم يرتبط العقل بالمادية.

iii/ نزعة المحافظين الجدد الذين يبتهجون بتطور العلم الحديث، على ألا يخرج هذا العلم عن نطاقه إلا ليساعد على التقدم التقني والنمو الرأسمالي والإدارة العقلية.

إلا أن اللافت للنظر في التمييز الذي قدمه "هابرماس"، هو جمعه لهذه النزعات أو التيارات تحت اسم المحافظة.
وهاهو (علي حرب) يربط بين الاتجاه "ما بعد الحداثي"، يربطه بالتحولات والتغييرات الكبيرة التي دفعت إلى إعادة النظر في كل الثوابت والبدهيات ونقد كل المرجعيات،
بقوله:
" ليس من شك في أن مقولات النهايات والبعديات التي تعلو أصواتها على النطاق العالمي، إنما تشهد بتحولات كبيرة وموجات معرفية علمية وتقانية، وقفزات هائلة، أفضت إلى متغيرات في المفاهيم والأفكار، تطال الثوابت والعناوين والبدهيات، بل تحمل تيارات نقدية تعيد النظر في القوالب والمرجعيات، سعياً وراء الانتقال إلى مستويات جديدة من المفاهيم والصيغ الفكرية"

ارتبطت الحداثة وما بعد الحداثة ارتباطاً وثيقاً بقضايا التحولات على مستوى البنى الاجتماعية والاقتصادية والتقنية، مثلما تتصل بالمنتجات الفكرية والفلسفية والأدبية والفنية.

وبينما كان التنوير موضوعاً للحداثة، فإن ما بعد الحداثة ترى أن التقدم أصبح أسطورة.

وظهر مصطلح ما بعد الحداثة في الأربعينيات والخمسينيات، وشاع استخدامه في الستينيات كمصطلح نقدي لرصد أدق التعبيرات الطارئة على المعايير الثقافية، 
إن ما بعد الحداثة توجد باعتبارها " خبرتنا أو معرفتنا المتأخرة بالحداثة، وبأنها رد فعلنا أو استجابتنا الفكرية والأخلاقية والجمالية لهذه النهاية أي نهاية الحداثة"

ويشكل ما بعد الحداثة (عند البعض) مفهوماً واسعاً غير محدد المعالم، ومليئاً بالغموض، إذ يستخدم على مستويات عديدة، وبمعان فيها اختلاف كبير، لذا فقد وصف مصطلح ما بعد الحداثة أحياناً بأنه كلمة لا تبدو خرقاء فقط، بل توحي بتجاوز الحداثة أو قمعها، ومن ثم احتوائه على عدوه الداخلي، كما أنه يعاني من بعض الاستقرار الدلالي، إذ لا يوجد إجماع واضح بين الباحثين عن معناه.

بعض الأفكار أو النظريات الأساسية التي تهتم ما بعد الحداثة بعزلها والكشف عنها هي:
الأصل المفترض أو منشأ فكرة يقينية أو أصل موضوع ثابت، ووحدة واكتمال هذا الموضوع أو ترابطه المنطقي، والحضور الطاغي الفوري أو البديهي والمحقق له، والطبيعة اليقينية أو الطبيعة الفائقة أو المتجاوزة المساوية للأفكار والقيم التي يتأسس عليها الموضوع، أو توضحه.

وقد " اتخذ فكر ما بعد الحداثة من الاختلاف واللا تعيين مقولات لرفض الثوابت، مستبدلة إياها بالخطاب والمناظرة والجدال والديمقراطية، بافتراض أنه لا توجد حقيقة كلية أو مطلقة في المجتمع الذي تحول فيه الأفراد من منتجين إلى مستهلكين.


وفي تقدير ما بعد الحداثة، فإن القضايا الفلسفية الكبرى، مثل طبيعة الإنسانية، ونوعية الوجود..الخ، والتي يمثل موضوع الذات صلبها، وهنت أو أصبحت غير مقبولة.


كما أن الحداثة الغربية، قد بلغت منتهاها، إذ لم تنجز وعودها، وسادها عدم اليقين والاضطراب والحروب والمظالم، بعكس منظورها العقلاني، فاتسمت بالجمود واستخدام القوة والنظم المغلقة.


وهكذا فإن اتجاه ما بعد الحداثة يسعى إلى تأكيد الحق في الاختلاف عن الأسس والنتائج القيمية والمعرفية لأفكار الحداثة والتنوير، والنظر إلى التاريخ بأنه مفتوح على احتمالات عديدة.


فالتمركز العقلاني الذي يستخدم معاني فلسفية وتعريفات كلية قد أصبح مضللاً ، كما أن أشكال المعرفة التي توهمت بإعطاء أساس فكري لتلك الحقائق،
قد حولتها إلى مجرد بنى ينبغي تفكيكها، فأصبحت مضادة للحداثة،
وتنبذ تصوراتها عن الحقيقة الكلية، 
وتلفظ أهداف المجتمع الأخلاقي، المؤسس على قدرة الذات على معرفة مطالب الحقيقة والعمل بموجبها.

فالنموذج الحديث، لم يعد قادراً على تفسير العالم، فلابد من صياغة أشكال جديدة للمعقولية تتيح فهم اللامفهوم لما يعين على الاقتدار في التواصل والتبادل، عن طريق نقد الحداثة العقلية بكل أبنيتها ومقولاتها وخطاباتها، إذ بلغت العقلانية الحديثة منتهاها، وفقدت ضماناتها وأمنها المعرفي،
وبذا، فإن نقد تلك العقلانية هو مفتاح الهويات الثقافية في إبداع عقلانياتها لصنع حقيقتها وبالتالي تغير علاقات القوة والمعرفة والثروة بينها وبين الغير.

من هذا المنظور النقدي الذي يظهر تصدع الأنساق الفكرية أو النماذج التي عكست مشروع التحديث الغربي منذ عصر التنوير، بالتفاؤلية والإيمان بالعقل،
فإن اتجاه ما بعد الحداثة، يعمل من أجل تفكيك وتذرية المعنى من دون أن يحفل بالمتراكم التاريخي، ويتجه إلى نزعة اللاأدلجة من خلال البدء بالتصدي للعقلانية، وإقصاء المرجعيات تساوقاً مع تطور الواقع التاريخي في الغرب،
والذي انتقل هو بدوره من مرحلة العقلنة إلى مرحلة الهيمنة والتمركز والاكتفاء بالذات، والانغلاق، مما أضاع الثقة في مشروع الحداثة، وأفضى إلى أيديولوجيا ما بعد الحداثة، انعكاساً لأزمة الانشطار والابتلاع.
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=300839