الثلاثاء، 1 مايو 2012

تمكين الموظفين... معروفٌ يسديه المديرُ لنفسه أم لموظفيه؟


الكـاتب : معتز حبش

دخل بشير الفالح بستانَ صديقه رسمي السلطان فرآه عابساً حزيناً... خير يا رسمي ما القصة؟
خير؟! من أينَ يأتي الخير وكل عمالي كذكور النحل يأكلون ولا ينتجون ولا أستطيعُ ائتمانَ أحدهم على أبسط الوظائف! لقد مللت وتعبت!
 هل تبادلني عاملاً من عندك بعشرةٍ من عندي؟ اللهم لا حسد!
تبسم بشير، وقال: وما أدراك أن عاملي عندما يأتي إليك لن يتحول إلى ذكر نحل جديد؟
 لا تغضب أرجوك فنحنُ إخوة والنصيحة بيننا واجبة!
 أحضر معكَ مطيعاً عاملك القديم وهلمَّ إلى بستاني حتى ترى أنَّ عمَّالي ليسوا أفضلَ من عمالك أبداً...
جلسَ بشير ورسمي في الظل يراقبان العمَّال..
 وفجأةً قالَ بشير لرسمي: نريدُ الآن أن نشتري إوزاً من عند جيراننا، فهل تُرسلُ مطيعاً على طريقتك؟
أجل نشتري! قال رسمي: ثم نادى عامله مطيع:
مطيع! اترك كلَّ شيءٍ من يدك وتعال إليَّ فوراً!
 اذهب إلى جيراننا وقل لهم يسلم عليكم معلمي رسمي بك ويقول لكم: هل عندكم إوز للبيع؟... حفظتَ المطلوب أم أعيد؟... لا لا! مفهوم يا معلم!
انطلق مطيع كالصاروخ ثم رجع لاهثاً: نعم لديهم فكم تريد؟!
حسناً اذهب بسرعة وقل لهم: نريدُ خمساً، فهل هم جاهزون لتسليمها غداً؟
انطلق مطيع كالصاروخ ثم عادَ لاهثاً: نعم يمكنهم تسليمك الإوز غداً فماذا تأمرُ أن أقولَ لهم؟
اذهب فاطلب منهم خمسَ إوزات على شرط أن تعجبني وعندئذٍ نناقش السعر وإلاَّ فهي مردودة، مفهوم؟
حاضر يا معلّم!.....
 قال رسمي: ها قد اشترينا الإوز على طريقتي فأرني كيفَ نشتريه على طريقتك!
أخرجَ بشير جواله من جيبه وطلبَ عامله: السلام عليكم يا رائد! أينَ أنت الآن؟ في طريقك إلى المزرعة؟ جيد جداً! إذا كنَّا بحاجةٍ للمزيد من الإوز فأرجو أن تقومَ باللازم لاستكمال النقص ثم أخبرني بالنتيجة عندما تصل، فأنا بانتظارك... وعندما وصلَ رائد:
انظر يا معلِّم لقد اتفقتُ مع الجيران على شراء خمسِ إوزات بخمسينَ ديناراً تسلَّمُ لنا غداً صباحاً ما لم نخبرهم بخلافِ ذلك خلالَ ساعة، عاينتُ الإوزات بنفسي ورأيتُ أن السعرَ ملائمٌ جداً وبما أنهم يعرضونَ تخفيضاً على شراء عشرِ إوزات فقد اتفقتُ معهم على حساب الإوزات الخمس الإضافية بثلاثينَ ديناراً...
 فما قولك هل أتصل وأطلب خمساً أخرى؟ لسنا مضطرين إلى شرائها الآن، ولكن السعرَ مغرٍ وأرى أن لا نفوته من أيدينا، فالسيولة متاحة وأتوقعُ ارتفاعَ الطلبِ على الإوز قريباً!
ابتسمَ بشير مسروراً وقال له: افعل ما تراه مناسباً... ثمَّ حوَّلَ وجهه إلى صديقه رسمي وقال له: هل أعجبك تصرف رائد؟ أعطني مطيعاً وسوفَ أثبتُ لك أنَّه أفضلُ من معظمِ العاملين لديّ!

إنَّ نظرتكَ إلى عمَّالك ترسمُ طريقةَ تعاملكَ معهم، وطريقةُ معاملتك لهم هي التي تجعل منهم ما هم عليه!

1) إذا كنتَ لا تعلمُ كيفَ تسيرُ العملية فهذا يعني غالباً أنك أنت المدير، وإذا كنت تراقبها بنفسك ولا تستطيعُ التوقف عن إقحامِ يديك فيها فهذا يؤكد حتماً أنَّك لستَ المدير!
عزيزي القارئ هل جرَّبت يوماً الصعودَ على الدرج إلى مكتبك أو منزلك وأنت مغمض العينين؟
في كثيرٍ من الأحيان -بل غالباً- لا تعرفُ عدد الدرجات الموصلة إلى المكتب أو المنزل رغم استخدامها مئات المرات، وبالرغم من ذلك تستطيع الصعود والنزولَ عليها مغمضَ العينين، ويمكنك الشعورُ بوصولك إلى نهايةِ الدرج وأنتَ مغمض العينين أيضاً
 فكيف تفعلُ ذلك؟
تخيل عزيزي القارئ أنك تمشي وتصعدُ الدرج وأنت تدقق وتحلل وتحسبُ كلَّ حركةٍ من حركات جسمك...
 هل سيكونُ السيرُ وصعودُ الأدراجِ أكثر راحةً وأماناً لك؟
اسمح لي أن أجيب عنك بـِ (لا)، واسمح للعلم أن يخبرك بأنك -وأيَّ إنسانٍ آخر- عاجزٌ عن القيام بهذه الحسابات؛ لأنَّ مشيَ الإنسان وصعوده الدرج هو إعجازٌ إلهيّ هندسيٌّ معقَّد ما يزال العلماء يدرسونه ويتعلمون منه، وحسبك أن تتخيَّلَ نفسك ناطحةَ سحاب ذاتَ ارتفاعٍ هائل وقاعدةٍ صغيرةٍ جداً بالنسبة للارتفاع ثم إن ناطحةَ السحاب هذه تسير وتركض وتقفز ولا يسندها أو يوازنها شيءٌ من الخارج وإنما تعتمدُ على شد وإرخاء العضلات وإزاحةِ طوابق البناء في كلِّ الاتجاهات بسرعةٍ ودقةٍ وتنسيق لا يتخيَّلها ولا يتحمَّلُ أداءها عقل بشر!
لا تقلقوا معاشر المدراء ولا تظنوا أنّي سأدعوكم إلى تخليط المناصب والمسؤوليات والسماح لكلِّ عضو في المنظمةِ بالسيرِ على هواه!
بل أريدُ أن أطمئنكم إلى أنَّ المزيدَ من التمكين والتفويض والمرونة إنما هو السببُ الحقيقي لنجاح المنظمةِ ونجاحِ المدير معها.
أليسَ المتفوِّقُ من العازفين أو الرياضيين هو الذي تتوصَّلُ أعضاءُ جسمه إلى أعلى درجاتِ الحرية والتلقائية المنضبطة ذاتياً في حركات جسمه؟
 هل يحسبُ ويحلِّلُ العازفُ أو لاعب الرشاقة كلَّ جزئيَّةٍ من جزئيات حركاته وسكناته؟
 كلا يا سادة، إنه لا يفعل ذلك، وإنما يترك الخبز لخبازه ويدعُ حواسه وأعصابه وأعضاءه المدرَّبةَ تقوم بعملها.
وبعد العرضِ أو المباراة من يتلقى الميدالية أولاً؟ هل تتلقاها يدا العازف أو قدما العداء؟! كلا، بل يتلقاها الجسمُ كله... ويتقلَّدها الرأس أوَّلاً!
عزيزي المدير: التمكينُ يحققُ منافعَ ومطالبَ أساسية للمنظمة كلها إدارةً وموظفين...
ويحققُ مطالبَ عملائها الخارجيين ومطالبَ كلّ المتأثِّرين بأدائها...
وعندما يحين موعدُ الحصاد تجدُ أنَّك الرابح الأول من التمكين فطبَّاخ النجاح هو الأجدرُ بتذوُّقه أوَّلاً!
2) التمكين الحقيقي لا يستثني أي وظيفةٍ من وظائف المنظَّمة:
عزيزي القارئ:
 كان مثالنا الأول على التمكين هو المشي والحركاتُ المعتادة،  وإذاً إيَّاك والظنَّ بأنني أدعو المديرين إلى تخفيفِ أحمالهم ببساطة وتمكينِ موظفيهم من صناعة القرارات الصغيرة وتفويضهم المهمات الروتينية كالمشي، مع أن المشي معجزة عظيمة كما رأينا!
 كلا، بل إنني أدعوهم إلى اتباع نموذج التمكين المشاهد في جسم الإنسان والذي لا يستثني من التمكين أيةَ وظيفةٍ من وظائف الجسم مهما كانت رفيعة وخطيرة!
ألم تفاجئك يوماً سيارةٌ مسرعة عندَ ممرِّ المشاة ثمَّ وجدتَ أعضاءَ جسمك تتصرفُ بسرعةٍ هائلة فتقفزُ إلى الوراء أو اليمين أو اليسار -حسب اتجاه الصوت- ولا تفكرُ في الأمر إلاَّ بعد حدوثه؟
 من الذي قرر الوثوب إلى الخلف أو الجانب في ذلك الموقف الخطير؟
 هل هي السلطة العليا في الدماغ؟...
كلا، وإنما هو الحبلُ الشوكي بالتنسيق المباشر والفوري مع الأذنين والقدمين والجسمِ كله دونَ انتظارِ رأي الدماغ الواعي الحكيم، والمحدود القدرات!
تخيَّل عزيزي القارئ أن دماغ البشرِ كان إدارةً عتيقة الطراز تُطالبُ النخاع الشوكي والحواس وأعصاب الحركة وعضلاتها بتقارير مفصلةٍ عن الموقف واقتراحات التصرف ومبرراتها وعواقبها ولا تمكنها من التحرك في هذا الموقف الخطير قبل اكتمال التحاليل وموافقةِ الجهاتِ العليا على التنفيذ!
 متى سيجدُ أيُّ إنسانٍ نفسه سالماً على الرصيف؟!
 اللهم لك الحمد أن لم توكل لنا إدارة أنفسنا، ولك الحمدُ أن ألهمتنا التعلمَ من بديعِ خلقك!
3) التمكين تنميةٌ مخطَّطة ومصلحةٌ للجميع وليس مسرحاً لاستعراضات النفوذ والعلاقات:
يتخوَّف البعضُ من توليدِ التمكين للفوضى وتضييعه سيطرةَ الإدارة، وإذاً نعودُ فنذكر: بأنَّ التمكين الصحيح لا يمكنُ أن يسبب الفوضى؛ لأن تعريف التمكين (empowerment) ببساطة هو: إيكالُ الإدارة أو إشراكها في صناعةِ القرار العناصرَ البشرية والمواقع الأقدر والأكفأ في القيام بالمهمة.
وبالتأمل في هذا التعريف البسيط فإن العلاقة الوحيدة بين التمكين والفوضى هي: التمكينُ مستحيلٌ لدى إدارةٍ فوضوية.
 التمكينُ بريء
وسبب الفوضى لا يعدو أحدَ اثنين: إما أن يكونَ خللاً في تطبيق السياسات والرقابةِ عليها، أو أن يكون عجزاً في السياسات والثقافة التنظيمية ذاتها.
لا يخش الدماغُ من ذهابِ سيطرته على الجسم إن هو مكَّن الأعضاءَ؛ لأنه لا يوزِّع مساحات الحرية في القرارات والتصرفات كمنحٍ وامتيازاتٍ يرضي بها غرورَ الطامعين من أصحاب النفوذ، أو يُكافِئ بها المرضيين ويحجبها عن المغضوبين ويثبتُ بها للجميع أنه هو المسيطر!
وإنما يقومُ بالتمكين كواجبٍ مدروسٍ منظمٍ لا حياةَ للجسم كله إن حُجِبَ عن عضو واحد يستحقه أو مُنحَ لعضو ليس أهلاً له!
المدير الأفضل هو:
من لديه الكثيرُ من الذكاء والمهارة والخبرة لانتقاء أفضل الرجال للقيام بالمهمات على أحسن وجه، ولديه الكثيرُ من الصبر وضبط النفس ليمتنعَ عن التدخل بينما هم يعملون.
 (تيودور روزفلت - Theodore Roosevelt).
4) مسؤوليةُ المدير الأولى هي: صناعةُ بيئةِ التمكين وليس انتظارها:
مكِّن موظَّفيكَ عزيزي المدير وتوكِّل على الله، لا تعتذر ولا تتلكَّأ بسبب مخاطر التمكين أو عدمِ جاهزيةِ موظفيك؛ لأن مسؤوليةَ معظمِ هذه الأعذارِ إنَّما تتحمَّلها الإدارةُ أولاً وأخيراً.
ويمكنك أن تختبرَ بنفسك صحةَ أيِّ عذرٍ من الأعذار بالإجابةِ الصريحة على أسئلةٍ بسيطة.
 اطرح هذه الأسئلةَ على نفسك أولاً في ساعةِ تأملٍ هادئة، ثم ناقشها على الورق وبالأرقام وبحضور من تثق بهم من أهل العلمِ والخبرة من داخل المنظمة وخارجها.
 سل نفسك:
- إذا كان موظفيَّ غيرَ مؤهلينَ للتمكين فماذا أضعُ من خطط حتى أجعلهم أهلاً لذلك؟
-  وإذا كنتُ يائساً من إمكانيةِ التمكينِ في عملي، فأين هو سببُ المشكلة؟ هل هو في طريقة تفكيري وأسلوب عملي المعتاد؟ أم هو في سوء اختياري للعناصر وملاءمتهم مع مواقعهم؟
- عندما أقوم بتجربةِ تمكين ثمَّ تفشل فكيفَ أبني حكمي بفشلها؟ هل أنظرُ إلى النتائج فقط؟ ألا يهمني من هو المسؤول الحقيقي ولا كيف خُطِّطت ونُفِّذت سياسة التمكين؟...
في دنيا الأعمال الحديثة تمكين الموظَّفين ليس فضيلةً شخصية... إنه وسيلتك العملية المثلى للنجاح والتفوق والربح.
فهل تنتظرُ من يرسمُ لك طريق النجاح أم ترسمه بنفسك وتخطط لسلوكه في منظمتك عن سبق إصرارٍ وتصميم؟