الأحد، 6 مايو، 2012

عن العلمانية (3)


عن العلمانية (3)        مجدي عزالدين حسن
ركزنا في المقالين السابقين على المسوغين: التاريخي والأخلاقي في تبيان ضرورة العلمانية كخيار أفضل للعالم العربي الإسلامي،
في مقالنا هذا سنركز على المسوغ الأبستمولوجي للعلمانية، والذي تجد فيه العلمانية مبررها على أساس منطقي عقلاني خالص دون اللجوء إلى المبررات التاريخية والأخلاقية ولا حتى الدينية المؤيدة للعلمانية. 
وقد اخترنا الانخراط في معالجة هذا المسوغ المعرفي من خلال طرح ومناقشة الفرضية التالية، والتي كانت واحدة من أهم مسلمات عصر التنوير، وهي المسلمة القائلة:
بإمكان المجتمعات البشرية تنظيم كافة شئون حياتها دون اللجوء إلى أي سلطة معرفية غير سلطة العقل. 

تُعد سيادة النزعة الإنسانية والعقلانية في عصر التنوير رد فعل طبيعي لما ساد العصور الوسطى من مفاهيم لاهوتية للتاريخ،
 حيث يفسر المفهوم اللاهوتي حركة التاريخ على أنها مجرد تجلي لإرادة الذات الإلهية في العالم،
 و" المفهوم اللاهوتي للتاريخ هو أكثر المفاهيم بدائية، وهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالجهود الأولى التي بذلها الفكر الإنساني لاستشفاف العالم الخارجي.
 فإن أبسط مفهوم يستطيع الإنسان أن يكونه عن الطبيعة، هو أن يرى فيها حوادث ناتجة عن فعل إرادة أو عدة إرادات شبيهة بإرادته، وليس ظواهر مترابطة تخضع لقوانين ثابتة" 

فقد نظر المفهوم اللاهوتي للعالم على أنه تجل لإرادة الإله في تسيير حركة العالم،
فالقديس أوغسطين، مثلاً، نظر إلى الحوادث التاريخية على أنها تخضع للعناية الإلهية، بقوله:
" انظروا إلى هذا الإله الحقيقي الجبار، مبدع جميع الأرواح والأجساد وبارئها.
 الذي جعل الإنسان حيواناً عاقلاً مركباً من جسد وروح، هذا الإله الذي هو مبدأ كل قاعدة وكل جمال وكل نظام، والذي يهب كل شيء العدد والوزن والقياس، والذي يشتق منه كل إنتاج طبيعي، مهما كان نوعه وثمنه، إني أسألكم: هل يعقل أن هذا الإله قد تحمل أن تبقى إمبراطوريات الأرض وسيطرتها وعبوديتها غريبة عن شرائع عنايته" ويقول أيضاً: " وكما أنه يتوقف على الله أن ينزّل بالبشر العذاب أو يكشف عنهم الضر، وفقا لأحكام عدالته ورحمته، كذلك فهو الذي يضبط مواقيت الحروب والذي يختصرها أو يمدها حسب مشيئته" 

على ذلك أطرح عصر التنوير التصور الغيبي للعالم الذي كان سائداً في العصور الوسطى والمستند على قوى غيبية تقع خارج نطاق التاريخ نفسه، وأحل بدلاً من ذلك العقل الإنساني وأكد على قدرته المطلقة في تفسير التاريخ،
ويأتي ذلك كرد فعل " لما ساد أوربا في العصور الوسطى من سيطرة الكنيسة وقتلها روح الاجتهاد بنظرتها للإنسان كمخلوق ضعيف وتسليمها بعجز العقل البشري وضعف الإرادة الإنسانية مما جعل الإنسان بحاجة إلى عقل أسمى من عقله وإرادة أقوى من إرادته ألا وهما العقل الإلهي والإرادة الإلهية التي تسير التاريخ نفسه" 

وهكذا أقام فكر الأنوار نوعاً من التعارض ما بين (العقل) من جهة و(الحكم المسبق، السلطة، التراث) من جهة ثانية، حيث هدف فكر التنوير إلى فهم العالم من منظور (عقلاني) بحت دون الارتكاز في منهجية الفهم هذه على أية (أحكام مسبقة).
 وبالتالي فإن تعاطي فكر التنوير مع العالم كان يتوخى (عقلنة) هذا العالم وفهمه بصورة تضمن لنا (الحيادية) و(النزاهة)، وهو الأمر الذي من المحال التوصل له إلا إذا سبقته عملية (تطهير) كاملة وشاملة لكل أحكامنا المسبقة.
 ولهذا السبب نفهم الدلالة السالبة التي أُصبغت على مفهوم (الحكم المسبق) من قِبَل فكر التنوير، والنظرة المسبقة إليه باعتباره يمثل (حكماً خاطئاً).
 حيث دعا " عصر التنوير إلى عدم تقبل أية سلطة ما وعدم التقرير بشأن أي شيء قبل عرضه أمام منصة الحكم العقلي.
 ولذلك فإن التراث المكتوب للكتاب المقدس، مثله مثل أية وثيقة تاريخية أخرى، ليس في مقدوره أن يدّعي صلاحية مطلقة، فالحقيقة الممكنة للتراث تعتمد على المصداقية التي يمنحها إياها العقل.
 ليس التراث بل العقل هو الذي يشكل المصدر النهائي لكل سلطة.
 فما هو مكتوب ليس بالضرورة صحيحاً... هذه هي الحكمة التي على أساسها يقارب عصر التنوير الحديث التراث والتي تقوده في النهاية إلى الأخذ بالبحث العقلاني" 

وعلى ذلك، ففي استدعاءنا لمفهوم العلمانية ينبغي علينا وصله بحمولته الأنوارية، وبالمعاني التي ارتبط بها بداية من أواخر القرن السابع عشر، والتي تشكل الفضاء المعرفي الفلسفي للمفهوم، حيث ارتبط بالتوجهات الفلسفية الكبرى لعصر التنوير.
وعلى ذلك يشكل فكر الأنوار الإطار النظري المرجعي الذي من خلاله يمكن لنا فهم العلمانية بشكل شامل لكل أبعادها المتعددة، وهو ما دعانا إلى التمييز في مقال سابق لنا بين الفهم الجزئي للعلمانية والفهم الشامل لها.
 ( وهذا التمييز بعيد كل البعد ومختلف تمام الاختلاف عن التمييز الذي أجراه عبد الوهاب المسيري بين العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة).

ويؤكد الموقف العلماني التنويري على مقدرة الإنسان وعلى إمكانياته اللا محدودة في معرفة كل ما له علاقة بالإنسان والطبيعة بمعايير وضعية.
 إن روح التنوير تتمثل هنا في الإعلاء من قيمة الإنسان وفي الدفاع عن العقل والعقلانية النقدية وفي التشبث بالحرية ضد كل قيم القهر والاستعباد والطغيان.
 ومفهوم العلمانية لا ينفصل عن جملة مفاهيم فلسفة الأنوار التي تتكامل معه وتتممه وينسج معها خطاب الأنوار: العقلانية، الليبرالية، المواطنة، العقد الاجتماعي، الديمقراطية، الحرية، التسامح، التقدم. 
وتمثل هذه المفاهيم الحدود الفلسفية والسياسية والأخلاقية التي تؤطر العلمانية مفاهيمياً، والتي تشملها الفلسفة العقلانية المتجاوزة لقطعية الخطاب الديني، والفلسفة السياسية المحددة لمفاهيم الحكم المدني والمساواة والعقد الاجتماعي وحقوق الإنسان، والأخلاق المستقلة عن القوانين الدينية.
 وهي ذات الحدود التي على ضوئها يمكن فهم العلمانية بشكل (شامل) وغير مختزل لها في بعد واحد من أبعادها المتعددة.
 كذلك، لا يمكن الحديث عن العلمانية بمعزل عن المنظومة المرجعية الليبرالية في بعدها الحداثي الأنواري.
 وقد ارتكز مفهوم العلمانية في سياق تطوره الفكري إلى هذه المرجعية الفلسفية الليبرالية والتي تسلم بأولوية الإنسان الفرد في الوجود، كما تسلم بالقيمة المطلقة للحرية وتعتقد بالأهمية اللا نهائية لقدرات العقل الإنساني.
 " ويعد مفهوم العلمانية من المبادئ المؤسسة للاختيار الديمقراطي. ونحن نعتقد، إذا جاز لنا الحديث عن ثوابت ومتغيرات في المعتقد الليبرالي وأنماط الحكم الديمقراطي داخله، أن العلمانية ثابت مركزي من ثوابت العمل والممارسة الديمقراطية، ولا يجوز إغفاله، أو السكوت عنه بأي حال من الأحوال ليظل السياسي معادلاً للتاريخي والنسبي"
 وهو الأمر الذي يتعارض مع هيمنة مبدأ المقدس على كل جوانب الحياة الإنسانية، وبدلاً من ذلك يعتمد مفهوم العلمانية الدنيوي في تاريخيته كبديل للتعالي وللقداسة. 

رفع رايات التعالي والقداسة في مجالات الحياة العامة هو ما ترفضه العلمانية، وهو ما يتمثل في لجوء الجماعات الدينية الممارسة للسياسة إلى اعتبارات دينية خالصة لتسويغ اتخاذ مواقف معينة من القضايا العامة ولاختيار مسار معين في المجال السياسي.
 وبالتالي لا يمكن للنص الديني أن يصبح المرجع النهائي في المجال العام.
 لأن اللجوء إلى هذه النصوص يعطي امتيازاً معرفياً في المجال العام لمن يلجأ إليها لتسويغ موقفه إزاء أي قضية من النوع السياسي أو الاجتماعي يفترض أنها مشمولة بهذه النصوص.

وهو ما أشار إليه فرح أنطون في جدله مع محمد عبده، بقوله:
" إن الإنسان لا يجب أن يُديّن أخاه الإنسان، لأن الدين علاقة خصوصية بين الخالق والمخلوق.
 والإنسان من حيث هو إنسان فقط، أي بقطع النظر عن دينه ومذهبه صاحب الحق في كل خيرات الأمة ومصالحها، ووظائفها الكبرى والصغرى، وحتى رئاسة الأمة نفسها.
 وهذا الحق لا يكون له من يوم يدين بهذا الدين أو بذلك، بل من يوم يولد.
 فالإنسانية هي الإخاء العام الذي يجب أن يشمل جميع البشر ويقصر دونه كل إخاء" 

إحدى النتائج الهامة التي نخرج بها مما سبق، إنما تتمثل في أنه ليس بالإمكان التفكير في العلمانية في واقعنا العربي الإسلامي، خارج إطار التفكير في الإشكاليات النظرية والتاريخية المرتبطة بمعضلة انغراس الحداثة السياسية في واقعنا وفي فكرنا.
 وهو الأمر الذي لن نناقشه هنا وإنما سنرجئه لمقالات قادمة. 

المسوغ الابستمولوجي للعلمانية:
المسوغ الابستمولوجي للعلمانية يقوم على ضرورة التمييز الذي تمدنا به نظرية المعرفة، في إطار بحثها لمشكلة المعرفة، بين طرق في المعرفة قائمة على أسس عقلانية، وأخرى قائمة على أسس لاعقلانية.
 والفرضية الأساسية هنا التي نود مناقشتها هي الفرضية المتمثلة في أن المعرفة القائمة على أسس عقلانية هي وحدها المعرفة المطلوبة لتنظيم المجتمع.
 وهي ذات المسلمة التي يستمد منها مفهوم العلمانية مسوغه الابستمولوجي القائل بأن الإنسان كائن حر وعاقل، وله القدرة على تنظيم حياته باستعمال عقله.

المعرفة القائمة على أسس عقلانية بوسعنا التحقق من صدقها أو كذبها، وهي على ذلك معرفة (بين ـ ذاتية).
 في المقابل فإن المعرفة التي مصدرها لاعقلاني هي معرفة ليس بالإمكان التحقق مما تدعيه.

والمعرفة القائمة على أسس عقلانية هي معرفة (بين ـ ذاتية) لأنها نشاط معرفي يعتمد ويتأسس على طرق مشتركة وبإمكان الكل أن يستخدمها ويوظفها في الإثبات والنفي، التفنيد والدحض، القبول والرفض، وفي البرهنة والتدليل. 

أن إمكان المعرفة العقلانية مرتبط بحقل وبدائرة العالم الواقعي، أما خارج نطاق هذا العالم فليس بوسع الإنسان الإدعاء بعقلانية معارفه، لأنه سيكون مجابهاً بمنطق السؤال التالي: وهل بالإمكان (تعقل) اللامعقول؟!.
 وعلى ذلك فإن أي تناول لقضايا ما وراء العالم الواقعي إنما يكون قائم على أساس لا عقلي، لأن الطبيعة المنطقية اللاعقلانية لمثل هذه القضايا الماورائية (قضايا الميتافيزيقا والدين) ليس باستطاعتنا أن نحكم بصدقها أو بكذبها عقلانياً، ومثل هذه القضايا لا يصح أن تكون موضوع للمعرفة من الأساس! 

أن معرفة الإنسان محدودة بحدود عالمه، والعقل الإنساني ليس بوسعه أن يصل في معارفه إلى ما يتجاوز هذا العالم المحسوس، ليصل في معارفه إلى ما وراء هذا العالم.
 فالمعرفة العقلانية معرفة مشروطة ومحدودة بحدود هذا العالم الواقعي، وخلف هذه الحدود لا يمكننا الإدعاء بأن حصيلة معرفتنا عقلانية.
على ذلك فإن للمعرفة العقلانية التي يمكن الوثوق بها والاطمئنان إليها حدود معينة محصورة بحدود العالم الذي نعيش فيه.
 والعقل الإنساني لا يمكنه الذهاب أبعد من هذه الحدود، ليس لأنه عاجز عن وضع يده على معرفة عقلانية خارج حدود عالمه، ولكن لأن ذلك ليس من طبيعته.
 فكل القضايا التي تقع خارج دائرة العالم الواقعي هي قضايا لا تقبل بطبيعتها الخضوع لمبدأ التحقق، وبالتالي لا يمكن للعقل الحكم بشأنها سواء بصدقها أو بكذبها.
 ويدخل في أطار هذه القضايا: قضايا الميتافيزيقا، الدين.

ولذلك فإن التمييز بين (العالم الواقعي) وبين (ما وراء هذا العالم)، يتفرع منه تمييز آخر: وهو التمييز بين العقلانية واللاعقلانية:
فحدود العقل مقيدة بحدود العالم الواقعي، أما أي معالجة لموضوعات ما وراء هذا العالم الطبيعي المحسوس، فلن تكون إلا معالجة لاعقلانية بالأساس.
 وليس بوسع أحد الإدعاء بإمكان المعالجة العقلانية لمثل هذه الموضوعات.
 فالمفاهيم المنتمية إلى ما وراء عالم الإنسان، لا يمكن للمعالجة العقلانية أن تنظر فيها لأنها تتعدى حدودها وبالتالي حدود المعرفة الإنسانية، ولذلك نوعية معرفة كهذه لا تصلح إلا على النطاق الذاتي للأفراد،
 فمن حق أي فرد منا أن يسلّم بهكذا نوعية من الموضوعات على مستواه الشخصي، ولكن ليس هناك ما يسوغ أن يفرض ما يسلم به من معرفة قائمة على أساس لا عقلاني على المجال العام المشترك بين جميع الأفراد على اختلاف معتقداتهم واعتقاداتهم اللاعقلية التي يسلمون بها.
 المنطق هنا يقول أن إدارة الفضاء المشترك للأفراد يجب أن يتم على أساس عقلاني، وبالتالي إدارة عقلانية للفضاء المجتمعي العام والذي يجب أن يتساو فيه الجميع دون تمييز على أية أسس سواء كانت عرقية أو ثقافية أو دينية ..الخ.
 الإدارة العقلانية للمجال العام الذي تنادي بها العلمانية تعني فيما تعنيه تمثيل مجمل المعرفة الكفيلة بتنظيم الشأن العام وفق نظام معرفي وضعي منطقي يشتق فيه كل شيء بواسطة تعريفات واضحة وقواعد عقلانية للاستدلال. 

وعلى ذلك فإن السؤال الذي اختتمنا به مقال سابق لنا:
هل تنعدم منطقياً (وليس دينياً) إمكانية قيام الإنسان بتنظيم كافة شئون حياته دون اللجوء إلى الدين؟!
 أوصلنا إلى السؤال التالي الذي يستبطن إجابته:
ما هو الخيار الأفضل لنا:
هل هو تنظيم وإدارة كافة شئون الفضاء المجتمعي العام والمشترك بيننا والذي يخصنا جميعاً على أسس عقلانية أم الأفضل تنظيمه وإدارته على أسس لا عقلانية؟
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=305517