الخميس، 31 مايو، 2012

أسلوب العمل القياسي Standard Work

من تأليف سامح

أكتوبر 24, 2010
ماذا تفعل عندما تقود سيارتك لتذهب مع أسرتك لمتنزه أو شاطئ في يوم الإجازة؟ 
هل تتبع روتينا ثابتا فتمشي من نفس الطريق وبنفس السرعة وتمارس نفس الألعاب في توقيتات ثابتة؟
أظنك تقول لا.
 إنك ربما تقف بالسيارة عند بائع العصير ثم تقف عند بائع الفول السوداني، وفي رحلة ثانية قد تغيِّر من مسارك وقد تتناول طعام الغداء في الطريق، وفي رحلة ثالثة قد لا تقف إطلاقا وتذهب مسرعا للمتنزه.
ونفس الأمر يحدث عند وصولك للمتنزه أو الشاطئ، إنك -في إحدى المرات- تمارس بعض الأنشطة مثل السباحة وكرة القدم والقراءة، وفي مرة أخرى تمارس أنشطة أخرى مثل كرة المضرب والمشي والتجديف أو تكرر نفس الأنشطة ولكن ليس بنفس الترتيب ولا لنفس الفترات الزمنية.
لماذا؟
لأنك تحب التغيير وهذا يوم الإجازة وتريد أن تخرج عن المألوف وتشعر بالتجديد.
ماذا تفعل في الصباح الباكر قبل الذهاب للعمل أو الجامعة أو المدرسة؟
إنك تستيقظ يوميا قبل موعد نزولك بفترة ثابتة فبعض الناس يستيقظ قبل موعد نزوله بنصف ساعة وبعضهم قد يستيقظ قبل موعد نزوله بخمسة وأربعين دقيقة، وفي جميع الأحوال فإن ما تفعله في تلك الفترة الزمنية القصيرة يكون ثابتا إلى حد كبير.
فأنت تستيقظ من النوم فتغسل وجهك وتتوضأ وربما تصلي إن كان وقت صلاة ثم قد تعد فنجانا من الشاي أوالقهوة أو مشروب آخر وقد تتناول طعام الإفطار ثم تلبس ملابسك وتجهز حقيبتك ثم تلبس حذاءك وتنصرف مسرعا لتلحق بموعد العمل.أسلوب العمل القياسي Standard Work
ربما يكون هناك اختلاف بين المشروب الذي أشربه والذي تشربه وربما شخص آخر لا يشرب مشروبا قبل الذهاب للعمل، ولكن التشابه بيننا جميعا أننا نحاول فعل مجموعة من الأمور بشكل ثابت تقريبا.
لماذا؟
لماذا لا أصحو يوما فأقرر أن أفعل أشياء إضافية؟
ولماذا لا أفعل هذه الأشياء بطريقة مختلفة؟
ولماذا لا تجرب كل يوم طريق مختلف عند ذهابك للعمل؟
الرد معروف: الوقت ضيق ولا يسمح بأي أمور إضافية أو تعديل في كيفية القيام بما أقوم به ولا يسمح بتجارب وإلا فلن أكون في عملي في الموعد.
إذاً فأنت تحاول تنميط الأعمال التي تقوم بها عند عدم توفر الوقت، وتُفَضل التغيير عند توفر الوقت.
وفي الحقيقة فإنك تلجأ للتنميط كذلك عند توقعك لحدوث مشكلة من عدم التنميط مثل أن تنبه على أفراد أسرتك بأن يجففوا أيديهم بعد غسلها قبل أن يضغطوا على مفتاح الإنارة لأن اتباع أسلوب آخر قد يؤدي لمشكلة خطيرة.
وقد تلجأ للتنميط نظرا لضيق ذات اليد فتقوم بنفس الأنشطة في كل رحلة لان هذه هي الأنشطة الأقل تكلفة والتي تناسبك ميزانيتك.
فالتغيير هو أمر مطلوب في بعض الأحيان عند عدم وجود أي ضغوط من وقت أو مال أو احتماليات مشاكل.
نأتي للعمل.
افترض أنك موظف يتسلم طلبات من الجمهور، هل هذا عمل يحتاج لتنميط؟ 
افترض أنك لن تتبع نهجا ثابتا في تسلم الطلبات، فمرة تأخذ الأوراق كلها ثم تنظر فيها، ومرة تطلب من العميل ورقة فتنظر فيها ثم تطلب التي تليها، ومرة تستلم أوراق عشرين عميلا ثم تنظر فيهم جميعا وهكذا.
هل أنت تتبع الأسلوب الأمثل؟
لا يمكننا أن نقول نعم لأنك تتبع عدة أنماط ومن المؤكد أن بعضها يؤدي لتقليل وقت استلام الطلب وبعضها يؤدي لإطالة ذلك الوقت.
هل طول وقت استلام الطلب هو أمر لا يؤثر على أحد؟ لا
إنك لو تأخرت دقيقة مع كل عميل فإن هذا سيؤدي لطول طابور الانتظار وطول وقت الانتظار.
هل يمكن أن نتوقع زمن استلام الطلب الواحد؟ لا
لأن إتباع أساليب مختلفة يؤدي إلى اختلاف زمن استلام الطلب.
هل يمكن تحسين أسلوب عملك؟ لا 
لأنك لا تتبع أسلوبا ثابتا فنحسنه.
نخلُص من ذلك إلى أنه ينبغي أن تقوم بهذا العمل بأسلوب ثابت ثم بعد ذلك نفكر إن كان يمكننا تحسينه حتى نصل لنمط ثابت يحقق أقل وقت لاستلام الطلبات.
فبدون التنميط لا نؤدي العمل بالأسلوب الأمثل ولا يمكننا تحسين العمل.
افترض أنك في مطعم وعملك هو غسل الأطباق يدويا وهذا المطعم مزدحم بحيث أنك تعمل باستمرار.
هل ستغسل كل مجموعة أطباق بطريقة مختلفة أم ستوحد أسلوب الغسل؟ 
أظن أنك ستوحد أسلوب غسل الأطباق بأسلوب تراه هو الأسرع. 
لماذا؟
لأنك لو تأخرت فستحدث مشكلة في المطعم.
أما في بيتك فإنك قد تغسل الأطباق اليوم بطريقة، وغدا تستخدم طريقة أخرى لأنه لا ضغوط عليك من ناحية الوقت.
نعود للمطعم ونفترض أنك تعمل بأسلوب ثابت، ثم يأتي زميلك في الوردية الليلية ليعمل بأسلوب آخر، ثم يأتي الذي يليه فيعمل بأسلوب مختلف.
مِنَ المؤكد أن أحد هذه الأساليب أفضل من الآخرين وبالتالي فهناك وقت أو مجهود ضائع نتيجة لاستخدام الأسلوب غير المناسب، بالإضافة لذلك فإنني لو أردت أن أُحَسِّن من أسلوب العمل فإنني لن أنجح لأنه ببساطة لا يوجد أسلوب ثابت أصلا.
فالتنميط في العمل هو أمر أساسي لأننا في العمل لابد أن نوفر الوقت والمجهود والمال لكي نستطيع أن ننافس.
فعلينا إذاً أن نبحث عن أفضل أسلوب للعمل فنجعله هو الأسلوب الموحد للعمل والذي نلتزم به جميعا.
ولكنك قد تقول لي: إننا نفترض أن هذا هو الأسلوب الأفضل اليوم ثم يظهر لنا أن هناك طريقة أخرى غدا فهل سنتبع الأسلوب الموحد أم سنترك المجال للإبداع؟
لا هذا ولا ذاك، بل هذا وذاك في آنٍ واحد، سنتبع الأسلوب الموحد ونترك المجال للإبداع.
كيف؟
إننا كلما توصلنا لطريقة أفضل واتفقنا على ذلك فسنقوم بتعديل أسلوب العمل الموحد بحيث يتبع آخر ما توصلنا إليه.
فتوحيد أسلوب العمل لا يعني الجمود وعدم التطوير بل هو خطوة للتطوير فنحن نوحد أسلوب العمل ليكون هناك شيء ثابت ثم نبدأ في التحسين بشكل مستمر.
هذا الأسلوب الثابت للعمل
يسمى بالإنجليزية Standard Operating Procedure أو Standard Work 
ويسمى بالعربية إجراءات العمل القياسية أو أسلوب التشغيل (العمل) القياسي.
وهو عبارة عن شرح لكيفية أداء العمل بحيث يتبعه كل من يقوم بهذا العمل في المؤسسة في أي وقت. 
إجراءات العمل القياسية تبين خطوات العمل، الوقت الكلي ووقت كل خطوة، الأدوات المواد اللازمة لأداء العمل.
أسلوب العمل القياسي هو أمر متبع في كثير من أنظمة الإدارة وهو جزء من نظام تويوتا الإنتاجي.
وسيتضح لك بمشيئة الله من هذه المقالة والتي تليها كيف أن أسلوب العمل القياسي فينظام تويوتا الإنتاجي يختلف عن نظيره في الأنظمة الإدارية الأخرى.
فوائد أسلوب العمل القياسي:
أسلوب العمل القياسي له فوائد كثيرة مثل:
1- تطبيق أسلوب العمل الأفضل في كل الأوقات وعن طريق كل الأفراد وهو ما يعني تقليل الفواقد وتقليل الأخطاء.
عندما نقوم بإعداد إجراءات العمل القياسية فإننا نأخذ في اعتبارنا تقليل الفواقد من وقت وجهد زائد وحركات زائدة وانتظار ونقل لا داعي له، ونحاول استخدام أسلوب منع الخطأ Poke Yoka لمنع العامل أو الماكينة من الخطأ. 
فإجراءات العمل القياسية هي خلاصة خبرة وفكر العاملين أنفسهم وبالتالي فهي أفضل طريقة نعرفها من حيث وقت العملية وكمية الفواقد والمساعدة على تقليل الأخطاء، ولذلك فإن استخدام هذه الإجراءات هو سبب واضح لتقليل الفواقد ومنع الأخطاء.
2- توحيد زمن العمليات وهو ما يساعد على التخطيط والإدارة لأنه بدون أسلوب عمل موحد لا يمكننا أن نعرف متى ستتم هذه العملية لأن حَسَن يؤديها في 3 دقائق وخالد يؤديها في سبع دقائق وعُمَر يؤديها في ست دقائق.
عدم القدرة على التخطيط يجعلنا غير قادرين على الالتزام بمواعيد تسليم المنتجات بل غير قادرين على توقع زمن الإنتاج. 
وهذا الأمر ينطبق على مجال الخدمات إذ كيف تدير منشأة خدمية وليس لديك زمن متوقع لكل عملية.
إجراءات العمل القياسية تقلل من التغير في وقت العمليات وهذا أمر عظيم فالتغير في أزمنة ونتائج العمليات هو مشكلة كبيرة فهي تؤدي لطول الانتظار وزيادة المخزون بين مراحل الإنتاج وصعوبة التخطيط.
3- وسيلة لتحسين العمل لأنها تمثل نقطة البداية للتحسين فنحن نبدأ بتحليل أسلوب العمل الحالي لدراسة سُبُل تحسينه، فبدون إجراءات محددة لا يمكننا أن نحَسِّن بشكل مستمر لأننا لو توصلنا لطريقة للتحسين فإنها لن تتحول إلى أسلوب قياسي يلتزم بها كل الأفراد في كل الأوقات وبالتالي فإن التحسين يندثر مع الوقت وينخفض الأداء ثم نفكر مرة أخرى في التحسين فيتكرر نفس الأمر. 
أما عند استخدام أسلوب عمل قياسي فإننا نختار أفضل أسلوب عمل في البداية ثم نلتزم به دائما ثم نحسِّنه ونلتزم بالتحسين ثم نحسنه ونلتزم بالتحسين فنحن نحسن باستمرار وفي كل مرة نبدأ من حيث توقفنا.
الفارق بين العمل القياسي والعمل التقليدي
الرسم أعلاه يبين الفارق بين عمليتين إحداهما تتم عن طريق أسلوب عمل قياسي والأخرى تتبع أسلوب العمل التقليدي أي بلا أسلوب عمل قياسي. 
في الحالة الأولى فإن مستوى الأداء لا ينخفض مع مرور الوقت بل هو يرتفع بين الحين والآخر كلما حسنَّا في أسلوب العمل القياسي.
في الحالة الثانية فإن المستوى ينخفض نتيجة للعشوائية في أسلوب العمل وعدم اتباع أفضل طريقة في كل وقت، ثم نحاول تحسين الأداء فنصل لحل جيد فنطبقه فيتحسن الأداء ثم ينخفض تدريجيا نتيجة للعشوائية في أسلوب العمل ثم نحاول التحسين وهكذا.
لاحظ أننا في الحالة الثانية ربما أتينا بأفكار رائعة للتحسين حتى أن الفرق بين المستوى قبل التحسين وبعد التحسين يظهر كبيرا على الرسم، 
وأما في الحالة الأولى فإننا قد نأتي بتحسينات محدودة، ومع ذلك فإننا في الحالة الأولى نتحسن باستمرار
وأما في الحالة الثانية فالمستوى ينخفض ويرتفع، ومع الوقت يزداد الفارق بين الحالتين.
ولذلك فإن أهنو Ohno -الأب الروحي لنظام تويتا الإنتاجي
قال: حيث لا يوجد أسلوب عمل قياسي، لا يوجد تطوير مستمر.
4- وسيلة لدراسة المشاكل فعندما تحدث مشكلة فإننا نفكر في العملية لنبحث عن سبب المشكلة.
هل هناك خطوة مفقودة؟
هل يمكننا إضافة إجراء ما يمنع من تكرر المشكلة؟
هل الإجراءات غير واضحة؟
هل نحن بحاجة لتعديل أي إجراء؟ …وهكذا.
فبدون إجراءات عمل قياسية يتم تنفيذها سيصبح تحليل المشاكل صعبا وسيؤدي إلى حلول غير مناسبة.
افترض أننا أصلحنا ماكينة ما ثم اكتشفنا مشكلة ما بعد ذلك، فناقشنا الأمر وأردنا أن نتأكد أنه قبل تجميع الماكينة تم التأكد من كذا وكذا، فنرجع إلى إجراءات العمل القياسية فإن وجدنا خطوات التأكد علمنا أن هناك سبب آخر لهذه المشكلة فبحثنا عنه وإلا فإن علينا إضافة خطوات التأكد في أسلوب العمل القياسي.
قد تقول لي سنسأل مَن قام بالعمل، ولكن هذا أمر فيه محاذير كثيرة
أوَّلها أنه قد لا يتذكر ما فعله فهو يعمل باجتهاده ولا يتبع نمطا ثابتا في العمل، وثانيها أنه قد يكذب،
وثالثها أننا قد لا نعرف من قام بهذا العمل،
رابعها أن مصدر الخطأ قد يكون أكثر من عامل في حالة حدوث خطأ في عملية متكررة ليلا ونهارا،
خامسها أننا لن نستطيع أن نضمن تطبيق كل العمال للخطوات التي سنضيفها.
بدون أسلوب عمل قياسي مُطبَّق فإن البحث عن سبب المشكلة يكون عملية عسيرة فعلا، فندخل في حوارات جدلية فالتعليمات غير مسجلة وإن كانت مسجلة فهي غير متَّبعة،
ولا تستطيع أن تعرف هل العامل هو الذي أخطأ؟
وهل الخطأ ناتج عن تكاسل أم تعمد؟  
وهل هناك تعليمات محددة لم يتم اتباعها؟
مثال ذلك أن تصطدم ثلاث سيارات إحداهما تتجه يمينا بدون أن يضيء السائق نور الإشارة، والثانية يتحدث سائقها في التليفون المحمول، والثالثة تسير عكس اتجاه السير.
لك أن تتخيل المناقشة غير المنطقية وغير الموصلة لنتيجة:
أنت تسير عكس الاتجاه؟
بل أنت لم تعط إشارة؟
بل أنت لم تنتبه لأنك تتحدث في المحمول؟
من قال لك أن هذا عكس الاتجاه؟
وما المشكلة في التحدث في المحمول؟ 
وما أهمية نور الإشارة؟
5-  وسيلة لتدريب العاملين الجدد فعندما يأتينا موظف أو عامل جديد فإننا ندربه على إجراءات العمل القياسية فيمارس العمل بعد ذلك بنفس الأسلوب فلا يشعر العميل بأي تغيير ولا يحدث أخطاء في النتائج ونحافظ على نفس مستوى الأداء.
بدون إجراءات قياسية فإن الموظف الجديد سيتعلم أسلوب عمل من عُمَر يخالف الأسلوب الذي سيتعلمه من حَسَن فيصبح مشتتاً وقد ينتهي به الأمر للعمل بطريقة أخرى.
أسلوب العمل القياسي هو أمر مؤثر على نجاح المؤسسات في زمن تشتد فيها المنافسة ولا تقتصر على الشركات المحلية.
ربما كانت تجربتك مع أسلوب العمل القياس غير ممتعة نظرا لأن العديد من الشركات تقوم بكتابة إجراءات العمل القياسية كنوع من استيفاء الأوراق أو بهدف الحصول على بعض شهادات الجودة بدون ربط ذلك بواقع العمل، وبعض المديرين يقوم بكتابة أسلوب العمل القياسي بنفسه بدون إشراك المرؤوسين ثم يجعله سيفا على رقابهم.
هذا يختلف عن ما نتحدث عنه وعن ما هو متبع في نظام تويوتا الإنتاجي
أسلوب العمل القياسي هو أسلوبه نُعده لكي نستخدمه بصفة مستمرة ولكي نُحسِّنه باستمرار، أسلوب العمل القياسي هو وسيلة لتقليل الفاقد لا للتحكم في العاملين، أسلوب العمل القياسي هو وسيلة عملية وليس حبراً على ورق. أسلوب العمل القياسي في كثير من الشركات هو وثيقة جامدة مدفونة في الأدراج، أما في نظام تويوتا الإنتاجي فهو نظام حيٍّ متاحٌ ومطبقٌ في مكان العمل.
في المقالة التالية بمشيئة الله نستكمل مناقشتنا لأسلوب العمل القياسي فنجيب على عدة أسئلة مثل:
من الذي يُعِدُّه؟
ومن الذي يُعَدِّله؟ 
أين يتم حفظه؟ 
هل هو بيروقراطية بغيضة؟
من مراجع المقالة:
The Toyota Way, J. Likert, Mc Graw Hill, 2004
Competitive Manufacturing Management, J. Nicholas, Irwin McGraw Hill, 1998