الثلاثاء، 31 يناير، 2012

قيمة الشورى المحجوبة خلف الأسوار المذهبية 1/2

 
بقلم : إبراهيم الخليفة  2010-10-18
قيمة الشورى المحجوبة خلف الأسوار المذهبية 1/2
ترى، ما هو أساس المشروعية السياسية في الإسلام، أهي الشورى أم التغلب واغتصاب الحكم أم التحديد الإلهي للحاكم؟.
هذا السؤال الذي يبدو بسيطاً وأساسياً ويفترض أن يكون محسوماً منذ القدم هو أكثر سؤال يتفنن المسلمون في التفرق حول الإجابة عنه، بل إنهم يبدعون في اختيار الإجابات الخاطئة والضارة.
إن عدنـا إلى القـرآن الكريم، فماذا نجد؟ هل نجد الشـورى أم نجد التغلب أم نجد التحديد الإلهي للحاكم؟
هـذا أمر لا تصح فيه المواربـة ولا الإيماءات ولا التلميحات غير المباشرة ولا الظنون أو الترجيحات، كما أنه لا يصح القول بوجود أكثر من أساس للمشروعية السياسية، فالشورى والتغلب والإمامة الإلهية تناقض بعضها البعض وتعطل بعضها البعض وتنفي بعضها البعض. ومن ثم فإنه لا يمكن ولا يصح أن يوجد في نصوص الوحي غير أساس واحـد تنبع منه المشروعية السياسية وتستند إليه.
لنبدأ بالمعطيات العامة للوحي ومقاصد الرسالة، ولننظر إلى طبيعة السياسة وما يناسبها وإلى مصالح الناس وما يصلح لهم.
قضية الاختبار والامتحان، ما الذي ينسجم معها ويسمح بتحقيقها على أوسع نطاق: فكرة الشورى أم واقع التغلب والاستيلاء القسري على السلطة أم التحديد الإلهي للحاكم؟.
أين تنتعش قدرات الناس وأين تجد متنفسها الأرحب، في الشورى أم في التغلب أم في الإمامة والعصمة؟
ما الذي نجده في نصوص القرآن، هل نجد الخطاب العام للمسلمين والمؤمنين والإشادة بهم بقدر أعمالهم ومهما كانت أحسابهم وأنسابهم، أم نجد اصطفاء القاهرين والمتغلبين والإشادة بالسادة والكبراء، أم نجد التمييز السياسي لبعض أقارب الرسول صلى الله عليه وسلم؟ 
ما الذي يقتضيه اكتمال الوحي وختم النبوة، هل يقتضي انتهاء العصمة أم استمرارها في بعض أقارب الرسول؟.
عند الاختلاف والتنازع، هل أُمرنا بالعودة إلى أهل الاستنباط والراسخين في العلم، أم أمرنا بالخضوع لرأي أهل التغلب والقهر، أم أمرنا بالعودة إلى أقوال وأفعال بعض أقارب الرسول؟!.
الشأن السياسي المفتوح على الشؤون الدنيوية الكبرى، والتي تتطور وتتغير باستمرار، هل يمكن مواكبتها ومعالجة تحدياتها من قبل أفراد مغتصبين للسلطة ومعادين بحكم مصالحهم وأوضاعهم لأي تغيير أو تطوير جوهري يمس الحياة السياسية، أو عن طريق أفراد معدودين من أقارب الرسول ممن رحلوا عن الدنيا منذ أمد بعيد، أم أنه لا يمكن مواكبتها ومعالجة تحدياتها إلا عن طريق الشورى التي تسمح بالاستفادة من قدرات النابغين والأكفاء على مستوى الأمة؟!.
الشؤون السياسية، هل هي شؤون ذات طابع فردي يصح إسناده إلى بعض الأفراد المعدودين المغتصبين للسلطة أو إلى بعض أقارب الرسول الذين رحلوا عن الدنيا منذ قرون عديدة، أم أنها شؤون ذات طابع جماعي مستمر لا يصح إسناده إلا إلى عموم الأمة عن طريق الشورى؟!.
هل تدخل السياسة ضمن المباحات التي تسمح الشورى بوصول كل الناس إليها، أم ضمن المقدسات التي لا تتاح إلا للمعصومين بعد اكتمال الرسالة وختم النبوة، أم ضمن القدريات التي لا نملك فيها سوى الخضوع لأمر قاهر مغتصب يقضي على الحريات السياسية ويحرمها على الناس؟!.
الشأن السياسي الزئبقي بطبعه والقابل للاختلاف بطبعه والمستثير للنوازع والطموحات بطبعه،
هل يصح أن يتحدد فيه الرأي الغالب والمصلحة الغالبة عن طريق الشورى، أم أن القاهرين والمغتصبين هم الأقدر على تحديد الرأي الغالب والمصلحة الغالبة، أم أنهما أمران غيبيان لا بد فيهما من تدخل إلهي يصل إلى إمام معصوم بعد انقطاع الوحي؟!.
هـذه الأسئلة، ولسهولة ووضـوح إجاباتها، قد يبـدو وكأنه لا يصح طرحها إلا عند غيـاب الحد الأدنى من الإحـاطة بمعطيات رسالة الإسلام وعـدم إقامة أي وزن لأبسط محاكمات العقل والمنطق ومقتضيات الفطرة السوية.
فمن ذا الـذي يمكنه أن يجيب بغير القـول بالشورى وولاية الأمة؟!.
لعل بالإمكان القول بأنه لولا عبء التاريخ وأحماله منذ عهد الفتنة الكبرى لما قال بغير الشورى وولاية الأمة أي مسلم عاقل سوي متجرد.
فماذا إذا كانت الأمة المسلمة في عمومها أصبحت تقول بنقيض ما يقول به هذا المسلم العاقل السوي المتجرد؟!.
هنا تكون الأزمة قد بلغت أقصى حدودها وأعلى درجاتها، وذلك على نحو يقتضي إعادة طرح الأسئلة الأساسية والأولية التي تسمح بإعادة الإبصار من خارج الصندوق.
غير أن الصندوق الذي نواجهه ليس صندوقاً عادياً ولا طارئاً، بل هو مليء بالهوية المذهبية ومكتظ بمقولاتها ورموزها وتفسيراتها واستدلالاتها ومصالحها وارتباطاتها العاطفية والوجدانية التي تشكلت وترسخت عبر القـرون.
وحتى الأسئلة الأساسية والأولية التي طرحناها سينجح أهل الصناديق المذهبية في التحايل عليها وتشتيتها والعمل على إطفاء جذوة بساطتها ووضوحها، لأنها تهدد صناديقهم بكل ما فيها.
والواقع أنه مهما تم التحايل على الأسئلة المطروحة، فإن الفكر السياسي السني لم ينشأ إلا تحت ظلال السيوف ولم يتشكل إلا تحت سقف حكم التغلب وفي إطار سننه وقوانينه، وهو لا يقدم في النهاية سوى الرؤى التي تفتح بوابة التغلب وتسمح بإضفاء المشروعية عليه وهدم ولاية الأمة وتغييب الشورى أو تزييفها أو التحايل عليها. أما الفكر السياسي الشيعي الإمامي، فهو لا يقدم سوى عقيدة نظرية تؤدي دورها في المباعدة بين الناس وبين الشورى وولاية الأمة، ومن ثم دفعهم نحو البديل العملي المتاح، وهو حكم التغلب.
من أجل ذلك انتصر التغلب وهيمن المتغلبون على الأمة منذ نشوء المقولات المذهبية قبل نحو أربعة عشر قرناً.
إذا تجاوزنا المعطيات العامة للوحي ومقاصد الرسالة وطبيعة السياسة وما يناسبها ومصالح الناس وما يصلح لها، وانتقلنا نحو النصوص المباشرة المتعلقة بالحكم، فماذا سنجد؟!
هنا سيحتاج الأمر إلى قدر كبير من العزيمة والإرادة والجهد لإعادة رؤية النصوص من خارج الصندوق المذهبي.
ترى، أين هي النصوص الواضحة والمباشرة التي تضفي المشروعية على حكم التغلب أو تحدد الحاكم من آل البيت؟!
الواقع أنه لا يوجد على الإطلاق نص قرآني واضح ومباشر يضفي المشروعية على حكم التغلب، ولا يوجد نص واضح ومباشر يحدد الحاكم من آل البيت، أما الشورى فيوجد بشأنها نصان قرآنيان يذكرانها باسمها، وسورة كاملة اسمها سورة الشورى!!.
وإذا كان هذا هو الحال، فلماذا أهدر الفقه السني فكرة الشورى وأضفى المشروعية على حكم التغلب؟! 
أهدرها لأنه نشأ في ظل حكم التغلب وكان محكوماً بأوضاع هذا الحكم وسننه وقوانينه، ولأن البديل الآخر الذي كان مطروحاً هي عقيدة الإمامة والعصمة التي تصادم بعض حقائق الوحي وتخالف عقيدة غالبية المسلمين.
في ظل هـذه الأوضاع، بدا حكم التغلب بديلاً أفضل من الفـتن والحروب الأهلية وأقل مصادمة لحقائق الدين وسيرة الصحابة من عقيدة الإمامة والعصمة التي لن ينتج عنها سوى حكم التغلب.
ولكن هذه الإيجابية الظرفية والطارئة لحكم التغلب لا تبرر إضفاء المشروعية عليه إلا حين يكون وسيلة ضرورية لتجنب الفوضى والحروب الأهلية والتمهيد نحو الانتقال إلى حكم الشورى وولاية الأمة، كما فعل الحسن رضي الله عنه حين تنازل عن الحكم لمعاوية، على أن يعود بعد ذلك إلى المسلمين.
والنصوص النبوية التي يستدل بها البعض حول طاعة الظالمين ينبغي أن تُفهم في إطار هذه الخصوصية والأوضاع الاستثنائية المؤقتة.
أي ينبغي أن تكون المشروعية هنا مشروعية ظرفية وطارئة ومربوطة بالعودة إلى الشورى وولاية الأمة فور انتهاء الأوضاع الظرفية أو الطارئة، مع ضرورة العمل بكل السبل على استعادة الشورى وربط المشروعية بها وإشعار المسلمين بأنهم في حالة إخلال دائم بأهم التكاليف الدنيوية ما لم ينجحوا في الخروج من حكم التغلب.
وحين ينجحون في الخروج منه، فإنه لا مشروعية لحكم المتغلبين، بل إن الآيات القرآنية تنذر الذين يركنون إلى الظالمين بالعذاب الشديد.
وهكذا فـإن المشكلة كل المشكلة تكمن في طرح حكم التغلب كبديل للحكم المبني على الشورى. 
وإذا صح ذلك فإن الإصلاح الذي ينبغي إدخاله على الفقه السني هو ربط مشروعية الحكم بالشورى والنظر إلى حكم التغلب كمحظور قد تقتضي مصالح الناس التعايش معه مؤقتاً، وذلك في حالة غياب ثقافة الشورى وغياب الإيمان بها أو وجود الانقسام الشديد حولها، وهذه حالة يعود وجودها إلى تقصير المسلمين في فهم نصوص الوحي. أما حين تتفق الغالبية على ضرورة خضوع الحكم للشورى فإن المصلحة كل المصلحة في الانتقال نحو الحكم الخاضع للشورى والفتنة كل الفتنة في بقاء حكم التغلب.
لا يوجد مصلحة تقتضي إضفاء المشروعية على حكم التغلب إذا كان البديل هو الحكم المبني على الشورى، فالمصلحة لا تكون في مخالفة نصوص الشرع والخروج عليها، والمفسدة لا تكون في تطبيق تلك النصوص وامتثالها.
إن تقديم حكم التغلب كبديل للشورى يعد مدخلاً خطيراً للتشكيك في نصوص الوحي والحكم بعدم صلاحيتها وعدم ملاءمتها لأحوال البشر.
نأتي الآن إلى عقيدة الإمامة الإلهية. 
فطالما أنه لا يوجد نصوص صريحة ومباشرة تعطي الحكم لآل البيت، ألا يكون الوحي قد حسم المسألة بالنص على الشورى؟!
الواقع أنه حسمها وأنهاها.
ذلك أنه لا معنى أبداً لأي حديث عن الشورى أو أية إيماءة إليها إذا كان الوحي قد حدد الحاكم من آل البيت.
بل إن أهم ما ينبغي أن يكون مختفياً ومستبعداً حينذاك هو مفهوم الشورى لأنه يناقض مبدأ تحديد الحاكم ويضربه في الصميم.
فكيف بالحال ونحن نجد نصين قرآنيين حول الشورى وسورة كاملة تحمل هذا الاسم، فضلاً عن حشد هائل من الآيات التي تعلي شأن الأمة ورابطتها الجمعية وهويتها العامة، وتقلل من شأن المكانة الفردية وتحذر من الروابـط الضيقة والهويات الخاصة؟!
قد يقال إنه لم يتم تحديد ضوابط الشورى وآلياتها. والواقع أن هذا من مقتضيات الشورى. 
فالشورى تقتضي فتح بوابة الاجتهاد على أوسع نطاق، وذلك على نحو يسمح بإبداء الآراء وطرح الاجتهادات والحوار والاختلاف والتغيير والمراجعة والتفاوض، وهذه أمور تتناسب مع طبيعة السياسة ومع تطور آلياتها ووسائلها كلما تغيرت أحوال البشر.
ولهذا فإنه لم يتم تحديد تلك الضوابط والآليات. ولو تم تحديدها لتجمد الشق السياسي من الدين عند ظروف وأحوال البشر في مرحلة نزول الرسالة.
إن الضوابط والآليات تختلف لمجرد الاختلاف البسيط في وسائل النقل والاتصـال أو التغيير البسيط في أحـوال المجتمع الثقافية والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية.
ولذلك فـإن المهم هو أن تكون الشورى هي القيمة الحاكمة للشـأن السياسي، بحيث يكون الناس ملزمين بالاجتهـاد وإتاحة الفرصة لكل الآراء والمواقف وتبديلها وتطويرهـا والاجتهـاد بشأنها كلما تغـيرت الظروف والأحوال.
قد يقال بأن الشورى التي كانت موجودة في عهد الصحابة كانت محدودة وضيقة.
  وهذا صحيح، فالشورى التي وجدت في عهدهم هي شورى الصفوة ـ صفوة الأمة، وهم المهاجرون والأنصار ـ وهذه الشورى كانت الأنسب لأحوال المجتمع المسلم الذي كان في طور الاتساع والتمدد وكان يتمتع بوجود صفوة متميزة الإعداد ومستجيبة للرسالة ومتواصلة معها منذ لحظات الضعف الأولى، وهو وضع تميزوا به عن بقية المسلمين.
وهذا الوضع تغير بصورة تدريجية، وكان ينبغي أن تتسع تبعاً لذلك دائرة الصفوة وصولاً إلى عموم الأمة.
وإذا كانت الشورى تحتمل وتستدعي وتتطلب هذه المساحة الواسعة من الاجتهاد في وضع الضوابط والآليات، وإذا كانت المعطيات التاريخية قد أملت الأخذ بشورى الصفوة التي كانت الأنسب لظروف وأحوال المجتمع المسلم،
فماذا عن الإمامة الإلهية؟!
أين ضوابطها وآلياتها؟
بل أين مجرد النص الصريح عليها؟ 
ثم لماذا يتم ضربها في الصميم من خلال النص على الشورى والحديث الواسع عن مرجعية الأمة والجماعة؟!
إن الحديث عن أساس المشروعية السياسية في الإسلام ليس حديثاً عن فكرة تصلح لقرن أو قرنين، بل هو حديث عما جاء به الدين العالمي والرسالة الخاتمة ليصلح أساساً للمشروعية السياسية للبشر أجمعين إلى قيام الساعة.
وهذه هي القضية الكبرى التي ينبغي النظر إلى كل من قيمة الشورى وفكرة الأئمة المعصومين من خلالها.
والواقع أن فكرة الأئمة المعصومين لا تصلح كأساس لمنهج سياسي عالمي ينسجم مع عالمية رسالة الإسلام ويصلح للتطبيق في كل زمان ومكان.
ذلك أن هذه الفكرة لم تكن ممكنة التحقيق أو قابلة للتطبيق منذ منتصف القـرن الثالث الهجري، أي منذ غياب الإمام الثاني عشر بحسب الاعتقاد الشيعي.
وتاريخياً لم تطبق الحكومات المحسوبة على الشيعة (حكومات البويهيين والفاطميين والحمدانيين والصفـويين) سوى المنهـج السياسي الذي طبقته الحكومات المحسوبة على أهـل السنة (حكومات الأمويين والعباسيين والعثمانيين)، أي حكم التغلب والتوريث العائلي. 
وحديثاً يطبق بعض الشيعة وينادي بعضهم بمنهج سياسي يناقض فكرة الأئمة المعصومين (الانتخابات والأغلبية والأقلية)، ولا يمكن تأصيله إلا في إطار فكرة الشورى وولاية الأمة.
وهكذا، فالنظرة من خارج الصندوق المذهبي لا تقود إلا إلى الشورى وولاية الأمة، سواء تم النظر من زاوية المعطيات العامة للوحي ومقاصد الرسالة أو من زاوية طبيعة السياسة وما يناسبها أو من زاوية مصالح الناس وما يصلح لها ويُصلحها أو من زاوية النصوص المباشرة المتعلقة بالحكم أو من زاوية الطابع العالمي والصلاحية المستمرة والقابلية للامتداد عبر الزمان والمكان.
لنتجاوز كل ذلك ولنضع الصندوق المذهبي مباشرة أمام الظروف والملابسات التاريخية التي أدت إلى مولده ونموه وشيوعه وتجذره، وذلك عبر طرح بعض الأسئلة الافتراضية التي تكشف تاريخية ذلك الصندوق وتاريخية كل ما فيه من طرح مخالف لقيمة الشورى ومبدأ ولاية الأمة.
لنفترض أن علياً اختير للحكم مباشرة بعد الرسول أو بعد أبي بكر أو بعد عمر. ترى، هل كانت ستولد الصناديق المذهبية؟! لنفترض أن الفتنة لم تحدث، وأن علياً تولى الحكم بعد عثمان في ظروف طبيعية خالية من الاحتقان ومن حادثة القتل وتفكك رابطة الصفوة وصعود الروابط العائلية وحضور الثوار إلى دائرة الفعل والتأثير، ترى هل كانت الصناديق المذهبية ستولد أو توجد؟!
لنفترض أن رابطة الصفوة (وهي منبع الشورى وولاية الأمة) لم تتفكك أو تتصدع، وأن القوة العائلية الأموية لم تتسع وتتجذر، ترى هل كان معاوية ـ  ـ أو أي رجل من غير السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ـ أهل السابقة والفضل ـ سيجرؤ على مجرد التفكير في المطالبة بالحكم أو السعي إلى اغتصابه؟ وإن جرؤ فهل كان هنالك أدنى احتمال بنجاحه؟!.
لنفترض أن معاوية احترم اتفاقية الصلح مع الحسن وأعاد الأمر من بعده إلى المسلمين ولم يورث الحكم إلى ابنه بحد السيف، هل كانت الصناديق المذهبية ستولد أو توجد؟!.
لنفترض أن معاوية ـ  ـ لم يجد البيئة الملائمة لتأسيس المُلك والتوريث العائلي خلال حياته ولم يجند الولاءات النفعية لهذا الغرض ولم يسند الأمور إلى أهل البأس والارتزاق، ترى هل كانت ستوجد جيوش مستعدة لارتكاب جريمة دموية مروعة بحق الحسين وأهل بيته أو استباحة مدينة الرسول ثلاثة أيام بلياليها أو ضرب الكعبة بالمنجنيق وإحراقها؟! 
لولا ذلك ولولا تصاعد ورسـوخ هذا النهج، هل كان بالإمكان إرهاب الأمة واستتباعها وتشطيرها بين فقه سياسي متعايش مع التغلب ومهادن له ومعزول عن الشورى وولاية الأمة (الفقه السياسي السني)، وآخر هارب إلى الظل وناقم على كل ما حدث (الفقه السياسي الشيعي)؟!.
وفي هذا الجو، كيف لا تنشأ الصناديق المذهبية وكيف لا تنمو وتزدهر؟ ثم بعد أن هيمن التقليد، كيف لا تترسخ تلك الصناديق وكيف لا يصبح المساس بها مساساً بالهوية الدينية وبالرموز والتفسيرات المستقرة والاستدلالات المتراكمة والمصالح المتشابكة والبنيان العاطفي والوجداني؟!
لنطرح الأسئلة الافتراضية من زاوية أخرى، وهي زاوية عقيدة الأئمة المعصومين. لنفترض أن هذه العقيدة صحيحة وأن معظم المهاجرين والأنصار قد انقلبوا عليها بعد وفاة الرسول، ترى هل كانوا سيحققون أياً من الإنجازات السياسية التي حققوها؟
هل كان مجتمع المهاجرين والأنصار سيبقى متماسكاً، خصوصاً بعد حدوث الردة والتمرد على سلطة الدولة في معظم أرجاء الجزيرة؟! هل كان بإمكان ذلك المجتمع المنقلب للتو على منهج السياسة الذي جاء به الإسلام (عقيدة الأئمة المعصومين بحسب المذهب الشيعي) أن يستعيد سلطة الدولة بسرعة وحسم؟!
هل كان بإمكانه أن يحشد كل الجهود والقوى لترسيخ سلطة الدولة وزيادة الفاعلية المجتمعية ومواجهة الإمبراطوريات الكبرى وإزالتها خلال سنوات معدودة؟! هل كان سيوجد أي رادع أخلاقي أو قيمي يمنع الخليفة الأول ثم الخليفة الثاني من وضع الولايات بأيدي أبنائهم وأقاربهم وتوريثهم الحكم من بعدهم؟!
هل كان هذان الخليفتان على وجه الخصوص سيتمتعان بالقبول والدعم الواسع الذي مكنهما من تحقيق هذه الإنجازات السياسية الكبرى إذا كانا قد انقلبا على المنهج السياسي الديني؟!
وإذا كان الانقلاب على المنهج السياسي الديني الصحيح بعد وفاة الرسول من شأنه أن يؤدي إلى تحقيق كل هذه الإنجازات، فما جدوى عقيدة الأئمة المعصومين، والتي أثبت الصحابة أن الانقلاب عليها أفضل وأجدى وأكثر استنهاضاً للهمم وزيادة للفاعلية وتحقيقاً للنتائج وخدمة للأمة؟!
ومن جانب آخر، ما هي المشكلة التي ستترتب على نسبة علي والحسن والحسين إلى منهج الشورى وولاية صفوة الأمة؟! هل سنجد أن النصوص الواضحة والمباشرة لا تخدم ذلك؟ وهل سنجد أن هذه النسبة تؤدي إلى التقليل من مكانتهم وتخالف وتناقض سيرتهم ومواقفهم، أم أننا على العكس سنجد أنهم أعظم الرموز الذين جسدوا احترام الشورى ومبدأ ولاية صفوة الأمة، ثم القتال من أجل الحفاظ عليهما، ثم التنازل والصلح من أجل مصلحة الأمة ثم الانتفاضة الكبرى ضد منهج إلغاء الشورى وهدم ولاية الأمة؟!
الواقع أن نسبتهم إلى قيمة الشورى ومبدأ ولاية الأمة تجعلهم أعظم الرموز السياسية على الإطلاق وتحفظ دلالات النصوص وتنسجم مع واقع حياة الصحابة قبل الفتنة وتفسر إنجازاتهم الكبرى وتمد المسلمين إلى قيام الساعة بالمنهج السياسي الذي يصلح للاستلهام ويسمح بالبناء والتصحيح والتطوير. فلماذا لا تتم نسبة علي والحسن والحسين إلى منهج الشورى ومبدأ ولاية الأمة؟!
هنا يمكن الحديث عن تدني مستوى الوعي السياسي خلال مرحلة نشوء عقيدة الأئمة المعصومين وهيمنة التفسير العقائدي وانسداد آفاق الشورى وولاية الأمة ثم هيمنة التقليد.
ولكن الأهم من كل ذلك هو جو الفتنة والنهايات المأساوية لأهم رموز آل البيت وشدة انحراف وقسوة أهل التغلب.
في هذا الجو هنالك غضب عارم وشخصنة للأحداث وغياب كبير لمتطلبات التعقل والحكمة وحضور شديد لمتطلبات الاندفاع والمواقف الحدية.
وهذه المعطيات الضاغطة لا تشبعها فكرة الشورى وولاية الأمة ولا تطفئ ما فيها من احتقان وشحن وغضب، ولا تحمل ما يسمح بالإيقاع الشديد بالخصوم والنيل والانتقام منهم، خصوصاً وأن أهل التغلب الذين استبعدوا الشورى وهدموا ولاية الأمة كانوا يوظفون كل الإمكانات والقدرات لتعزيز مشروعيتهم وتمجيد أوضاعهم وقمع مخالفيهم والعمل على توظيف نصوص الوحي لصالحهم ومحاولة الظهور بمظهر الخلفاء والعمل على النيل من رموز آل البيت بشتى الوسائل والصور.
هنا كانت فكرة الأئمة المعصومين تتناسب مع حالة الاحتقان والشحن والغضب وتحمل ما يسمح بالإيقاع الشديد بالخصوم والانتقام منهم. وعلى هذا النحو أعيد تفسير النصوص والمواقف، وكلما تقدم أهل التغلب في عدوانهم وقسوتهم وادعاءاتهم كلما ازدادت دواعي النيل منهم وتقويض مشروعيتهم الدينية من جذورها.
لننتقل إلى أهل السنة، إذا كان أهل السنة يشددون على أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أوصى بإتباع سنة الخلفاء والعض عليها بالنواجذ، فما هي سنتهم كخلفاء أو حكام؟ أهي الشورى وولاية صفوة الأمة أم السيف والتوريث العائلي؟! إذا كانت سنتهم هي الشورى وولاية صفوة الأمة، فأين العض عليها بالنواجذ على مستوى الوعي والفقه السني؟! ما هي السنة السياسية التي تحققت منذ عهد بني أمية إلى وقتنا الراهن؟ أليست سنة التغلب والتوريث العائلي؟! أين صدى العض على سنة الخلفاء بالنواجذ ضمن الطرح السني خلال كل قرون التغلب والتوريث؟!
من أين أتى وصفهم بأنهم خلفاء ووصف حكمهم بأنه خلافة؟ هل أتى من السنة (الأحاديث)، أم أن الأحاديث تعطيهم وتعطي حكمهم توصيفات أخرى؟! إذا كانت الأحاديث تعطيهم وتعطي حكمهم توصيفات أخرى، فلماذا لا ينطق أهل السنة بما نطق به الرسول؟!
إن أهل السنة يرددون أن علياً كان على الحق، ولكن ما هو مصدر الحق الذي كان عليه: أهي الشورى وولاية صفوة الأمة أم التغلب والتوريث العائلي؟! 
إذا كان القتال في موقعة الجمل يصدق عليه وصف قتال الفتنة، فماذا عن القتال في صفين؟! 
ألا يوجد في أحاديث الرسول ما يؤكد التمييز بين قتال الفتنة وقتال المُلك؟!
ما هو أعظم تحول حدث في حياة المسلمين السياسية عبر التاريخ؟
أليس الانتقال من الخلافة إلى المُلك، أو من الشورى وولاية صفوة الأمة إلى التغلب والتوريث العائلي؟!
ألا يوجد في أحاديث الرسول أية إشارة إلى هذا التحول الضخم؟!
وإذا كانت الإشارات موجودة بقوة، فلماذا هي غير شائعة لدى أهل السنة ولماذا هي غير هادية للوعي والفكر والسلوك السياسي؟!
ما هي الفوارق الكبرى بين حكم الخلفاء الراشدين وبين حكم الأمويين والعباسيين والعثمانيين بموجب الفقه السياسي السني؟!
لماذا انتفض أعظم الرمـوز في عهد يزيد (الحسين)، ولماذا انتفضت أقدس البقـاع (مكة والمدينة) ضد حكمه؟! 
هل انتفضوا ضد شخص يزيد أم أنهم انتفضوا ضد هدم الشورى وولاية الأمة وتثبيت المُلك والتوريث العائلي؟!
حين يتم وضع التحول منذ عهد بني أمية في الظل ووضع المنهج السياسي لعلي والحسن والحسين وأهل المدينة وأهل مكة في الظل أيضاً، بينما الأحاديث تسلط الأضواء بقـوة على كل ذلك، فهل هذا من مقتضيات الانتساب إلى السنة، أم أنه من تبعات سطوة أهل السيف والتوريث العائلي؟!
إذا كانت رحلة تثبيت السيف قد بدأت بارتكاب مجزرة مروعة ضد سيد شباب أهل الجنة وبعض أهل بيته واستباحة مدينة الرسول وضرب الكعبة بالمنجنيق وإحراقها، فهل يدرك أهل السنة أي جـو نشأ في ظله الفقه السياسي السني؟! 
وهل يدركون أن الفقه السياسي الذي ينشأ في مثل هذا الجو لا بد أن يكون خاضعاً للسيف؟!
إن ما نهدف إليه من كل ما سبق هو إظهار المنشأ التاريخي للمقولات المذهبية وإبراز العلاقة الإيجابية بقيمة الشورى ومبدأ ولاية صفوة الأمة كسبب حاسم ومفسر جوهري لرحلة الصعود السياسي، ثم إبراز العلاقة السلبية بهما كسبب حاسم ومفسر جوهري لرحلة الانحدار السياسي.