السبت، 1 أكتوبر، 2011

جذور الحرب الأهلية ... تأليف : د. فردريك معتوق

لبنان،قبرص،الصومال، البوسنة



 









عندما تبلغ المشاكل حدا لا يطاق في الداخل ينفجر الصراع ويقوم الأطراف الخارجيون والإقليميون بإدارة هذا الصراع، وإبقائه في نفق متعرج ولكن ضمن السقف السياسي المحدد لا خروج منه ،
ولا دخول إليه الا من خلال بوابات الراعي الأكبر، ويقصد فردريك معتوق بالراعي الأكبر العراب الذي تتم على يديه كل الأشياء،

إذ يرى معتوق ان كل الحروب الأهلية وخصوصا في العالمين الثالث والرابع الذين كانا ولازالا مسرحا لمصالح وأهواء القوى الكبرى.

ويضيف الدكتور معتوق إن العالمين الثالث والرابع قادمان على مزيد من الحروب الأهلية،
لا تشبه الحروب الأهلية بعضها، في مساراتها السياسية ولكن آلياتها الأيديولوجية والعسكرية جد متقاربة،
ويحاول هذا الكتاب تحليل هذه الآليات والوقوف عند ابرز تجلياتها كما هي حاصلة على ارض الواقع في تجارب ظاهريا مختلفة وجوهريا متصلة..
 هكذا يقدم فردريك معتوق كتابه (جذور الحرب الأهلية، لبنان، قبرص، الصومال، البوسنة) 
مؤكدا انه لابد من ان تتوفر أرضيتها الثقافية (الايديولوجية) والواقع الاجتماعي والسياسي الذي لابد ان تنطلق منه، حيث يرى الدكتور معتوق ان (كل الدول التي نشبت فيها حرب أهلية في العالم الثالث، خلال السنوات الخمسين الأخيرة هي دول تقوم على دساتير تتميز بالازدواجية.
الدستور اللبناني على سبيل المثال هو دستور مدني من جهة ودستور ديني من جهة ثانية. 
بالتالي فالمجتمع يشعر بنفسه، في ظل هذا الإطار المرجعي الأساسي، انه ليس مجتمعا مبنيا على أساس مدني، ولا مجتمعا مبنيا على أساس ديني ويضيف معتوق ان الحروب الأهلية دخلت من هذه الشقوق التي تفصل بين أسس المجتمع المدني وأسس المجتمع الديني.
المجتمعات التي دساتيرها مدنية واثنية في ان معا، ليست مجتمعات مدنية مكتملة ولا مجتمعات مبنية على أساس اثني صرف كما هو حاصل في البوسنة وأفغانستان،
او على أساس مدني قبلي كما هو في الصومال التي ابتلع فيها القبلي المدني،
او نصفه مدني والنصف الآخر عسكري، فابتلع العسكري المدني كما في أميركا اللاتينية، 
ويضيف معتوق ان الصراعات الأهلية المسلحة تقوم على قاسم مشترك هو المجتمع المدني ،
فكلما كانت التجربة المدنية عريقة ومتبلورة كان تجنب مجتمعها المدني المتراص بعيد عن شبح الحرب الأهلية، أما ضعفه وتشابكه مع الديني والاثني أو القبلي فهو ما يزيد من مخاطر الحرب الأهلية، )
فالشق المفتوح هو دعوة مفتوحة للحرب ، فحين تتوفر شروط الحرب الأهلية ومقوماتها تصبح اللعبة مغلقة والمصائر معروفة مسبقا والحرب الأهلية لن تخرج البلاد من المشاكل التي تعاني منها بل ستوقعها في مشاكل اكبر و أعظم .
فالحرب الأهلية كما يرى الدكتور معتوق تطرح معادلة مثلثة الزوايا، 
فمن ناحية هناك دولة وقد تكون قديمة قائمة على البطش أو ضعيفة قائمة على الديمقراطية البسيطة، ولكنها بالضرورة وفي جميع الأحوال (دولة وفاقية)، قائمة على اتفاق نصي أو دستوري أو حتى شفهي بين جماعاتها الأساسية
ومن ناحية ثانية هناك معارضة مسلحة وميليشيات تقوم ضمن الدولة ولكن ضدها على أساس إنها تجمعات سياسية و حزبية متمايز بعضها عن بعض بأيديولوجيته العدوانية.

من الاقتصادي الى الأيديولوجي
يؤكد الدكتور فردريك معتوق ان العنصر الأيديولوجي، لا الاقتصادي هو الذي يتصدر قائمة الثوابت في النزاعات البشرية، فمن دون أيديولوجيا حرب لا وجود للحرب.
صحيح ان المصالح الاقتصادية قد تكون المحرك الحقيقي للنزاعات الأهلية لكن الخلاف في المصالح الاقتصادية لا يصبح فعليا متفجرا إلا بعد اقترانه بالخلاف الأيديولوجي ،
الذي بدونه لا يمكن للحرب الوقوف على رجليها فترة طويلة ولا حتى الدخول الى (السيلان الاجتماعي) ومنه الى أعماق هواجس الجماعات التي يفترض بها ان تكون متقاتلة ،
فالخلاف الاقتصادي بين ولايات الشمال والجنوب الاميركي
والذي استمر ثمانين سنة ،إلا انه ظهر الى النور عام 1776 عند الإعلان عن وثيقة الاستقلال الأولى الشهيرة ، واستمر الى ان اندلعت الشرارة الأيديولوجية الأولى مع انتخاب أبراهام لنكولن في 6 تشرين الثاني 1860 على أساس برنامج سياسي يرتكز أساسا على إزالة العبودية من النظام السياسي والمدني الاميركي ، 
فأصبح هناك خندقان ، ففي خندق الجنوب وقف مناصرو نظام العبودية وفي خندق الشمال وقف محاربو نظام العبودية ، فبدأت الحرب في النفوس وعلى الأرض .
في النموذج اللبناني(1975ـ 1976) نلاحظ اللجوء لتأسيس عنفي مشابه، فالشارع الإسلامي كان دوما يندد بالإمتيازات الاقتصادية المسيحية منذ زمن الانتداب الفرنسي وشكل هذا الموضوع علامة غبن ويرد المسيحيون بان لاامتيازات فعلية للمسيحيين .
فشرارة الحرب الفعلية كانت أيديولوجية ، وكانت حادثة عين الرمانة في 13 نيسان1975 وقف المسلمون مع هذه القضية ووقف المسيحيون ضدها،
هنا بدأت الحرب الأهلية عندما انقسم أهل البلد (ضد الفلسطينيين) و(مع الفلسطينيين)،
فوجدت الأرضية الأيديولوجية للصراع الاقتصادي ـ الاجتماعي المزمن بين جماعات البلد الواحد،
تفجر الصراع عندما تم ربط الاقتصادي بالأيديولوجي وليس قبل ذلك.
تجذر الولاء الأيديولوجي في النموذج الأسباني (1935ـ 1939) والأميركي واللبناني كان الشرط الأساسي اندلاع الحرب الأهلية، 
فالغبن الاجتماعي والاقتصادي في مناطق كتالونيا وإلباسك قديم ومعروف، لكن تبؤ الجمهوريين السلطة ورفعهم شعار الديمقراطية ومعاداة الفاشية في حين كان فرانكو وأنصاره يؤيدون الفاشية وكذلك كانت ظروف الحرب في البلقاني.

أيديولوجيا التفتيت
في كل النماذج تبرز القطيعة الأيديولوجية ولا مجال للمساومة ويصبح انشطار الخلية الوطنية واقعا ،
في الاميركي واللبناني والقبرصي الى اثنين ،
وفي الصومال والبلقان الى ثلاث خلايا أساسية مع ان الوضع قابل للانشطار أكثر.
ميزة الحروب الأهلية ان قادتها يحاولون تأسيس أيديولوجيا طوباوية من الفتنة الارتقائية ،
إذ يعدون الجماهير ( أسبانيا جديدة او كمبوديا جديدة )
او يعدون بنصرة الاثنية(كرواتيا الكبرى او صربيا الكبرى )
او يعدون بنصرة الدين (لبنان المسلمين ،او لبنان المسيحيين او بوسنة المسلمين)
او ظفر القبيلة(قبائل شمال الصومال او قبائل وسط او جنوب الصومال)
التاريخ في الحروب الأهلية تاريخ معكوس ينسف جسور الوفاق لا ليتقدم الى الأمام بل ليتراجع الى الوراء ،فالوعود المعطاة صورية وملغومة في صميمها اذ هي عودة الى الوراء الى أزمنة لا تصلح لحل المشكلات المطروحة بل لتعميق الخلافات والهوة الفاصلة بين المتصارعين .
يبدأ الصراع بين جماعات ومواطنين ينتمون جميعا الى دولة واحدة،
أول الأهداف هو ضرب الدولة على يد الجماعات المتخاصمة، ضرب مشترك لأسس الدولة، ذلك ان الدولة تجسد على الأرض وفاق الجماعات الأهلية كافة في البلاد ،
وضرب الوسطاء ومنهم الدولة الوسيط الأكبر،
تبدأ الصراعات بتغليب (النحن) الفئوية على الكل الجماعي.
وكسر الدولة يمهد الطريق لكسر المجتمع المدني ،
الدولة هي الحكم المزعج ،وتقوم الكتل الجديدة على أنقاض الدولة والمجتمع المدني ،
فيفقد مواطنيته وهويته الوطنية لصالح هوية محجمة طائفية او أيديولوجية
ويصغر الإنسان في حجمه السياسي ويعرى من مواطنيته فتبقى عليه واجبات وتذهب منه حقوقه،
يفترض بالفرد ان يكون من المنتمين أما الى اللون الأبيض او الأسود ،
وان يعود الى فجر وعيه القبلي أو الديني ،
فعالم الحرب الأهلية مغلق لا حرية فيه كحق من حقوق الفرد ،
تسوده الولاءات العشائرية والطائفية،حتى لو تغلفت بتسميات حزبية لا تعدو كونها أيديولوجية،وبالتالي زائفة.
في هذه النزاعات بقى كل طرف مشدودا الى تدمير الآخر ونفيه وإجراء القطيعة الكلية معه ،
ولم يطرح بديل بناء او مشروع سياسي يتخطى الذات نحو الأفضل وتخطي الماضي نحو المستقبل،
فاللعبة السياسية مصابة بالفساد وما يطرح كبديل لها ديني أو اثني أو قبلي يسد الآفاق ولا يفتحها.
الحرب الأهلية في العالم الثالث لم تؤد الى مشروع سياسي تجديدي كما حدث في نهاية الحرب الأهلية الاميركية،بل أدت مجتمعات منطوية على أشكال سياسية في التعاطي بين جماعاتها على أساس الدين والعرق والطائفة والعصبية القبلية كما حدث في لبنان والصومال وأفغانستان،وقبلهما أسبانيا التي عاشت الانغلاق السياسي وقمع الحريات حتى موت فرانكو.

التجاذب الخارجي
لا تحدث الحروب ولا تقع بالصدفة او استجابة لرغبات الفرقاء المعنيين ،بل حيث تتوفر الظروف الإقليمية لتفجرها ،جميع الحروب التي عاشها القرن العشرون في العالم الثالث هي حروب إقليمية أهلية .
كل الحروب الأهلية عرفت التدخلات الخارجية ولكنها لم تتفاعل كلها بالطريقة نفسها معه ،
الدول ذات التجربة الديمقراطية المتقدمة( فرنسا وأميركا) رفضت التدخل الخارجي،
لكن في النموذج الأسباني كان التدخل على قدم وساق،
وفي نموذج العالم الثالث ألغي التدخل بين المتخاصمين المحليين ودورهم الداخلي لمصلحة خدمات ستراتيجية لمصلحة قوى إقليمية أو دولية وأمثلتها الحرب القبرصية واللبنانية ،
وغالبا ما تحدث الحرب الأهلية في مواقع ستراتيجية ، وكأن المتدخلين الخارجيين يستأجرون لأنفسهم بقعة جغرافية ستراتيجية فيقيمون فيها صراعهم تحت أسماء حركية ومحلية مخفية .
 
هدم الدولة
الحرب الأهلية هي نزاع مسلح بين مواطنين ينتمون الى دولة واحدة في الأساس أي انها حكم موجه ضد الدولة،
فإذا بدأ الصراع بين الكتلتين تذهب الدولة ومعها مفهوم المجتمع المدني وتحل محلها عصبيات جماعات ما قبل الدولة ،
فتعتمد الحروب الأهلية على زعزعة الاستقرار الأمني كمدخل الى كسر سلطة الدولة والاستيلاء عليها بعد انحسار حضورها في الحياة اليومية للمواطنين.
وزعزعة الاستقرار الأخلاقي العام بهدف كسر المجتمع المدني ،
وهدم الدولة بغية مصادرة احتكارها للسلطة
وهدم المجتمع المدني لتجيير ديناميكيته وقواه الفاعلة في اتجاه مشروع فئوي ،
واستبدال الرموز إشارة الى أن زمن الدولة الموحدة قد انتهى
والإصرار على التمايز في أهم رمز للوطن ـ العلم ـ
فالقطيعة الرمزية تعني نكران الوطن بعد نكران الدولة
وحجب الوطنية عن الطرف الآخر(انعزاليون،غرباء،غير مؤمنين )
إذ يقوم الفرقاء المتخاصمون وبعد تعب المدنيين بإشهار مشروعهم الحقيقي(لماذا لاننشيء دولتنا المستقلة)
فيتم إغلاق الطوق على الهوية الوطنية.

القتل عند عنصر الميليشيا
تعود الذاكرة الشعبية بجماعاتها الى العصور الغابرة، وتعود شريعة الغاب الى شوارع عواصم جميلة وحديثة فينبت الخراب ويغزو هولاكو من جديد قلوب المقاتلين وينهب بيروت وبنوم بنه ومقديشو وسراييفو،
يحق للفرد ان يكون تابعا فقط ،
القتل عند عنصر المليشيا او الجماعة المسلحة ،يجيء في سياق فكرة الانتقام الأيديولوجي
او في سياق ابادة العدو من دون محاكمة،
فالمحاكمة غير ضرورية في قاموس الجماعة، وفكرة القتل بديهية وسهلة جدا ،
حامل الايديولوجيا مصاب بالحمى الدائمة، لا ينظرالى العالم سوى نظرة عداء،
يدفن أفكاره المدنية ويغلق الشبابيك والأبواب عن الآخر،
قتل في نفسه ان هناك أبرياء وان هناك مدنيين ،
العالم فيه مناصرون لفكره او أعداء لا يطمئن إلا الى أهل الحزب الذين يحيطون به،
لا قيمة للإنسان بل للشعارات ،لاحق في الحياة لمن لا يعرف الشعارات ولا يرددها ،
تغليب للقوة الريفية على التوازن المديني،يدخلون المدن بذهنية الريف،ويعملون على ترييفها ونزع طابعها الحضاري عنها.

التطهير الاثني والتهجير القسري
في زمن حرب الثلاثين(1618ـ1648)في منطقة براندبورغ في ألمانيا فرغت( 40)قرية تماما من سكانها من اصل(637)قرية ،ولم تعد تضم(68)قرية أخرى سوى أسرة او أسرتين من جراء الصراعات العسكرية بين البروتستانت والكاثوليك.
(300الف)تركوا منازلهم اثر هزيمة الجمهوريين(1939)ولجأوا الى فرنسا.
الحرب الأهلية في السلفادور(1979)تسببت بهجرة نصف مليون وبتهجير نصف مليون اخر داخل البلاد .
وفي انغولا تسببت بهجرة مليون شخص حتى عام)1992).
ونفس الشيء حدث في كمبوديا وقبرص والبوسنة.
لان الحرب الأهلية تقوم على عدم التسامح وعدم احترام حقوق الإنسان ،
والتهجير احد تجليات الاستهتار بحقوق الإنسان،
فيتم كخيار أول التخلص جسديا من الخصم عبر عمليات التطهير الاثني او التنظيف الطائفي ،
أما الثاني فهو ترهيب الخصم ودفعه الى مغادرة المناطق المنوي الاستيلاء عليها،
والخيار الثالث إجبار الخصم على اعتناق دين الطرف المهيمن كما حصل بين الكروات والصرب(1991و1992) اذ فرض الكروات على الصرب الذين يرغبون البقاء،التخلي عن عقيدتهم الأرثوذكسية واعتناق المذهب الكاثوليكي إكراها.
في الختام نقول 
ان أساتذة البحث يشيرون على تلاميذهم ان عليهم إكمال ما وصل إليه من سبقهم في البحث وعدم تكرار الجهود لان هذا يوصل الى نتائج وصل إليها الآخرون، وهو مضيعة للوقت والجهد،وكذلك هي الشعوب الحية، تستفيد من تجارب غيرها،أما المتخلفة فأنها لا تتعض من التجارب الإنسانية .
هنا تكمن اهمية الكتاب كيما يقرأه اولئك الذين يريدون ان يضعوا أقدامهم في ركاب الحرب الاهلية،اذ ينبههم الى انهم يضعون اقدامهم في الهاوية التي لاقرار لها

تأليف : د. فردريك معتوق
عرض: شمخي جبر
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=94453