السبت، 17 سبتمبر، 2011

أصول التعامل مع غير المسلمين: رابعاً

رابعًا: أصول في التعامل خاصّة بكل صنف:
قال تعالى: ﴿فإمّا تثقفنَّهم في الحرب فشرد بِهم من خلفهم لعلهم يذَّكرون﴾ (الأنفال: 57).
قال ابن كثير: "معناه: غلِّظ عقوبتهم، وأثخنهم قتلاً؛ ليخاف من سواهم من الأعداء من العرب وغيرهم، ويصيروا لهم عبرة"[1].
وقال تعالى: ﴿يا أيّها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أنّ الله مع المتقين﴾ (التوبة: 123).
قال القرطبيُّ: "أي: شدة وقوة"[2].
وقال ابن كثير: "أي: وليجد الكفار منكم غلظة عليهم في قتالكم لهم، فإنّ المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقًا لأخيه المؤمن، غليظًا على عدوه الكافر"[3].
وقال الله تعالى: ﴿يا أيها النبيّ جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير﴾ (التحريم: 9).
قال القرطبيُّ: "أمره أن يجاهد الكفار بالسيف والمواعظ الحسنة والدعاء إلى الله، والمنافقين بالغلظة وإقامة الحجة وأن يعرفهم أحوالهم في الآخرة وأنهم لا نور لهم يجوزون به الصراط مع المؤمنين"[4].

الوفاء بالعهود والمواثيق وتحريم الغدر والخيانة في الظاهر والباطن من أحكام الإسلام القطعيّة النافذة على الأفراد والجماعات، وليس مجرد مبدأ خلقي يستعمل حينًا، ويهمل حينًا آخر.
قال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (الأنفال:72).
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به، يقال: هذه غدرة فلان))[5].
وقد ردّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أبا بصير للمشركين، وأبَى أن يقبله بعد أن عاد إليه وفاءً بالعهد الذي بينه وبين المشركين[6].
وإذا خشي المسلمون من المشركين نقضًا للعهد فعليهم أن يردوا إليهم عهدهم: ﴿وإمّا تخافنّ من قومٍ خيانةً فانبذ إليهم على سواء إنّ الله لا يحبّ الخائنين﴾ (الأنفال: 58).
قال الطبريّ: "يقول تعالى ذكره: وإمّا تخافنّ ـ يا محمد ـ من عدو لك بينك وبينه عهد وعقد أن ينكث عهده وينقض عقده ويغدر بك، وذلك هو الخيانة والغدر، ﴿فانبذ إليهم على سواء﴾ يقول: فناجزهم بالحرب، وأعلمهم قبل حربك إيّاهم أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم، بما كان منهم من ظهور آثار الغدر والخيانة منهم؛ حتى تصير أنت وهم على سواء في العلم بأنك لهم محارب، فيأخذوا للحرب آلتها، وتبرأ من الغدر. ﴿إنّ الله لا يحب الخائنين﴾ الغادرين بمن كان منه في أمان وعهد بينه وبينه أن يغدر به، فيحاربه قبل إعلامه إيّاه أنّه له حرب، وأنه قد فاسخه العقد"[7].
وعن سليم بن عامر، قال: كان بين معاوية وبين أهل الروم عهد، وكان يسير في بلادهم؛ حتى إذا انقضى العهد أغار عليهم، فإذا رجل على دابة أو على فرس، وهو يقول: الله أكبر، وفاء لا غدر. وإذا هو عمرو بن عبسة، فسأله معاوية عن ذلك، فقال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كان بينه وبين قوم عهد؛ فلا يحلنَّ عهدًا، ولا يشدنَّه؛ حتى يمضي أمده، أو ينبذ إليهم على سواء)). قال: فرجع معاوية بالناس[8].
قال البغويُّ: "ويشبه أن يكون إنّما كره عمرو بن عبسة ذلك؛ لأنّه إذا هادنَهم إلى مدة، وهو مقيم في وطنه، فقد صارت مدة مسيره بعد انقضاء المدة المضروبة كالمشروط مع المدة في أن لا يغزوهم فيها، فإذا صار إليهم في أيام الهدنة كان إيقاعه قبل الوقت الذي يتوقعونه، فعدَّ ذلك عمرو غدرًا، والله أعلم. وإن نقض أهل الهدنة عهدهم له أن يسير إليهم على غفلة منهم، كما فعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأهل مكة. وإن ظهرت منهم خيانة بأهل الإسلام نبذ إليهم العهد، قال تعالى: ﴿وإمّا تخافنّ من قومٍ خيانة فانبذ إليهم على سواء﴾ (الأنفال: 58). ومن دخل إلينا رسولاً؛ فله الأمان حتى يؤدي الرسالة، ويرجع إلى مأمنه، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لابن النواحة: ((لولا أنّك رسولٌ لضربتُ عنقك))[9]"[10].
قال ابن القيّم: "ولمّا أسرت قريش حذيفة وأباه أطلقوهما، وعاهدوهما أن لا يقاتلاهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا خارجين إلى بدر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم))[11]"[12].
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: وُجِدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان[13].
وعن رباح بن ربيع، قال: كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوةٍ، فرأى النَّاس مجتمعين على شيءٍ، فبعث رجلاً، فقال: ((انظر علام اجتمع هؤلاء)). فجاء، فقال: على امرأةٍ قتيلٍ. فقال: ((ما كانت هذه لتقاتل)). قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد، فبعث رجلاً، فقال: ((قل لخالد: لا يقتلنَّ امرأةً ولا عسيفًا))[14].
والمراد بالعسيف هو من يكون عمله بعيد الصلة بالأعمال القتالية، قال الشوكانِيّ: "وأمّا العبد؛ فلم يَرد ما يدلّ على عدم جواز قتله... ولا يصحّ قياسه على العسيف؛ لأنّ العسيف لا يقاتل، وإنّما هو لحفظ المتاع والدواب، وإن قاتل جاز قتله"[15].
قال تعالى: ﴿وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضًا لم تطؤوها وكان الله على كل شيءٍ قديرًا﴾ (الأحزاب: 27).
قال الطبري: "وملككم بعد مهلكهم ﴿أرضهم﴾ يعني: مزارعهم ومغارسهم، ﴿وديارهم﴾ يقول: ومساكنهم، ﴿وأموالهم﴾ يعني: سائر الأموال غير الأرض والدور"[16].
قال ابن كثير: "أي: جعلها لكم مِن قتلكم لهم"[17].
الجزية: المال الذي يلتزم أهل الذمّة بأدائه إلى الدولة الإسلاميّة كل عامٍ.
قال ابن قدامة: "هي الوظيفة المأخوذة من الكافر لإقامته بدار الإسلام في كل عام"[18].
قال الشربيني: "تطلق على العقد، وعلى المال الملتزم به"[19].
وصورتُها أن يقول الإمام أو من ينوب عنه: "أقرُّكم بدار الإسلام أو أذنتُ في إقامتكم بِها على أن تبذلوا جزية، وتنقادوا إلى حكم الإسلام"[20].
قال الماورديّ: "ويلتزم لهم - أي الإمام - ببذل حقَّين: أحدهما: الكفُّ عنهم. والثانِي: الحماية لهم، ليكونوا بالكفِّ آمنين، وبالحماية محروسين"[21].
وقال النوويّ: "ويلزمنا الكفُّ عنهم، وضمان ما نُتلفه عليهم، نفسًا ومالاً، ودفعُ أهلِ الحرب عنهم"[22].
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: ((من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإنّ ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا))[23].
قال ابن حجر: "المراد به من له عهد مع المسلمين سواء كان بعقد جزية أو هدنة من سلطان أو أمان من مسلم"[24].
قال القرطبيُّ: "الذمي محقون الدم على التأبيد والمسلم كذلك، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام، والذي يحقق ذلك أنّ المسلم يقطع بسرقة مال الذمي، وهذا يدل على أنّ مال الذمي قد ساوى مال المسلم، فدل على مساواته لدمه، إذ المال إنّما يحرم بحرمة مالكه"[25].
يحل نكاح الكتابية صراحةً، ويدخل في ذلك الذمِّيات منهن، كما تدخل الحربيات الكتابيات لا فرق بين الصنفين، قال تعالى: ﴿ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ﴾ (المائدة: 5).
قال البيضاويُّ: "وإن كنَّ حربيات"[26].
قال الجصاص: "لم يفرق فيه بين الحربيات والذميات وغير جائز تخصيصه بغير دلالة، وقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ لا تعلق له بجواز النكاح ولا فساده، ولو كان وجوب القتال علة لفساد النكاح لوجب أن لا يجوز نكاح نساء الخوارج وأهل البغي؛ لقوله تعالى: ﴿فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾. فبان بما وصفنا أنّه لا تأثير لوجوب القتال في إفساد النكاح، وإنما كرهه أصحابنا لقوله تعالى: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادُّون من حادَّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانَهم أو عشيرتَهم﴾، والنكاح يوجب المودة لقوله تعالى: ﴿وجعل بينكم مودة ورحمة﴾، فلما أخبر أنّ النكاح سبب المودة والرحمة، ونَهانا عن موادّة أهل الحرب؛ كرهوا ذلك"[27].
وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز عن حكم نكاح نساء أهل الكتاب، فأجاب: "حكم ذلك الحل والإباحة عند جمهور أهل العلم؛ لقول الله سبحانه في الآية السابقة من سورة المائدة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (المائدة: 5)، والمحصنة: هي الحرة العفيفة في أصح أقوال علماء التفسير، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية ما نصه: (وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ أي: وأحل لكم نكاح الحرائر العفائف من النساء المؤمنات وذكر هذا توطئة لما بعده وهو قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ، فقيل: أراد بالمحصنات الحرائر دون الإماء، حكاه ابن جرير عن مجاهد، وإنما قال مجاهد المحصنات الحرائر فيحتمل أن يكون أراد ما حكاه عنه، ويحتمل أن يكون أراد بالحرة العفيفة كما في الرواية الأخرى عنه وهو قول الجمهور ههنا وهو الأشبه لئلا يجتمع فيها أن تكون ذمية وهي مع ذلك غير عفيفة فيفسد حالها بالكلية ويتحصل زوجها على ما قيل في المثل (حشف وسوء كيل).
والظاهر من الآية أن المراد بالمحصنات: العفيفات عن الزنى كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ثم اختلف المفسرون والعلماء في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ هل يعم كل كتابية عفيفة سواء كانت حرة أو أمة، حكاه ابن جرير عن طائفة من السلف ممن فسر المحصنة بالعفيفة، وقيل المراد بأهل الكتاب ههنا الإسرائيليات وهو مذهب الشافعي، وقيل المراد بذلك الذميات دون الحربيات لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الآية، وقد كان عبد الله بن عمر لا يرى التزويج بالنصرانية ويقول لا أعلم شركا أعظم من أن تقول إن ربها عيسى وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ الآية، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا محمد بن حاتم بن سليمان المؤدب حدثنا القاسم بن مالك يعني المزني حدثنا إسماعيل بن سميع عن أبي مالك الغفاري قال: نزلت هذه الآية ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ قال: فحجز الناس عنهن حتى نزلت الآية التي بعدها ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ، فنكح الناس نساء أهل الكتاب، وقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى ولم يروا بذلك بأسا أخذا بهذه الآية الكريمة ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ، فجعلوا هذه مخصصة للتي في سورة البقرة ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ، إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها وإلا فلا معارضة بينها وبينها؛ لأن أهل الكتاب قد انفصلوا في ذكرهم عن المشركين في غير موضع كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ، وكقوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا الآية) انتهى المقصود من كلام الحافظ ابن كثير رحمه الله.
وقال أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة الحنبلي رحمه الله في كتابه المغني ما نصه: (ليس بين أهل العلم بحمد الله اختلاف في حل حرائر نساء أهل الكتاب، وممن روي عنه ذلك عمر وعثمان وطلحة صلى الله عليه وسلم وحذيفة وسلمان وجابر وغيرهم، قال ابن المنذر ولا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك، وروى الخلال بإسناده أن حذيفة وطلحة والجارود بن المعلى وأذينة العبدي تزوجوا نساء من أهل الكتاب وبه قال سائر أهل العلم، وحرمته الإمامية تمسكا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ، ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾، ولنا قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ، إلى قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، وإجماع الصحابة، فأما قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نسخت بالآية التي في سورة المائدة وكذلك ينبغي أن يكون ذلك في الآية الأخرى؛ لأنهما متقدمتان والآية التي في المائدة متأخرة عنهما، وقال آخرون ليس هذا نسخا فإن لفظ المشركين بإطلاقه لا يتناول أهل الكتاب بدليل قوله سبحانه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ، وقوله عز وجل: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا، وقوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ، وسائر آي القرآن يفصل بينهما، فدل على أن لفظة المشركين بإطلاقها غير متناولة لأهل الكتاب، وهذا معنى قول سعيد بن جبير وقتادة؛ ولأن ما احتجوا به عام في كل كافرة، وأيتنا خاصة في حل نساء أهل الكتاب والخاص يجب تقديمه، إذا ثبت هذا فالأولى أن لا يتزوج كتابية؛ لأن عمر رضي الله عنه قال للذين تزوجوا من نساء أهل الكتاب: طلِّقوهن، فطلَّقوهنّ إلاّ حذيفة، فقال له عمر: طلِّقها، قال: تشهد أنّها حرام؟! قال: هي خمرة طلِّقها. قال: تشهد أنّها حرام؟! قال: هي خمرة، قال: قد علمت أنها خمرة ولكنها لي حلال، فلما كان بعد طلقها فقيل له: ألا طلقتها حين أمرك عمر؟ قال: كرهت أن يرى الناس أني ركبت أمرا لا ينبغي لي، ولأنه ربما مال إليها قلبه فتفتنه، وربما كان بينهما ولد فيميل إليها) انتهى كلام صاحب المغني رحمه الله.
والخلاصة مما ذكره الحافظ ابن كثير وصاحب المغني رحمة الله عليهما أنه لا تعارض بين قوله سبحانه في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ الآية، وبين قوله عز وجل في سورة المائدة: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ الآية، لوجهين: أحدهما: أن أهل الكتاب غير داخلين في المشركين عند الإطلاق. لأن الله سبحانه فصل بينهم في آيات كثيرات مثل قوله عز وجل: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ الآية، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا الآية، وقوله عز وجل: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ الآية، إلى غير ذلك من الآيات المفرقة بين أهل الكتاب والمشركين، وعلى هذا الوجه لا تكون المحصنات من أهل الكتاب داخلات في المشركات المنهي عن نكاحهن في سورة البقرة، فلا يبقى بين الآيتين تعارض، وهذا القول فيه نظر، والأقرب أن أهل الكتاب داخلون في المشركين والمشركات عند الإطلاق رجالهم ونساؤهم؛ لأنهم كفار مشركون بلا شك، ولهذا يصنعون من دخول المسجد الحرام لقوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا الآية، ولو كان أهل الكتاب لا يدخلون في اسم المشركين عند الإطلاق لم تشملهم هذه الآية، ولما ذكر سبحانه عقيدة اليهود والنصارى في سورة براءة قال بعد ذلك: "﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ فوصفهم جميعًا بالشرك. لأن اليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، ولأنهم جميعا اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله وهذا كله من أقبح الشرك والآيات في هذا المعنى كثيرة.
والوجه الثاني: أن آية المائدة مخصصة لآية البقرة، والخاص يقضي على العام ويقدم عليه كما هو معروف في الأصول وهو مجمع عليه في الجملة، وهذا هو الصواب، وبذلك يتضح أن المحصنات من أهل الكتاب حل للمسلمين غير داخلات في المشركات المنهي عن نكاحهن عند جمهور أهل العلم بل هو كالإجماع منهم لما تقدم في كلام صاحب المغني، ولكن ترك نكاحهن والاستغناء عنهن بالمحصنات من المؤمنات أولى وأفضل لما جاء في ذلك عن أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه وابنه عبد الله وجماعة من السلف الصالح رضي الله عنهم، ولأن نكاح نساء أهل الكتاب فيه خطر ولا سيما في هذا العصر الذي استحكمت فيه غربة الإسلام وقل فيه الرجال الصالحون الفقهاء في الدين وكثر فيه الميل إلى النساء والسمع والطاعة لهن في كل شيء إلا ما شاء الله، فيخشى على الزوج أن تجره زوجته الكتابية إلى دينها وأخلاقها كما يخشى على أولاده منها من ذلك والله المستعان.
فإن قيل: فما وجه الحكمة في إباحة المحصنات من أهل الكتاب للمسلمين وعدم إباحة المسلمات للرجال من أهل الكتاب، فالجواب عن ذلك- والله أعلم- أن يقال: إن المسلمين لما آمنوا بالله وبرسله وما أنزل عليهم ومن جملتهم موسى بن عمران وعيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام ومن جملة ما أنزل على الرسل التوراة المنزلة على موسى والإنجيل المنزل على عيسى، لما آمن المسلمون بهذا كله أباح الله لهم نساء أهل الكتاب المحصنات فضلا منه عليهم وإكمالا لإحسانه إليهم، ولما كفر أهل الكتاب بمحمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه من الكتاب العظيم وهو القرآن حرم الله عليهم نساء المسلمين حتى يؤمنوا بنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، فإذا آمنوا به حل لهم نساؤنا وصار لهم ما لنا وعليهم ما علينا والله سبحانه هو الحكم العدل البصير بأحوال عباده العليم بما يصلحهم الحكيم في كل شيء تعالى وتقدس وتنزه عن قول الضالين والكافرين وسائر المشركين.
وهناك حكمة أخرى وهي: أن المرأة ضعيفة سريعة الانقياد للزوج فلو أبيحت المسلمة لرجال أهل الكتاب لأفضى بها ذلك غالبا إلى دين زوجها فاقتضت حكمة الله سبحانه تحريم ذلك"[28].
المعاهدون مستأمنون بمقتضى معاهدة السلام مع دولهم، وما داموا قد دخلوا دار الإسلام بموجب تلك المعاهدة القاضية بذلك فهم تحت ولاية الإمام، وعليه حمايتهم والدفاع عنهم.
جاء في السير وشرحه: "قد بيَّنا أنّ المستأمنين فينا إذا لم يكونوا أهل منعة فحالهم كحالِ أهل الذمّة في وجوب نصرتِهم على أمير المسلمين، ودفع الظلم عنهم؛ لأنّهم تحت ولايته. ألا ترى أنّه كان يجب على الإمام والمسلمين اتّباعهم لاستنقاذهم من أيدي المشركين الذين قهروهم ما لم يدخلوا حصونَهم ومدائنهم، كما يجب عليهم ذلك إذا وقع الظهور على المسلمين، أو على أهل الذمّة؟ وكذلك لو أنّ هؤلاء المستأمنين كانوا من أهل دار الموادعة، دخلوا إلينا بتلك الموادعة"([29]).
قال المرغينانِي: "وإذا دخل المسلم دار الحرب تاجرًا؛ فلا يحل له أن يتعرض لشيءٍ من أموالهم، ولا من دمائهم؛ لأنّه ضمن أن لا يتعرض لهم بالاستئمان، فالتعرض بعد ذلك يكون غدرًا، والغدر حرام، إلاَّ إذا غدر بِه ملكهم، فأخذ أمواله أو حبسه، أو فعل ذلك غيرُه بعلم الملك ولم يمنعه؛ لأنّهم هم الذين نقضوا العهد، بخلاف الأسير؛ لأنّه غير مستأمن، فيباح له التعرض للمال والدم، وإن أطلقوه طوعًا"[30].
يعامل المستأمِنون ما داموا في أرض الإسلام معاملة أهل الذمّة في وجوب الدفاع عنهم، لأنّهم وهم في دار الإسلام يكونون تحت ولاية الإمام، فعليه الدفاع عن جميع من كان تحت ولايته.
جاء في السير الكبير وشرحه: "الأصل أنّه يجب على إمام المسلمين أن ينصر المستأمنين ما داموا في دارنا؛ لأنّهم تحت ولايته، ما داموا في دار الإسلام، فكان حكمهم كحكم أهل الذمّة"[31].
ولو أنّ قومًا من أهل الحرب لهم منعة دخلوا دارنا بأمانٍ فشرطوا علينا أن نمنعهم ممّا نمنع منه المسلمين وأهل الذمّة؛ فعلينا الوفاء بشرطهم[32].
ولو كان المستأمنون في دارنا قومًا لا منعة لهم... فعلى الإمام أن يدفع عنهم من الظلم ما يدفعه عن أهل الذمّة[33].
ولو كان الذين ظهروا عليهم من أهل الحرب... مرّوا بِهم على منعةٍ للمسلمين في دار الحرب كان عليهم القيام بنصرتِهم، وتخليصهم من أيديهم، كما في حقّ أهل الذمّة[34].
انظر: حرمة أموال ودماء أهل الذمة.

[1]  تفسير القرآن العظيم (2/321).
[2]  الجامع لأحكام القرآن (9/352).
[3]  تفسير القرآن العظيم (2/403).
[4]  الجامع لأحكام القرآن (18/201).
[5]  البخاري في الجزية، باب إثم الغادر للبر والفاجر (3187)، ومسلم في الجهاد والسير، باب تحريم الغدر (1736)، واللفظ له.
[6]  انظر: البخاري في الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة في الحرب (2734).
[7]  جامع البيان (10/26-27).
[8]  أبو داود في الجهاد، باب في الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير إليه (2759)، والترمذي في السير، باب ما جاء في الغدر (1580) واللفظ له، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (1285).
[9]  أحمد (1/384)، وأبو داود في الجهاد، باب في الرسل (2762)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (2400).
[10]  شرح السنة (11/166-167).
[11]  مسلم في الجهاد، باب الوفاء بالعهد (1787).
[12]  زاد المعاد (3/88).
[13]  البخاري في الجهاد والسير، باب قتل النساء والصبيان (3015)، ومسلم في الجهاد والسير، باب تحريم قتل النساء والصبيان (1744).
[14]  أبو داود في الجهاد، باب في قتل النساء (2669)، وصححه الألبانيُّ في صحيح سنن أبي داود (2324). قال الزمخشريّ: "العسيف: الأجير" (الفائق 2/7).
[15]  السيل الجرار (4/532).
[16]  جامع البيان (12/155).
 [17]  تفسير القرآن العظيم (3/479).
[18]  المغني (10/567).
[19]  مغني المحتاج (4/242).
[20]  انظر: مغني المحتاج (4/242).
[21]  الأحكام السلطانية (143).
[22]  انظر: مغني المحتاج (4/253).
[23]  البخاري في الجزية، باب إثم من قتل معاهدًا (3166).
[24]  فتح الباري (12/259).
[25]  الجامع لأحكام القرآن (2/246).
[26]  أنوار التنْزيل (2/297).
[27]  أحكام القرآن (2/18).
[28]  عن موقع الشيخ الرسمي http://www.binbaz.org.sa/last_resault.asp?hID=1229.
[29]  السير الكبير وشرحه (5/1892،1891).
[30]  بداية المنتهي (ص: 118)، وانظر حرمة دمائهم وأموالهم في معاملة أهل الذمة.
[31]  السير الكبير وشرحه (5/1853).
[32]  شرح السير الكبير للسرخسي (5/1857).
[33]  شرح السير الكبير للسرخسي (5/1858).
[34]  شرح السير الكبير للسرخسي (5/1859).