السبت، 17 سبتمبر، 2011

أصول التعامل مع غير المسلمين:أولاً

أولاً: أصناف غير المسلمين:
الكفار غير المسلمين من حيث موقفهم من الإسلام وأهله أصناف، قال ابن القيّم:
"الكفار: إمّا أهل حربٍ، وإمّا أهل عهدٍ.
وأهل العهد ثلاثة أصناف: أهل ذمّة، وأهل هُدنة، وأهل أمانٍ"[1]، وذلك لأنّ لفظ الذمّة والعهد يتناول هؤلاء كلهم في الأصل.
قال: "ولكن صار في اصطلاح كثيرٍ من الفقهاء (أهل الذمّة) عبارة عمّن يؤدي الجزيّة"[2].

هو الكافر الذي بين المسلمين وبين دولته حالة حربٍ، ولا ذمّة له ولا عهد.
قال الشوكانِيُّ: "الحربي الذي لا ذمة له ولا عهد"[3].
الكفَّار المقيمون تحت ذمَّة المسلمين بدفع الجزيَّة[4].
قال ابن القيّم: "أجمع الفقهاء على أنّ الجزية تؤخذ من أهل الكتاب ومن المجوس"[5].
ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر[6].
وحكم أهل الذمّة المعاهدين الذين يساكنون المسلمين في ديارهم ويدفعون الجزية أنّهم يخضعون للأحكام الإسلاميّة في غير ما أُقروا عليه من أحكام العقائد والعبادات والزواج والطلاق والمطعومات والملبوسات. ولهم على المسلمين الكفّ عنهم وحمايتُهم.
قال الماورديّ: "ويلتزم - أي الإمام - لهم ببذل حقَّين: أحدهما: الكفُّ عنهم. والثانِي: الحماية لهم، ليكونوا بالكفِّ آمنين، وبالحماية محروسين"[7].
وقال النوويّ: "ويلزمنا الكفُّ عنهم، وضمان ما نُتلفه عليهم، نفسًا ومالاً، ودفعُ أهلِ الحرب عنهم"[8].
والغرض من عقد الذمّة مع الكتابِي والمجوسي: أن يترك القتال، مع احتمال دخوله الإسلام عن طريق مخالطته للمسلمين، ووقوفه على محاسن الدين، فكان عقد الذمّة للدعوة إلى الإسلام، لا للرغبة في المال.
المعاهَد: هو الكافر الذي بينه وبين المسلمين عهد مهادنة[9].
قال ابن بطال: "والمعاهَد: الذي بينه وبين الإمام عهد وهدنة"[10].
وإذا دخل ديار المسلمين سُمِّي مستأمنًا.
المستأمن: هو الحربِي المقيم إقامة مؤقتة في ديار الإسلام[11].
والفرق بين أمان الذمِّي وبين المستأمن هو أنّ أمان الذمِّي مؤبد، وأمان المعاهد والمستأمن مؤقت بمدة إقامته التي يصير بتجاوزها من أهل الذمّة، وتضرب عليه الجزية[12].
قال ابن نجيم الحنفي: "وإذا دخل الحربِي إلينا مستأمنًا لم يُمكَّن أن يقيم في دارنا سنة، ويقول له الإمام: إن أقمت تمام السنة وضعتُ عليك الجزية"[13].
وينقلب الذمِّي أو المعاهد أو المستأمِن حربيًا بأن يلحق باختياره بدار الحرب مقيمًا فيها، أو إذا نقض عهد ذمّته؛ فيحل دمه وماله، قال تعالى: ﴿وإن نكثوا أيمانَهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنّهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون﴾ (التوبة: 12).
قال ابن عباس: نزلت في أبِي سفيان بن حرب والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وعكرمة ابن أبي جهل وسائر رؤساء قريش، الذين نقضوا العهد؛ حين أعانوا بني بكر على خزاعة حلفاء رسول الله، فأُمِرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يسير إليهم، فينصر خزاعة[14].
قال القرطبيُّ: "إذا حارب الذمي نقضَ عهدَه، وكان ماله وولده فيئا معه"[15].
وقد حارب النبيُّ صلى الله عليه وسلم بني قريظة، وأنزلهم على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما رجع النبيُّ صلى الله عليه وسلم من الخندق، ووضع السلاح واغتسل؛ أتاه جبريل عليه السلام، فقال: قد وضعت السلاح؟! والله ما وضعناه، فاخرج إليهم. قال: ((فإلى أين؟)). قال: ها هنا. وأشار إلى بني قريظة، فخرج النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم[16].
وعن ابن عمر أنّ يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير، وأقرَّ قريظة، ومَنَّ عليهم؛ حتى حاربت قريظة بعد ذلك، فقتل رجالهم، وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلاَّ أنَّ بعضهم لحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فآمنهم، وأسلموا، وأجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود المدينة كلهم؛ بني قينقاع - وهم قوم عبد الله بن سلام - ويهود بني حارثة، وكل يهودي كان بالمدينة[17].
قال النوويُّ: "في هذا: أنّ المعاهد والذميَّ إذا نقض العهد صار حربيًا، وجرت عليه أحكام أهل الحرب، وللإمام سبي من أراد منهم، وله المَنُّ على من أراد. وفيه: أنّه إذا مَنَّ عليه ثم ظهرت منه محاربة انتقض عهده، وإنّما ينفع المَنُّ فيما مضى، لا فيما يستقبل، وكانت قريظة في أمان، ثم حاربوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم، ونقضوا العهد، وظاهروا قريشًا على قتال النبيِّ صلى الله عليه وسلم"[18].

[1] أحكام أهل الذمة (2/475).
[2] أحكام أهل الذمّة (2/475).
[3] السيل الجرار (4/441).
[4] الدرّ النقي (289).
[5] أحكام أهل الذمة (1/1).
[6] البخاري في الجزية، باب الجزية والموادعة مع أهل الحرب (3157).
[7] الأحكام السلطانية (143).
[8] انظر: مغني المحتاج (4/253).
[9] جامع الأصول لابن الأثير (7/466).
[10] نظم المستعذب (1/157،156).
[11] الهداية شرح البداية للمرغيناني (1/221)، والبحر الرائق لابن نجيم (7/95)، والمدونة الكبرى لسحنون (3/24)، والأم للشافعي (4/283)، والفروع لابن مفلح (2/367).
[12] انظر: بدائع الصنائع (7/106).
[13] البحر الرائق (5/109).
[14] انظر: زاد المسير لابن الجوزي (3/404).
[15] الجامع لأحكام القرآن (8/83).
[16] البخاري في المغازي، باب مرجع النبيِّ صلى الله عليه وسلم من الأحزاب (4117)، ومسلم في الجهاد والسير، باب جواز قتال من نقض العهد (1769).
[17] البخاري في المغازي، باب حديث بني النضير (2048)، ومسلم في الجهاد والسير، باب إجلاء اليهود من الحجاز
(1766)، واللفظ له.