الجمعة، 12 أغسطس 2011

أسباب الدورة الصاعدة لأسعار الذهب


السبت, 29 مايو 2010 الساعة 10:50
جيفري نيكولز-اقتصادي المؤسسة الأمريكية لاستشارات المعادن الثمينة-نيويورك

أسباب الدورة الصاعدة لأسعار الذهب










هناك الكثير من العوامل التي ترجح ارتفاع أسعار الذهب خلال العام الجاري وفي السنوات اللاحقة. 



أولاً: سياسات التضخم النقدية والمالية التي تتبعها الولايات المتحدة 

ستقوم أمريكا بنقدنة ديونها الفيدرالية الهائلة والمتنامية بسرعة. ولا يوجد هناك أي سبيل آخر للتعامل مع هذا المأزق. 

وبدأت البنوك المركزية الأجنبية وغيرها من المؤسسات التي تقوم بتمويل ديون الولايات المتحدة في العقود الأخيرة عن طيب خاطر، بإعادة التفكير إزاء تراكم المزيد من الديون الحكومية في الولايات المتحدة. 

ويمكن اللجوء إلى زيادة الضرائب إلى مستويات عالية (بل سيكون هذا الإجراء حتمياً). ولكن بعد نقطة زمنية معينة، سيؤدي ارتفاع أعباء الضرائب إلى خفض النمو الاقتصادي فقط، وبالتالي ستقل عائدات الضرائب بدلاً من ارتفاعها. 

ويمكن خفض الإنفاق في بعض المجالات، لكن الأمريكيين لن يتخلوا عن الاستحقاقات التي تقدمها حكومتهم (مثل الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية ومعونات البطالة وبرامج الإنفاق السخية على المشروعات المحلية وبرامج التقاعد في القطاع العام، وما إلى ذلك). 

وتمثل الديون الرسمية الفيدرالية التي وصلت الآن إلى ما يقرب من 12.8 تريليون دولار جزءاً صغيراً من الالتزامات الفعلية لواشنطن، ويمكن أن يضاف إليها الالتزامات التي تقع خارج الموازنة غير الممولة في المستقبل، إذ يصل حجم هذه الفئة أيضاً إلى 108 مليارات دولار. 

ويعني ذلك أننا نتحدث عن 120 تريليون دولار على الأقل في الالتزامات الفيدرالية، وهي بدورها تمثل جزءاً متزايداً سيقوم مجلس الاحتياطي الفيدرالي بتمويله عن طريق شراء الدين الحكومي. 

وبغض النظر عن المسمى الذي قد تحمله هذه العمليات، وسواء كان من قبل التيسير الكمي أو طباعة المال، ستكون النتيجة النهائية هي ذاتها، أي ارتفاع معدل التضخم وانخفاض قيمة العملة وارتفاع أسعار الذهب. 

ثانياً: أزمة الديون السيادية في أوروبا

يلعب البنك المركزي الأوروبي دوراً متزايداً في تمويل عجز القطاع العام في الدول الأعضاء التي ينخفض فيها مستوى الجدارة الائتمانية. ومثلما هي حال مجلس الاحتياطي الفيدرالي، لا يوجد هناك أي خيار أمام البنك المركزي الأوروبي سوى تمويل الديون العامة في أوروبا، إضافة إلى التزامات القطاع العام غير الممولة (مثل المعاشات التقاعدية والرعاية الصحية والإجازات وغيرها من برامج الرعاية الاجتماعية). 

وسيقوم البنك المركزي الأوروبي، مثل مجلس الاحتياطي الفيدرالي بتضخيم طريقه للخروج من مأزق الديون السيادية التي يعاني منها الاتحاد الأوروبي.

ونتيجة خسائر البنك المركزي الأوروبي لصدقيته في التعامل مع التضخم، والمستقبل المحفوف بالشبهات للعملة الأوروبية اليورو، فقد تلاشت الجاذبية التي تتمتع بها هذه العملة باعتبارها أصلاً احتياطياً بديلاً عن الدولار في النظام الاقتصادي العالمي الذي يتبلور حالياً. 

وأخذت البنوك المركزية التي عمدت إلى زيادة نسبة الاحتياطات الرسمية القائمة على اليورو من أجل تقليص اعتمادها على الدولار، تعيد النظر في الحكمة الكامنة وراء هذه السياسة.

ثالثاً: تنويع احتياطات البنوك المركزية 

بعد عقدين من المبيعات بمعدل يقترب من 400 طن سنوياً، أصبح القطاع الرسمي (ممثلاً بالبنوك المركزية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي للتسويات) من المشترين الأساسيين للذهب في العام الماضي 2009. ونتوقع من جانبا أن يواصل القطاع الرسمي هذا النهج خلال السنوات المقبلة. 

وخلال العام الماضي، أعلن بنك الشعب الصينى (البنك المركزي الصيني) عن أنه يقوم بشراء الذهب بشكل منتظم من إنتاج المناجم المحلية على مدى سنوات عديدة، ولكن لم يكشف عن هذه المشتريات في حسابات الاحتياطات الرسمية. 

ونعتقد أن هذه المشتريات، وإن لم يتم الكشف عنها حتى هذا الوقت، لاتزال متواصلة من شهر لآخر. 

وتواصل روسيا وكزخستان أيضاً عمليات شراء الذهب على أساس شهري من صناعة التعدين المحلية، لكن على عكس تماماً من الصين، فقد كشف هذان البلدان عن مشترياتهما، ربما بهدف تحسين صورتيهما في ما يتعلق بالجدارة الائتمانية في الأسواق العالمية، وهو أمر لا يمثل مصدر قلق بالنسبة إلى بنك الشعب الصيني. 

ومن المرجح قيام الكثير من البنوك المركزية العالمية الأخرى بشراء الذهب من وقت لآخر، إما بشكل مباشر أو من خلال صناديق الثروة السيادية، ولكنها قد لا تعمد إلى الكشف عن تلك المشتريات مثل الصين، لتجنب أي تأثير إيجابي قد ينجم عن مشترياتها في سعر المعدن. 

رابعاً: ارتفاع الطلب من القطاع الخاص 

تم تسجيل ارتفاع الطلب الاستثماري على الذهب من جانب القطاع الخاص في جميع أنحاء العالم، خصوصاً في الدول الصناعية القديمة، حيث يقوم المستثمرون من القطاع الخاص في الولايات المتحدة وأوروبا، سواء من جانب الأفراد والمؤسسات، بشراء المزيد من الذهب، الأمر الذي يعكس الاهتمامات والمخاوف نفسها التي تدفع البنوك المركزية إلى مواصلة زيادة أصولها من هذا المعدن. 

ويتزايد قلق المستثمرين في جميع أنحاء العالم بسبب العجز والديون الضخمة التي تعاني منها الحكومات على جانبي المحيط الأطلسي. وينبع هذا القلق على نحو متزايد من أن تسارع معدلات التضخم وانخفاض قيمة العملات قد يؤديان إلى تآكل قيم مدخراتهم واستثماراتهم الأخرى. 

وبعد أن اكتسبت أزمة الديون السيادية الأوروبية المزيد من الزخم في الآونة الأخيرة، فقد شهدنا زيادة كبيرة في الطلب على الاستثمار بصيغته المادية على الذهب في جميع أنحاء أوروبا، وبدا ذلك جلياً في كل من ألمانيا وسويسرا وفرنسا والمملكة المتحدة ودول أخرى، كما وصلت هذه الحمى إلى الولايات المتحدة. 

ومثلما شاهدنا تماماً مستويات ارتفاع الأسعار في وقت سابق، فقد استقبلت مؤسسات سبك المعدن الأصفر في الولايات المتحدة والنمسا ودول أخرى، إضافة إلى مؤسسات التنقية التي تقوم بتصنيع السبائك الاستثمارية الصغيرة، طلباً قوياً للغاية من جانب صغار المستثمرين، كما تم تسجيل مستوى عالٍ من الإقبال على السبائك الصغيرة خلال الأسابيع الأخيرة. 

والأهم من ذلك، وطبقاً لما رأيناه من تطورات كبير في وقت سابق خلال هذه الدورة الصاعدة من السوق، فإن الفضل في معظمه يعزا إلى المستثمرين على المدى الطويل، والمشتريات التي يقومون بها، على العكس من أولئك المتعاملين والمضاربين، لكن من غير المرجح عودة الفئة الأولى إلى السوق في وقت قريب.

خامساً: ارتفاع الطلب الاستثماري طويل الأجل من قبل الهند والصين

تتمتع الهند والصين وغيرهما من الدول الصناعية الجديدة بالانتعاش من جديد بعد أن خرجت من دائرة الركود الاقتصادي العالمي القوي في العام الماضي. 

وكان الذهب على مر التاريخ الوسيلة المفضلة للتوفير في الهند والصين والكثير من الدول الآسيوية الأخرى. 

ومع ارتفاع مستويات الدخل وانتقال المزيد من الناس إلى صفوف الطبقة المتوسطة وزيادة أعداد الأثرياء هناك، يكون من الطبيعي جداً أن نرى تدفق بعض هذه الأموال إلى ذهب. 

وعلى ضوء الأعداد السكانية الهائلة في الهند والصين، وانتقال الملايين من الناس من الطبقة الفقيرة إلى الطبقة المتوسطة، والهجرة من المناطق الريفية إلى المدن، فقد باتت هاتان الدولتان تسجلان إمكانات هائلة من حيث حجم الاستثمار في الذهب (بالطن أو بالأوقية) والمشتريات خلال السنوات المقبلة. 

ويتطلب نمو الإقبال على التوفير بالذهب والطلب على الاستثمار في هذه الدول تحقيق نمو معتدل في الدخل الشخصي. وليست هناك حاجة لارتفاع معدل التضخم أو انتشار الأوضاع الغامضة في الأسواق المالية للتوصل إلى النتيجة السابقة، مع أن وجود مثل هذه الظروف قد يشجع على المزيد من الطلب المتعلق بالمدخرات. 

ونعتقد أن الأفق الاقتصادي في هذه الدول يصب في مصلحة الذهب، لاسيما أن اتخاذ التدابير الحذرة لمواجهة المضاربة المفرطة (في قطاعي العقارات أو الأسهم على سبيل المثال)، تحول دون إصابة الاقتصاد بالإنهاك، كما تساعد على كبح جماح التضخم، وتضمن لهذه الاقتصادات مواصلة تحقيق النمو بمعدلات معتدلة، ما يدعم الطلب على الذهب خلال السنوات المقبلة. 

سادساً: تطوير البنية التحتية للاستثمار في الذهب لدى الكثير من الدول في جميع أنحاء العالم 

تساعد المنتجات الجديدة للاستثمار في الذهب إضافة إلى توافر قنوات التوزيع، على توفير الذهب ليكون متاحاً بسهولة أكبر أمام المزيد من المستثمرين، سواء كانوا من الأفراد أو من المؤسسات.

وعلى سبيل المثال، ظهرت الصناديق المتداولة في البورصات التي تتيح للمستثمرين شراء الذهب عن طريق أدوات تشبه الأسهم قبل ست سنوات فقط، ويوجد في الوقت الجاري ما يزيد على 18 صندوقاً من هذا النوع في أسواق الأوراق المالية في مختلف أنحاء العالم، وفي الآونة الأخيرة تم إطلاق صندوق جديد للتعامل بالذهب في اليابان. 

ومنذ بدء العمل بهذه الصناديق، وصل حجم كمية الذهب الإجمالية التي تم الاحتفاظ بها من قبل هذه الصناديق بالنيابة عن المستثمرين إلى أكثر من 62 مليون أوقية، أي أكثر من الكميات الموجودة في حوزة المصارف المركزية كافة، ما عدا أربع دول. 

وكمثال آخر، قررت الصين السماح للقطاع الخاص الاستثمار في الذهب قبل ثلاث سنوات فقط بعد أن ظل الحظر قائماً في هذا البلد على مدى خمسة عقود تقريباً. ولم يعد الاستثمار في الذهب قانونياً فحسب، بل إن الحكومة المركزية تؤيد وتشجع على هذه النشاطات الاستثمارية. 

وتم السماح لخمسة بنوك وطنية للتعامل مع الذهب وتوفير المنتجات الاستثمارية المتعلقة بالمعدن الأصفر، ومنها الرقائق الصغيرة والسبائك والقطع النقدية والبرامج الدفترية وخطط التوفير، وباتت هذه النشاطات متاحة فى جميع أنحاء الصين. 

وإضافة إلى هذه البنوك، يتوافر الذهب أيضاً بشكله المادي أمام المستثمرين الذين يمكنهم شراء الذهب من محلات البيع بالتجزئة.

وعلى نحو مماثل، فقد شهدت الهند بدورها طرح منتجات جديدة خلال السنوات القليلة الماضية، بما في ذلك صناديق تداول الذهب في بورصة بومباي، ويمارس هذا النشاط من خلال بعض المواقع الإلكترونية على شبكة الإنترنت لتوفير المنتجات الاستثمارية المادية التي تعرض من قبل عدد من شركات الخدمات المالية. 

وبدءاً من شهر سبتمبر المقبل، ستبدأ هيئة البريد الوطنية عمليات بيع العملات والمسكوكات الصغيرة التي تشبه الميداليات في مكاتب البريد في المجتمعات الزراعية الريفية، حيث يلاحظ وجود اهتمام كبير إزاء الذهب هناك، لكن قلة من البنوك والشركات توفر هذا المعدن للشراء أمام الأشخاص الراغبين في الادخار. 

ونعتقد أن طرح المنتجات الجديدة وتوفير قنوات التوزيع سيسهمان معاً في ارتفاع مستويات الاستثمار في الذهب خلال السنوات المقبلة، لاسيما وأن الأسعار المحتملة في المستقبل ربما تكون أعلى بكثير مما يعتقده معظم المحللين والمستثمرين في الوقت الراهن. 

سابعاً: تراجع إنتاج مناجم الذهب العالمية

يسجل إنتاج مناجم الذهب العالمية هبوطاً مستمراً منذ عقود. 

ورغم الارتفاع الهامشي الصغير خلال العام الماضي، وربما في العام الجاري مرة أخرى، سيتواصل الانخفاض في إنتاج المناجم العالمية على الأقل خلال السنوات الخمسة المقبلة أو لمدة أطول من ذلك. 

ويعكس انحسار إنتاج المناجم الكثير من العوامل، بما في ذلك استنزاف قدرات المناجم الحالية والانخفاض المستمر في درجات الخام وانخفاض الأعماق التشغيلية في الكثير من المناجم، وارتفاع تكاليف العمالة والطاقة، وعوامل التكاليف والوقت اللازمة للتوافق مع التشريعات البيئية الصارمة بشكل متزايد، والمواقف الحكومية غير الودية تجاه الاستثمارات الأجنبية في بعض الدول المنتجة للذهب، وعدم توافر التمويل الكافي أمام الكثير من شركات التنقيب عن الذهب وشركات التطوير. 

للتواصل مع الكاتب: j.nicholas@alrroya.com