السبت، 24 سبتمبر، 2016

إحتياطيات البنك المركزي العراقي ومورد النفط وعجز الموازنة العامة

الدكتور أحمد إبريهي علي

أحمد إبريهي علي

2016-04-11

اولا:

لعوائد صادرات النفط صفة مزدوجة، 

فهي إيرادات للموازنة العامة 

وفي نفس الوقت المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية. 

او بتعبير آخر

ان مورد النفط هو، تقريبا، كل التدفقات الداخلة في ميزان المدفوعات الخارجية.

والأخيرة (المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية والوظيفة الأهم للمورد النفطي ) لتمويل

المستوردات، من السلع والخدمات،

وتحويلات دخل تكتسبها جهات اجنبية في العراق،

ونفقات خدمة الدين الأجنبي،

وتحويلات اخرى منها استثمار القطاع الخاص في الخارج وإن لم يصرّح به.

وغالبا ما تهمل الوظيفة الأهم للمورد النفطي

كونه يمثل التدفقات الداخلة في ميزان المدفوعات الخارجية للعراق،

ومما يدل على هذا الطراز اللافت للنظر من عدم الأكتراث 

ان التوصيات التي يتداولها الخبراء

تنصب على تهيئة مصادر تمويل بديلة للموازنة العامة

وليس البحث عن مصادر جديدة للعملة الأجنبية.

وحتى القروض التي يسعى العراق للحصول عليها من الخارج

تفهم بأنها اموال (فلوس) تعوض عن اموال فقدناها بإنخفاض سعر النفط،

بينما الأقتراض من الجهات الأجنبية، دولا ومؤسسات،

هو لسد العجز في ميزان المدفوعات الخارجية

ولا معنى له غيرذلك.

وصندوق النقد الدولي بدوره يبرر الأقراض للدول الأعضاء في الأزمات 

لمعالجة العجوزات في موازين مدفوعاتها.

وإن نقص العملة الأجنبية هو جوهر المشكلة الكبرى التي ستجابه العراق

عند استمرار اسعار النفط منخفضة في العام القادم وما بعده.

والمفروض ان تتجه السياسات الأقتصادية ودعاوى الأصلاح نحو هذه المشكلة

بمنتهى الجدية وعميق الشعور بالمسؤولية.

والسبيل الوحيد لأنقاذ العراق يتمثل في الأستثمار لتأسيس طاقات إنتاجية تتجه للتصدير، 

وفيما عدا ذلك يبقى الوضع الأقتصادي للعراق عرضة للمخاطر.

ويستغرق الأستثمار لبناء طاقات انتاجية للتصدير من غير النفط الخام

مدة من الزمن ليست قليلة ويتطلب موارد.

مع تهيئة شروط الكفاءة العالية للأستثمار لضمان الجدوى الأقتصادية والمالية، اولا،

والقدرة على التنافس في السوق الدولية، ثانيا،

وكلاهما يتطلبان مراجعة دقيقة لجميع عناصر البيئة الأقتصادية والمالية والنقدية في العراق.

لأن الكفاءة والقدرة التنافسية الدولية يتعلقان بالتكنولوجيا والتنظيم والأدارة

اي العوامل المعيِنّة للأنتاجية والنوعية.

إضافة على بنية الأسعار والتكاليف

اي اسعار المنتجات في السوق الدولية وتكاليف إنتاجها في العراق

والتي تؤثر فيها الأنتاجية واسعار المدخلات والأجور،

كما ان اسعار المنتجات في الخارج تترجم إلى العملة الوطنية بسعر الصرف لتقارن بالتكاليف.

ثانيا:

والمسألة الأخرى التي بقيت ملتبسة إلى يومنا هذا

هي علاقة الأحتياطيات الدولية للبنك المركزي مع الموازنة العامة.

ولاتتطلب إزالة الألتباس سوى الألتفات إلى طبيعة الأحتياطيات الدولية

إذ لا تفهم على حقيقتها عند النظر إليها على انها اموال وحسب،

بل هي موجودات اجنبية أو وسائل دفع في الخارج.

وقد تكونت الأحتياطيات الدولية للبنك المركزي بكيفية بسيطة ومعروفة

خلاصتها 

ان ايرادات الحكومة اغلبها بالعملة الأجنبية من النفط،

ولنفترض كانت تلك الأيرادات 100

لكن الحكومة تحتاج إلى استيراداتها ومدفوعاتها الخارجية الأخرى 30

فماذا ستفعل في الباقي منها وهو 70؟

الجواب تبيعه إلى البنك المركزي مقابل دنانير عراقية تنفقها في الداخل.

الآن استلم البنك المركزي من وزارة المالية 70 من العملة الأجنبية

يبيع للقطاع الخاص 55

وبيقى منها 15

يضيفها إلى رصيده من الموجودات الأجنبية،

وما في حكمها مثل الذهب، والتي تسمى الأحتياطيات الدولية.

وهذه الموجودات الأجنبية للبنك المركزي مستثمرة في الخارج

وقليل منها عملة اجنبية ورقية وذهب في خزائنه.

ولذلك اصبح واضحا 

ان الضجة التي اثيرت من قبْل، بين عامي 2008 و 2012،

حول ان الحكومة تريد الأستحواذ على إحتياطيات البنك المركزي او بالتصرف بجزء منها

سببها الألتباس في فهم الأحتياطيات الدولية للبنك المركزي وعلاقتها بالموازنة العامة.

اي ان الموازنة العامة عادة لديها فائض في العملة الأجنبية وعجز في الدينار العراقي

وهذه الحقيقة واضحة لكنها فيما يبدومن السهل الممتنع.

وان فائض الحكومة من العملة الأجنبية يأخذ طريقه إلى القطاع الخاص

عبر نافذة البنك المركزي لبيع العملة الأجنبية،

وجزء من هذا الفائض الذي لايشتريه القطاع الخاص يتراكم في احتياطيات البنك المركزي.

في عام 2015 وهذا العام 2016 ونتيجة لأنخفاض مورد النفط 

اصبحت مبيعات وزارة المالية من العملة الأجنبية إلى البنك المركزي

اقل من مبيعات البنك المركزي إلى القطاع الخاص

ولذلك إنخفضت الأحتياطيات الدولية للبنك المركزي

لسد الفرق بين الداخل إلى البنك المركزي من وزارة المالية والخارج من البنك المركزي إلى القطاع الخاص.

ولذلك فإن إنخفاض إحتياطيات البنك المركزي

كان نتيجة لأنخفاض ما وصل إليه من العملة الأجنبية دون طلب القطاع الخاص،

وفي هذه الحالة لابد من استنزاف الأحتياطيات الدولية بمقدار الفرق.

فالحكومة لم تقترض من البنك المركزي بالعملة الأجنبية،

بل ان البنك المركزي يشتري من المصارف ما بحوزتها من حوالات الخزانة وهي بالدينار العراقي.

اي يشتري من المصارف قروضها للحكومة بالعملة الوطنية،

وهي الكيفية التي إعتمدها البنك المركزي لتيسير تمويل عجز الموازنة العامة لحد الآن.

وطالما تبقى ايرادات النفط منخفضة تستنزف الأحتياطيات الدولية للبنك المركزي

نتيجة لطلب القطاع الخاص على العملة الأجنبية،

والذي يفوق مقادير العملة الأجنبية التي تتخلى عنها وزارة المالية إلى البنك المركزي لقاء دنانير عراقية،

وتبعا لذلك تتقلص الأحتياطيات الدولية للبنك المركزي،

ومن الواضح ان هذه العملية لاتستمر طويلا.

والبنك المركزي 

سواء اقرض الحكومة بصورة غير مباشرة كما هو الجاري، لحد الآن،

او اقرضها مباشرة

فسوف يقرضها بالدينار العراقي.

ومن الناحية الأجرائية 

عندما يشتري البنك المركزي حوالات خزانة من المصارف

يعزز الحساب الجاري للمصارف لديه بمبالغ الحوالات التي إشتراها.

وإذا اقرض الحكومة يفعل الشيء نفسه اي يعززحسابها الجاري لديه بمبلغ القرض وبالدينار العراقي.

ثالثا:

وهنا من المفيد إزالة التباس آخر

متأتي من مفهوم الأصدار النقدي بالعلاقة مع إقراض البنك المركزي للحكومة،

وفي البداية

المقصود بالأصدار النقدي زيادة العملة المصدرة.

والعملة المصدرة

هي الأوراق النقدية والمسكوكات في حوزة المصارف التجارية وخارج الجهاز المصرفي،

والعراق ليست لديه مسكوكات الآن بل فقط اوراق نقدية.

اما العملة في التداول

فهي العملة المصدرة مطروحا منها ذلك المقدار الذي تحتفظ به المصارف التجارية لتلبية طلبات زبائنها.

فكيف تزداد العملة المصدرة 

والجواب في غاية البساطة،

خلال يوم العمل تقوم المصارف والحكومة،

وهي الجهات التي يتعامل معها البنك المركزي

بالأيداع في حساباتهم لديه،

وهذه العملة التي يودعونها تشطب من رصيد العملة المصدرة،

وفي نفس الوقت تقوم بعض هذه الجهات بسحب عملة من ارصدتها في البنك المركزي

و تضاف هذه العملة المسحوبة إلى رصيد العملة المصدرة.

فالأصدار النقدي هو الفرق بين العملة المسحوبة والعملة المودعة.

والعملة التي تأتي إلى البنك المركزي وتدخل خزائنه

تفقد وظيفتها النقدية وتصبح مجرد اوراق مطبوعة لا غير،

وعندما تخرج من خزائن البنك المركزي

تستعيد وظيفتها النقدية وتضاف إلى العملة المصدرة

وهو معنى الأصدار النقدي.

رابعا:

وهنا لابد من فك الأرتباط الذهني بين طبع الأوراق النقدية والأصدار النقدي

لأن مجرد طبع الأوراق النقدية لايعني انها اصبحت عملة مصدرة كما تبين.

فالأوراق النقدية عندما تطبع يمكن ان تخزن لدى المطبعة او في خزائن البنك المركزي

وهي ليست إصدار نقدي اي انها ليست داخلة في مفهوم النقود.

خامسا:

ويسمى شراء البنك المركزي لحوالات الخزانة من المصارف تنقيد الدين

لأن سيولة المصارف تزداد بمبلغ الحوالة التي اشتراها البنك المركزي منها.

ويسمى إقراض البنك المركزي للحكومة في بعض الأدبيات تمويل العجز بالأصدار النقدي،

وهذا ليس بمعنى

ان الحكومة عندما تقترض من البنك المركزي

تسحب مبلغ القرض مباشرة وفورا من خزائن البنك المركزي فتزداد العملة المصدرة بمبلغ القرض،

هذا غير صحيح.

لأن زيادة العملة المصدرة او إنخفاضها يعتمد على عوامل اخرى

فعندما يزداد التعامل بالصكوك والتحويلات عبر الحسابات تنخفض الحاجة للعملة المصدرة

وكذلك مع تزايد تعامل الأفراد وقطاع الأعمال مع المصارف والعكس صحيح.

لكن تصرف الحكومة بالمبلغ الذي إقترضته من البنك المركزي

يؤدي إلى زيادة جانبي الميزانية العمومية للبنك المركزي

وبذلك يزداد الأساس النقدي،

بثبات أثر العوامل الأخرى.

بتعبير آخر يظهر قرض البنك المركزي للحكومة في جانب الموجودات وفي حانب المطلوبات،

عندما لا تزداد ودائع المصارف لدى البنك المركزي نتيجة للقرض الحكومي،

تظهر الزيادة في العملة المصدرة.

سادسا:

وقد يكون من المفيد بيانه

ان النقود ليست مرادفة للعملة، 

بل ان ذلك الجزء من العملة المصدرة الموجود خارج المصارف

والذي يسمى العملة في التداول هو جزء من النقود

والجزء الآخر هو الودائع.

وان اضيق تعريف للنقود

بأنها العملة في التداول مضافا إليها الودائع الجارية، في المصارف، لغير الحكومة المركزية.

سابعا:

ويلاحظ بعض الأشتباه بين النقود والدخل، 

والنقود كما معرفة آنفا

هي رصيد من وسائل الدفع لأنجاز المبادلات وتستخدم ايضا لحفظ القيمة،

والوحدة النقدية، دينار،

هي وحدة حساب لتحويل السلع والخدمات غير المتجانسة إلى قيم بنفس الوحدة اي الدينار.

اما الدخل 

فهو تدفق محسوب بوحدات نقدية

فيقال الدخل القومي 250 ترليون دينار في عام كذا

اما النقود فيقال انها كانت 70 ترليون دينار في يوم 31 كانون الأول عام كذا.

والنقود، عادة، تنجز معاملات تفوق قيمتها الأسمية في السنة الواحدة

فيقال سرعة دوران النقود 3 مثلا،

اي ان الدخل السنوي ثلاثة امثال النقود.

والدخل في اساسه قيمة لسلع وخدمات منتجة،

والدخل القومي او الوطني قيمة السلع والخدمات النهائية.

وما ينفق على السلع والخدمات المستوردة هو جزء من الدخل يخصص لتلك المستوردات،

لأن الدخل يتحول بالنتيجة إلى انفاق استهلاكي واستثماري

وهذا الانفاق ينصب على سلع وخدمات منتجة محليا واخرى مستوردة.

وطالما يتولد الدخل في النشاط الأقتصادي يتولد في نفس الوقت طلب على سلع وخدمات تستورد،

وتتجدد الحاجة إلى عملة اجنبية لأنجاز الأستيراد

ولابد ان يصدّر الأقتصاد الوطني سلعا وخدمات للحصول على تلك العملة الأجنبية.

ثامنا:

طبعا

لو امتنع البنك المركزي عن اقراض الحكومة بالدينار العراقي 

سوف ينخفض انفاقها،

وينعكس هذا الأنخفاض في تراحع الطلب الكلي المحلي،

ويتقلص تبعا لذلك الناتج المحلي والدخل،

ويترتب على هذا الأنحسار في الدخل ايضا

انخفاض الطلب على العملة الأجنبية،

وبالتالي يكون المقدار المستنزف من الأحتياطيات الدولية للبنك المركزي اقل.

هكذا هي العلاقة معقدة ومتصلة بالدورات المتكررة

للأنفاق الحكومي

ثم الدخل

فالأنفاق الكلي

الذي يشتق منه طلب القطاع الخاص على العملة الأجنبي

http://www.alitthad.com/News_Print.php?ID=39245