الجمعة، 15 يناير، 2016

اثر الهيمنة المالية على تكوين الأساس النقدي


د . احمد ابريهي علي

الهيمنة المالية و اقتصاد النموذج العام

لقد اعتاد الاقتصاديون على الاهتمام

بمكونـات الميزانيـة العموميـة للبنـك المركـزي

لان الأسـاس النقدي Monetary Base يساوي صافي الموجودات الأجنبية + صافي الائتمـان المحلـي

والأخيـر، بالدرجة الأولى ،عبارة عن

حوالات الخزانة بحيازة البنك المركزي مطروحـا منهـا الحسـاب الجـاري للحكومة في جانب المطلوبات ،

إضافة على ائتمان يقدمه البنك المركزي لجهات محلية اخرى .

وعندما يكون إسهام الدين على الحكومة كبيرا في الأساس النقدي

يقال إن المؤسسة النقدية تهيمن عليها المالية العامة ،

ويسمى اختصارا الهيمنة المالية Fiscal Dominance ،

بمعنى إن الأساس النقدي يتحرك من خلال إقراض البنك المركزي للحكومات

بشراء حوالات الخزانة مباشرة ، من الإصـدار الأولـي ، أو ومن السوق الثانوية

عندما يخصم حوالات الخزانة ابحوزة لمصارف .

ويميل البعض إلى فهم استقلال السلطة النقدية من هذه الزاوية .

ولكن قد تستقل السلطة النقدية بالقانون

ويبقى الأسـاس النقـدي ،الذي يحدد من خلال المضاعفات الحجم الكلي للسيولة ،

يتكون من خلال فعاليات المالية العامة .

ينسجم الفهم السائد للهيمنة المالية مع اقتصاد النموذج العام

أي الاقتصـاد المتنـوع فـي قاعدتـه الإنتاجية ومصادر العملة الأجنبية والإيرادات الحكومية .

الهيمنـة النفطية - المالية

أما اقتصاد الحالـة الخاصـة مثـل البلـدان النفطية

فأن صافي الموجودات الأجنبية عماد الأساس النقدي .

لان الحكومة تعتمد على الـنفط فـي تمويل إنفاقها

فسوف تبادل العملة الأجنبية مع البنك المركزي للحصول على المبالغ الكافية ، من العملة المحلية ،

لإنفاقها في الداخل

ويزداد الإصدار النقدي تبعا لذلك .

هذه الحالـة أصـبحت تسـمى الهيمنـة النفطية - المالية ،

أي أنها هيمنة مزدوجة من خصائص الاقتصاد النفطـي .

و لا تتعلـق بـالقوانين الحاكمة لعمل وزارة المالية أو البنك المركزي ،

بتعبير آخر لايمكن التأثير عليهـا بتشـريعات ولـوائح تنظيمية بل فقط عبر التغير الجذري لبنية الاقتصاد.

وفي اقتصاد النموذج الاعتيادي

يلعب الائتمان دورا في خلق النقود ،

كما ان الودائع تشكل النسبة الاكبر من النقود وتصل الى حوالي %90 في البلدان المتطورة ماليا" ،

مع وجود تناسب واضح بـين العمـق المالي ونسبة الودائع من النقود .

لكن في الاقتصاد العراقي

يكون هذا الدور لمورد النفط وإنفاقه مـن قبل الحكومة ومن خلال تحكمه بالأساس النقدي ،

و مضاعف الائتمان منخفض ، ونسبة العملة المصدرة من النقود عالية .

علما

" إن الأساس النقدي

من جانب المطلوبات في الميزانية العمومية للبنك المركزي

هو عبارة عن العملة المصدرة واحتياطيات المصارف ،

والعملة المصدرة هي حصيلة عمليتين

هما

أنفاق الحكومة من حسابها الجاري ، المعزز بمبيعاتها من العملة ألأجنبية للبنك المركزي ،

ومبيعـات العملـة ألأجنبية للقطاع الخاص .

لا يستطيع البنك المركزي التحكم بالأساس النقدي

لأنه لا يتمكن من تفادي تراكم الموجودات الأجنبيـة لديه ،

والأخيرة محكومة بالموارد النفطية وتصرف الحكومة بها .

لكن مع ذلك

لديه وسيلة الاقتراض من المصارف و / أو امتصاص مزيد من السيولة

بطرح حوالاته بأسعار فائدة مرتفعة ،

وبهذا سوف ينخفض صافي الاستحقاق في الميزانية العمومية ، بمرور الزمن ،

مع استمرار مدفوعات الفائدة ،

ومتـى مـا تخلت المصارف عن قبول أدوات البنك المركزي

ستكون النتيجة الصافية لتلك السياسة تضخمية .

لكان اثار تلك الاجراءات ، ايجابا" وسلبا" ، محدودة بمجموع الودائع الخاصة لدى المصارف

وهي لحـد الان لا تتجاوز %12 من الناتج المحلي ، وزيادتها السنوية في نطاق %2 منه .

ولقد أصبح واضحا

" انه لا فرق بين إلزام الحكومة بتسليم كافة موارد الصادرات فورا" إلى البنك المركزي

أو بيعه عملة أجنبية ، على قدر حاجتها ،

وذلك لان الأساس النقدي يتأثر بالأنفاق الحكومي ليس إلا .

ولا سبيل إلى قياس اثر الحكومة على المتغيرات النقدية في العراق

بمعزل عن مبيعات البنك المركزي من العملة الأجنبية .

إما تأثير الإنفاق الحكومي بذاته على المستوى العام للاسعار فهو مجال آخر للبحث .

لقد اعتمدت بعض البلــدان ذات الهيمنــة النفطيــــة العاليـــــة

سعـــر الصرف مثبتا نقديا Nominal anchor .

وبلدان أخرى مثـل النـرويج ،كولومبيا والمكسيك

اعتمدت إستراتيجية استهداف التضـخم

واستخدم العراق كلا السياستين .

التضخم دائما" وفي كل مكان ظاهرة نقدية من وجهة نظر النقوديين ،

ويتسبب عجز الموازنـة العامـة بالتضخم ، في رأيهم ،

لان الحكومة سوف تتجه بمرور الزمن الى خلق النقد لتمويل العجـز،

وتستند هذه النظرية إلى إعادة تعريف الهيمنة المالية

بأنها لا تتمثل فقط بعجز الموازنة الذي يمول بخلق نقدي

إنما على أسس أخرى

ومنها اعتبار سندات الحكومة وكأنها ثروة صافيـــة .

وفي مثل هذا النظام تتوقف استدامة المالية العامة على تخفيض قيمة الدين ،

فتؤدي زيـادة الأسعار إلى تآكل القيمة الحقيقية للثروة المالية لحين الوصول إلى توازن جديد .

هـذا السـياق كـان متحققا" في العراق طيلة زمن الحصار .

وهو واقع حال الكثير من البلدان التي عانت من تضخم جامح .

وبذلك يمكن القول

إن النظرية المالية لا تكتشف آليات عميقة ، كانت غائبة عن الوعي ،

بل تعاملت مع حقائق نمطية أرادت نمذجتها بلغة نظرية .

لقد أثبتت دراسات حديثة

وجود علاقة بين الميزان المالي الحكومي ،

أي نسبة الفائض ( العجـز ) إلـى الناتج المحلي الإجمالي ،

والتضخم

مع إن العلاقة لها مصداقية في اقتصاد اعتيادي 

يمول فيـه الأنفـاق الحكومي من الضرائب وإيرادات مماثلة ، في علاقتها بالناتج المحلي والدخل العائلي ،

وليس الاقتصـاد النفطي

الذي يمول الأنفاق الحكومي الداخلي فيه بخلق نقدي ، كما تبين ،

مع قدرة على تمويـل الطلـب على الاستيراد بعرض غير محدود ، عمليا" ، من العملة الأجنبية

بثبات سعر الصرف

اعداد الاقتصاد بعيون الخبراء
15-1-2015