الخميس، 8 أكتوبر، 2015

تعقيب على مقالة الدكتور مظهر محمد صالح: الركود الاقتصادي في العراق

ا. د. محمود محمد داغر
ا. د. محمود محمد داغر * :

– نشر في 29/07/2015

يتالق الزميل د. مظهر في تحليل الجانب النقودي من ازمة الركود التي يمر بها العراق

والتي تتشابه من حيث مؤشراتها

( تباطؤ نمو- بطالة لكن مزمنة- استقرار نسبي في الرقم القياسي

وما يعكسه من انخفاض في معدل التضخم)

لكنها تختلف في وتيرتها وعمقها عن الاقتصادات الاخرى والمراحل الاخرى

بسبب تباين الاختلالات من جهة والمعالجات التي عكستها السياسات الاقتصادية للعقد المنصرم.

ارغب في استكمال التحليل النقودي بايجاد الفرق في نتائج المرحلتين قبل التغيير وبعده ،

وبتحليل  اقتصادي حقيقي يساعد في تفسير الاختلاف المتحقق

من ظاهرة الهروب من العملة الى السلع والخدمات في المرحلة السابقة

الى ظاهرة الهروب من النقد المحلي الى النقد الاجنبي

ثم اعادة التدوير مرة اخرى كلما سنحت الفرصة للشركاء.

 ان التمويل الهائل للعجز في المرحلة السابقة

رافقه وجود فرص بديلة ممكنة في القطاع الحقيقي الزراعي والصناعي وغيرها

مما ساعد في انتقال التدفق النقدي الى هذه القطاعات

مع مغالات في اسعار هذه السلع بشكل متراكم ،

وولد معه التضخم الجامح الذي مر به الاقتصاد العراقي انذاك ،

وبالتالي فان وجود منفذ لتسرب خزان العرض النقودي

نقل الاثر النقدي الى القطاع الحقيقي باثر تضخمي كبير.

بينما انسداد التسرب لخزان النقود باتجاه القطاع الحقيقي وتوقف النشاط الحقيقي بابسط صوره

دفع الى نقل مكونات خزان العملة المحلية الى خزان اخر للعملة الاجنبية

طالما ان عملية النقل هذه محمية بفعل سعر صرف مدافع عنه.

اتفق مع اخي الدكتور مظهر

بان ظاهرة الانتقال من فخ السيولة المحلي الى فخ العملة الاجنبية قائم ،

ولكنه ليس بسبب اثر الفائدة الموجب( وهو تعبير مجازي للدكتور) كاملا

ولكنه بسبب تاثير التوقعات الاقرب للمؤكد والخالية من المخاطرة نقوديا،

طالما ان هنالك توقع

بان السلطة النقدية تنظف وتزيل Clearing التاثير السالب للانفاق العام

المخاطرٌRisky خلال عقد تقريبا. 

وبالتالي اعتقد ان ثمة حرب اسعار صرف Exchange rates war

تدار من قبل شركاء محليين وخارجيين يدركون ذلك جيدا.

بسبب اطمئنانهم الى ثبات توجهات البنك المركزي في الدفاع عن الدينار العراقي

وعبر استنزاف جزء مهم من الاحتياطيات العراقية للعملة الاجنبية.

اي ان السياسة النقدية انتقلت من حالة الدفاع Defensive

عن التدهور للاقتصاد خلال المرحلة السابقة وقبول رتم عالي مهلك من التضخم ،

الى سياسة نقدية هجومية Offensive ساعدتها الاحتياطيات في لجم التضخم،

ولكن حتى متى يستمر ذلك في ظل تعطل الاقتصاد الحقيقي ،

لا بل التجرؤ على امكانيات الاقتصاد الكلي العراقي عبر موازنات لا تعير انتباها الى القيود الاقتصادية.

ويمكن ان نستشف من الاشارات التي اوردها الدكتور عن السيولة العامة :

ان استقلالية المركزي التي اريد منها

كبح جماح Repression الانفاق العام في العراق الممول نفطيا

خشية تاثيره السابق واللاحق

تحولت في المدة الاخيرة الى ممول شرعي لعجز جزافي في الموازنة العامة

وعن طريق القطاع المصرفي وليس مباشرة ،

بل ولعب دور غير مناط بها وباهدافها او ادواتها (فرض ضريبة؟)

متناسين قصور السوق المالية العراقية ،

وضعف شديد في الية انتقال الاثر للسياسة النقدية في العراق ، لغياب العمق المالي.

وبالتالي  التخلي عن سياسة الكبح

باتجاه تيسير المضاربة وتاجيج حركة توقعات هي للمؤكد اقرب منها لاحتمالية المخاطرة.

ان تسهيل مهمة وصول الخطاب الاقتصادي  المجدي للاخرين

يتطلب الانتقال من محاولة التركيز على ماهو نقودي الى ماهو حقيقي،

ونقصد بذلك القطاعات السلعية والخدمية ،

التي انهت السياسات الاقتصادية المعاصرة حتى ما هو قائم منها ،

وتحويل السلطة المالية لانظار المجتمع العراقي المنهك نحو وعود برفاهية

انتهت مع اول تحول سوقي للنفط من سوق تصاعدي باسعاره الى سوق هبوطي.

والمصيبة ان الوعود 

قامت على منحى نقدي واسيرة توقعات سرمدية لقوة العملة الوطنية ،

مستمدة من رهانهم بدوام ارتفاع اسعار النفط.

ولا شك ان بناء قطاعات حقيقية وارساء سياسات نموها

اصعب من اللجوء لاحتياطيات اجنبية متنامية،

الا انها اكثر جدوى في تحقيق استدامة النمو الحقيقي للاقتصاد العراقي.

ببساطة متناهية

ان الارتكاز على الدينار العراقي والسلطة النقدية وسعر الصرف

وعرض النقد في اقتصاد لا يعمل اقتصاده الحقيقي باليات متعددة،

لا يعقد التحليل الاقتصادي بل يعقد الحل الاقتصادي المطلوب.

لذلك الموازنة ثم الموازنة ثم النقود،

والا التدهور ثم التدهور ثم انهيار العملة الوطنية.

(*) أستاذ علم الاقتصاد، جامعة بغداد- رئيس قسم التمويل والمصارف


http://iraqieconomists.net/ar/2015/07/29//