الثلاثاء، 8 سبتمبر، 2015

التحليل الاقتصادي لأزمة الانموذج الريعي- الليبرالي في العراق


التحليل الاقتصادي لأزمة الانموذج الريعي- الليبرالي في العراق
د.مظهر محمد صالح:

لم يستطع العراق ان يشق طريقه بعد العام 2003 فور تبدل نظام الحكم الشمولي فيه

واستبداله بسلطة الائتلاف المؤقت او سلطة الاحتلال

قبل ان يجد مخرجاً أيديولوجياً يتلاحم فيه بنيانه الاقتصادي الجديد في حاضنة السوق الدولية

وضمان آليات عملها التي تسهل الاندماج في النظام الاقتصادي والسياسي الدولي .

فالعولمة التي ترى في البنية السياسية (الدولة- السوق ) المرتكز 

و البديل الذي هو لا محال ( للدولة -الامة)

هو شرط الضرورة قبل ان يتبلور شكل الدولة القادم للبلاد ووصف بنيانها السياسي.

فهناك تضاد إيديولوجي

بين استمرار شكل (الدولة -الامة)في العراق الذي افرغ من مقومات السلطة الشمولية

وأقحم بسلطة الائتلافل المؤقت(الاحتلال)

وبين التطلع نحو بناء مؤسسات الدولة الديمقراطية الحديثة

وتوليد سلطة قادرة في الوقت نفسه على حماية تلك الدولة –الامة بتكوينها السياسي والاثني

وتمتلك قدرة الاندماج في النظام الاقتصادي الدولي(العولمة) كما نوهنا آنفاً.

فالديمقراطية السياسية والاندماج في العولمة

اصبحا بأمس الحاجة الى تخطي عقدة ( الثالوث المستحيل - trilemma

فيل النظام السياسي والاقتصادي الدولي 

كما يراهاDani Rodrik استاذ الاقتصاد السياسي في جامعة هارفارد.

فمن المستحيل ،على اي بلد نامي طرفي في منظومة الاقتصاد العالمي مثل العراق ،

ان يتمتع بنظام ديمقراطي اولاً

وبنيانه السياسي يقوم على اساس( الدولة- الامة) ثانياً

وهو يتطلع في الوقت نفسه الى الاندماج في النظام الاقتصادي الدولي ثالثا،

وعلى وفق تلك (الثلاثية المستحيلة) التحقيق.

إذ ترى العولمة في تكوين البنيان السياسي الديمقراطي

ولاسيما في العالم الثالث

بمثابة تعبير عن( فيدراليات) صغيرة او جزئية تؤدي وظائفها السياسية داخل مكون (الدولة-السوق)

وليس (الدولة-الامة)

وحسب متطلبات التلاحم الاقتصادي الدولي العابر لسيادة الامم.

وبهذا فقد اصطدم بناء الدولة السياسي ، الذي شيد اساساً على مفهوم (الدولة -الامة) منذ العام 1921 ،

بشرط الضرورة الذي يرى في بناء الدولة في منظومة الامم الطرفية

المندمجة بالسوق العالمية العابر للسيادة ،

هي محض (فيدراليات) سياسية داخل نظام السوق الدولي

بعد ان تأخذ شكلا ديمقراطياً تتوافق فيه الليبرالية السياسية مع الليبرالية الاقتصادية.

لقد وجدت سلطة الائتلاف المؤقت مخرج للبلاد من (الثالوث المستحيل)

بإيجاد بنية سياسية توافق مفهوم ( الديمقراطية-العولمة )

وطرح بديل مناسب يلغي مفهوم (الدولة-الامة )ويحل محله مفهوم(الدولة-المكونات).

حيث أضحت الديمقراطية ضمن (الدولة -المكونات) 

بمثابة العقد الاجتماعي لرسم مستقبل البلاد السياسي-الديمقراطي

الذي يقطع الطريق على الدولة-الامة كنظام سياسي للدولة الحديثة

ويمتلك في الوقت نفسه قدرة التحول نحو الدكتاتورية السياسية

والاستئثار بالسلطة السياسية بيسر وسهولة عالية.

وهكذا رسمت خريطة الطريق السياسية وتشكل النظام الاقتصادي 

منذ يوم شكل (مجلس الحكم )في العام 2003

على اساس المكونات الطائفية والعرقية بدرجة تتفوق على مكون المواطنة

وبما ينسجم والجغرافية الاثنية او المذهبية على الارض.

ولما كانت الثروة النفطية 

هي المورد السيادي الطبيعي الاحادي الغالب الذي تصطف حوله قوة الدولة الاقتصادية المركزية 

ويمثل بين 55-60% من الناتج المحلي الاجمالي للعراق

و اكثر من 93% من موارد الموازنة الاتحادية ،

فلا بد من ان تتحدد بموجبه شكل النظام الاقتصادي 

ومن ثم مسالك السياسة الاقتصادية في اطار رأسمالية الدولة الريعية

لقاء الحفاظ على نظام سوق حر يمثل قوه ليبرالية سائبة خارج الدولة وتحيط بالدولة 

وفق مبدأ توازن المصالح دون صناعة شراكة تنموية دافعة لبلوغ اهداف التقدم الاقتصادي

عبر الالتحام بين المصالح الرأسمالية الاجمالية (الدولة والأهلية) .

وبهذا استطاعت ( الدولة-المكونات ) 

من توصيف إطار نظامها الاقتصادي الجديد كنظام (ريعي- لليبرالي) 

كبديل عن النظام الاقتصادي (للدولة -الامة) وهو النظام (الريعي-المركزي)

اي القائم على المركزية الشديدة لراسمالية الدولة ،

الامر الذي ظل يحدد اتجاهات السياسة الاقتصادية ،

وتركيب ثوابتها ومتغيراتها واتجاهاتها المالية والنقدية والتجارية والتشغيلية كافة كقوة مستهلكة

او تخدم ليبرالية الاستهلاك في ميكانيكيات هشة من أطراف السوق العالمية

1- بنية الانموذج الريعي-الليبرالي

جاءت السياسة الاقتصادية في (الدولة-المكونات) منسجمة

وحالة التخلص من مأزق الثالوث المستحيل 

(بين الديمقراطية والعولمة من جهة) و( الدولة-الامة من جهة أخرى)

معتمدةً النظام الاقتصادي (الريعي-الليبرالي) كبديل (للنظام الريعي –المركزي).

وانتهت كلتا الرأسماليتين (رأسمالية الدولة والرأسمالية الاهلية) 

متباعدتين في اسس الاغتراب عن التنمية

ولكن منسجمتين في الحركة والاتجاه وبأهداف مشتركة

توافق مسارات العولمة والانفتاح نحو السوق الدولية ،

وبدون ان يتوافر فكر إنمائي موحد او رؤية مشتركة تجمعهم السوق الوطنية فيها

إزاء هدف متماسك وموحد خارج فرص الاستهلاك و الربح و المضاربة و انتزاع الريع.

إذ مازال فائض الموارد المالية العالي نسبياً الذي تمسك به رأسمالية الدولة الريعية

لا يسوغ على سبيل المثال معدلات البطالة الفعلية المتواصلة في سوق العمل الحر

و بمرتبتين عشرتين طوال عقد من الزمن.

وإن ما يسوغ ذلك هو وهن اتصال رأسمالية السوق برأسمالية الدولة

في النهج الاستثماري وبناء المستقبل الاقتصادي.

وان أداء السوق كمقاول منفذ للموازنة الاستثمارية (خارج النشاط الريعي واستثماراته)

مازالت ضعيفة وتعكس وهن الشراكة الرأسمالية في منهج التنمية والتقدم الاقتصادي.

إذ اشرت القدرة التنفيذية للمشاريع الاستثمارية الحكومية

معدلات لم تتجاوز 27% من التخصيصات الاستثمارية لغاية العام 2013

وهي المشاريع والنشاطات الاستثمارية التي يتولى القطاع الخاص تنفيذها عن طريق المقاولة في الغالب

بل تدنت النسبة بين( صفر% الى 10% )

في تنفيذ مشاريع المياه والمجاري في المحافظات والبلديات للعام 2013

وعلى وفق تقرير لجنة الخدمات في مجلس النواب الذي صدر مؤخراً.

ينظر المذهب الليبرالي

الى الدولة باعتبارها كياناً استغلالياً نهاباً بالضرورة

وينظر الى القطاع الخاص بكونه جهة ريعية ( تسعى الى تحصيل الريع حتى بالتهرب الضريبي)

وهي قوة انتهازية بطبيعتها.

وعلى الرغم من تدخل الدولة في نطاق ضيق لتنظيم المناخ القانوني لعمل السوق الليبرالية

وتحديد قنوات اتصال الدولة مع السوق وفق الانموذج الريعي-الليبرالي،

إلا ان الليبراليين وفكرهم السائد يدعون الى الفصل التام بين الدولة والقطاع الخاص.

ومن هذا المنطلق اخذت سلطة الائتلاف المؤقت

في رسم الحدود القانونية لاندماج الاقتصاد الوطني باقتصاد العولمة

ومن ثم رسمت مسارات السياسة الاقتصادية في محاورها المختلفة على مباديْ تحرير السوق العراقية

وتسهيل اندماجها بأسواق العالم او(عولمة العراق)

وعلى النحو الاتي:

تبنى العراق منذ العام 2003 سياسات انفتاحية واسعة نحو العالم

وسعى الى تأسيس قواعد اقتصادية وتشريعية مهمة تعمل وفق آليات نظام السوق،

اذ ساعد جلها على تحسين تجارة العراق الخارجية،

بعد حصار اقتصادي دام اكثر من عقد ونيف من الزمن

ادى الى تهميش العراق على خريطة النظام الاقتصادي العالمي

وحرمانه من فرص الاستثمار والتقدم والتنمية والمعرفة التكنولوجية

التي كان ينبغي ان تعينه على مواجهة المستجدات والتطورات السريعة

التي حصلت للسوق الدولية وتغير قدراتها التنافسية بشدة خلال العقدين الماضيين.

وهكذا ظل العراق يعاني من ارث انعزاله عن محيطه الدولي

في خضم عالم اجتاحته تيارات اندماج شركاته وتحرير اسواقه وتكاملها ولاسيما المالية منها

وسيادة المذهب الليبرالي الجديد

الذي اقتضى تحولات اقتصادية واسعة في مجال المعلوماتية والخدمات المالية 

تنسجم وأممية النشاط الانتاجي عبر الدور الذي اخذت تؤديه الشركات المتعددة الجنسيات

وازدياد الميزة التنافسية للمنتجات التي بدأت تولدها اسواق العالم .

وفي خضم هذه التبدلات في الفضاء التجاري والمالي الدولي ،

انتقل العراق الى مستويات تنظيمية مهمة في التحول الى اقتصاد السوق

لكسر اثار عزلته الدولية عبر الانخراط في مساحة قوية من الليبرالية الاقتصادية

والتي تركزت في تحرير مجالات تجارة العراق الخارجية من السلع والخدمات وسبل تمويلها ،

على الرغم من تقلب او غموض تنظيمها،

و كذلك مجالات التقدم الحاصل في الخدمات المالية وتحسين بيئة الاستثمار الاجنبي

من خلال تشريع قانوني المصارف والاستثمار وقانون البنك المركزي وتعديل قانون الشركات ،

بما يسمح للمصارف الاجنبية العمل في العراق ويسمح بانتقال رؤوس الاموال والعملة

وعلى نحو يخدم انفتاح العراق على العالم في ظروف اقتصاد ريعي مركزي

صعب المراس في تفهم ليبرالية السوق ،

والتي ادت مع ذلك الى توفير فرص ايجابية واسس قانونية وتنظيمية واعدة لبيئة الاعمال العراقية.

الا ان كل ذلك لا يكفي لوضع العراق على مسار المنافسة الاقتصادية الدولية.

اذ مازال هناك 

اكثر من خمسة آلاف نص من النصوص التشريعية المعرقلة للحرية الاقتصادية ونشاط السوق،

تتولى الاوساط القانونية اليوم دراستها

والتي يقضي الحال تعديلها لكي يتمكن العراق من الاندماج في التجارة والاستثمار الدولي

وتهيئته على سبيل المثال للانضمام الى منظمة التجارة العالمية وفق شروط العضوية فيها

كي تحصل بلادنا على شرط الدولة الاكثر رعاية ومبدأ المعاملة الوطنية وغيرها.

واللافت،

فأن تحرير السوق وتوجهات اندماجها في السوق العالمية 

افضت اعرافاً اقتصادية وتوجهات ليبرالية منفلتة نسبياً،

عملت على تجميد اية تشريعات (حمائية) تراعي التنمية وحقوق المستهلك و المنتج الوطني،

وهي حقوق أممية تمارسها البلدان المختلفة

لضمان تقدم اقتصاداتها من مشكلات الاغراق التجاري وقمع التنمية فيها.

فعلى سبيل المثال

لم تُفعل قوانين (التعرفة الكمركية والتنافسية وحماية المنتج الوطني وحماية المستهلك )

اذ ظلت هذه القوانين على الرغم من تشريعها منذ سنوات مضت، حبر على ورق ،

ذلك لقوة المذهب الليبرالي السائد 

الذي ربط المؤسسة التشريعية وقواعدها الديمقراطية والرقابية بمناخ العولمة السائب

لتجاوز المأزق التاريخي السياسي الذي فرضه الثالوث المستحيل المنوه عنه آنفاً.

2-منحى السياسة الاقتصادية في عقدة(الدولة -المكونات)

ا-السياسة المالية

ثمة اتجاهين في الفكر الليبرالي احاطا السياسة المالية للدولة وصلتها بالسوق في العراق.

الاتجاه الاول:

لم تلتقِ فكرة (الدولة-المكونات) ضمن حل مأزق الثالوث المستحيل

مع الليبرالية الجديدة في موضوع الدولة الصغيرةsmall state assumption

بل على العكس فان دولة المكونات،تحاول الضغط الانفاقي صوب إبراز سعة المكون مالياً

ولاسيما من خلال تعظيم المصروفات الاستهلاكية والموازنة التشغيلية

ويتصرف المكون مالياً وكأنما هو سياق محتمل او بديل( للدولة -الامة).

وعلى الرغم من ذلك فأن هذا الاتجاه في طبيعته المتناقضة ،

قد سهل الخروج من مأزق الثالوث المستحيل

طالما ان الاندماج في السوق العالمية او العولمة

يرى في (الدولة - المكونات) بأنها مجرد (فيدراليات ديمقراطية)

تحرك على إدامة المسارات الكلية للنظام الاقتصادي السياسي العالمي ( الدولة-السوق)

وان تلك الفيدراليات لا يمكن ان تتحول فيما بينها الى بناء الدولة-الامة

في ايجاد شعب موحد و سعيد ووطن يتمتع بالرفاهية والحرية الاقتصادية.

ان المخاطر المالية ،المكرسة انفاقياً صوب الاستهلاك النهائي لا للتنمية وتوجهاتها الانتاجية،

لا تعظم سوى مبدأ خطير في الجغرافية السياسية الدولية 

وهو مايسمى بالإحيائية الإقليمية((Bioregionalism

الذي يعني ذوبان (الدولة -المكونات) بالأقاليم السياسية والأسواق الماثلة لها اثنياً او معتقدياً عبر الحدود،

وهو أمر تبحث عنه العولمة

بتحويل الكيانات الديمقراطية (الدولة-المكونات)

الى ( فيدراليات ديمقراطية) ترتبط بأسواق العولمة

على نحو اقوى من الرابطة الوطنية كما تراها الدولة –الامة !!.

الاتجاه الثاني:

إن سيادة المستهلك والنزعة الى الاستهلاك هما متغيران اساسيان 

يوجهان غايات النظام الاقتصادي ونشاطاته كافة

كما تريده المدرسة الليبرالية في الاقتصاد العراقي.

وان المستهلك هو اشبهه ما بالملك اليوم كما يزعم اصحاب تلك المدرسة.

وان غايات السياسة الاقتصادية جلها امست ذات ميول استهلاكية 

او مغذية للنزعة الاستهلاكية على اقل تقدير.

ولا تلتقي السياسات الليبرالية 

مع السياسات التي تتجه نحو التشغيل المنتج والمباشر لقوة العمل وتعظيم الرفاهية

من خلال كثافة التراكم الرأسمالي المادي والبشري

ومن ثم بلوغ شيء من الامثلية في الانتاج الحقيقي وصولا الى الرفاهية الاستهلاكية.

وبهذا طبعت الموازنة الاتحادية وصممت السياسة المالية الاتحادية لتلبية رغبة (الدولة-المكونات)

التي تفرض قيداً انفاقياً يقتضي تعظيم الجانب التشغيلي او الاستهلاكي في الموازنة

الى اقصى حدود ممكنة وحسب تدفق العوائد الريعية النفطية

ولكن على حساب تعثر مزمن في الموازنة الاستثمارية تفرضه اشكالية دولة المكونات نفسها ،

مستثنين من ذلك

ارتفاع كفاءة الاستثمار في القطاع الريعي النفطي لوحده وبتميز،

الذي هو مصدر إدامة حياة الدولة-المكونات.

أرتفع عدد العاملين في( دولة- المكونات)

من 800 الف موظف حكومي في نهاية 2003

الى قرابة 4 ملايين موظف حكومي في نهاية العام 2014

وهو أمر على الرغم من تعارضه مع المدرسة الليبرالية التي تؤمن بمفهوم الدولة الصغيرة

ولكن في مفهوم (الدولة-المكونات) يوجد ما يسوغه فكراً وعملاً.

فالسياسة المالية اصبحت توجهاتها اشبهه ما بشركة تأمين على الحياة

( لمليوني) متقاعد حكومي او اكثر

ولأربعة ملايين موظف هم في الخدمة حالياً

يتقاضون رواتب يبلغ متوسطها السنوي بنحو يماثل حصة الفرد في الناتج المحلي الاجمالي

البالغة تقديراتها حالياً6600دولار سنوياً؟

اما سوق العمل المنتجة التي باتت خالية من التنظيم والضمان الاجتماعي،

لقوة ليبراليتها المنفلتة وعدم تجانسها تنظيمياً في توصيف قواعد العمل وحقوق العمال ،

فأن عدد العاملين المنتمين اليها والذين يزيد عددهم على اربعة ملايين عامل

هم ضمن حركة النشاط الخاص السائب حالياً

ولا يوجد ضمان اجتماعي فعال إلا (لمائة وخمسين الف) من العاملين منهم فعلاً او ربما اقل.

وهناك عدد مماثل من العمال المتقاعدين ،هم بحوالي 29 الف عامل متقاعد

يتلقى مرتب شهري وفق قانون العمل والضمان الاجتماعي

وبمبالغ شهرية ضئيلة لا تتجاوز 175 دولار للعامل المتقاعد الواحد

زيدت في المدة الاخيرة لتضعه فوق خط الفقر بقليل بنحو 350 دولار.

علما ان العمال المنتظمين وفق قانون العمل والضمان الاجتماعي والمشمولين بصناديق الضمان العمالية

لا يتجاوز عددهم 150 الف عامل من اصل اكثر من اربعة ملايين عامل منتمين الى القطاع الاهلي.

تحاول (الدولة-المكونات) ممارسة وظيفة( الدولة-الامة)

من ناحية السلوك الانفاقي الداخلي وتغيير مسارات السياسة المالية

وتوجيهها حول وظائف المالية العامة التقليدية في مصفوفة وظائف ونشاطات شديدة الانفاق

وتمتلك قوة ليبرالية مشتقة من مأزق الثالوث المستحيل،

الامر الذي جعل الانفاق السيادي- الاستهلاكي للمكونات يسير نحو اقصاه في التبذير والصرف.

فكل( مكون )يحاول التصرف على انه الدولة-الامة المٌعظمة للانفاق التشغيلي إزاء المكون الاخر.

ويعد هذا السلوك التبذيري كارثة جَرت في معطياتها تحريف عائدات النفط

وتخصيصها نحو ظاهرة الاستهلاك الحكومي (الانفاق التشغيلي ) في سلم اولويات المالية العامة

و بما ينسجم وبنية دولة -المكونات والسوق الليبرالية الملتحمتين كلتيهما بالعولمة وأسواقها الخارجية .

فبين العام 2004 والعام 2012 تم صرف ما يقارب النصف تريليون دولار

على الانفاق الحكومي الاستهلاكي

والحصيلة مؤسفة في نتائجها.

كما انعكست التصرفات المالية (للدولة-المكونات)على توجهات السياستين النقدية والتجارية

وهما يتلقيان المتغيرات السالبة التي تدفع يهما القوى الانفاقية المستهلكة للدولة-المكونات

العاملة في اطار ما أصطلح على تسميته (بالمحاصصة السياسية)

وهي نزعة اثنية او مناطقية تفكيكية تبذيرية السلوك ،استهلاكية غير منتجة

وتتصرف من منطق الدولة-الامة وهي تلبس ثوب الدولة- المكونات.

فبالرغم من القدرة التشغيلية للموازنة الاتحادية على الاتساع ،

إلا ان بنائها الاستهلاكي غير المنتج

هو المسار الذي جعل (الدولة-المكونات) ترتبط بالسوق العالمية 

عن طريق قنوات التجارة والتبادل الدولي.

وبناء على ما تقدم،

مازالت المادة (106) من دستور الجمهورية للعام 2005

التي تقضي بتشكيل هيئة عامة لمراقبة تخصيص الواردات الاتحادية

بما يحقق عدالة توزيع المنح والمساعدات والقروض الدولية بموجب استحقاقات الاقاليم والمحافظات

والتحقق من الاستخدام الامثل للموارد المالية الاتحادية وضمان الشفافية والعدالة عند التخصيص،

مازالت معطلة،

وقد استعيض عنها بأستمرارالدعم (المباشر وغير المباشر )

وبنسبة تبلغ 48% من التخصيصات السنوية للموازنة الاتحادية.

في حين ظلت حصيلة ضرائب لا تشكل سوى اقل من 2% من اجمالي سقف الموازنة !!

وهكذا اخذ الفكر الاستهلاكي والنزعة الاستهلاكية في العراق

بناء اولوياتهما على مستوى الدولة والسوق في اطار (الدولة- المكونات)

وبأديولوجيا ليبرالية استهلاكية معادية في سلوكياتها في بناء اسس التنمية،

وهي مولدة في الوقت نفسه لثقافة اقتصادية

لا تأبه بأن يكون المنتج السلعي المستهلك في العراق مصدره اسواق آسيا ام الانضول ،

طالما ظلت اسواق العولمة هي مظلة الانتاج -الاستهلاك المحلي باْقل التكاليف الممكنة.

وهذا هو ما تريده التيارات الليبرالية من إقامة ( الفيدراليات-الديمقراطية المعولمة او الدولة-المكونات)

التي تتطلع الى تكريس ثقافة الاستهلاك من خلال تغيير طراز الحياة وتبديل نمط المعيشة

و على وفق نزعة مجتمعية تبذيرية شديدة الاستهلاك قليلة الانتاج.


ب-السياسة النقدية/الاستقلال غير الناجز

لم تخرج السياسة النقدية حتى عند بلوغ اهدافها

المنصوص عليها في قانون البنك المركزي العراقي 56 لسنة 2004

وإعلان نجاحاتها في تحقيق الاستقرار الاقتصادي 

وخفض معدلات التضخم السنوية الي مرتبة عشرية واحدة

والذي انخفض  الى 3%   حقاً في نهاية العام 2010 ،

بعد ان ظلت معدلات التضخم السنوية مرتفعة وبمرتبتين عشريتين طوال عقدين من الزمن

ولم تقل متوسطاتها السنوية عن 50% .

اقول لم تخرج السياسة النقدية عن اغطية الانموذج الريعي-الليبرالي في بلوغ اهدافها الاستقرارية.

فالخلق العمودي للنقود ،

الناجم عن استبدال عوائد النفط الدولارية بالدينار العراقي المصدر من البنك المركزي،

غدا قوة مفروضة على السلطة النقدية في توسع عرض النقد تلقائياً .

وان الميزانية العمومية للبنك المركزي 

هي ليست اكثر من دالة لإيرادات الموازنة الاتحادية بالعملة الاجنبية .

حيث باتت الموازنة الاتحادية والسياسة المالية بمثابة المتغير المستقل

في تكوين النقد الاساس للبنك المركزي المتغير التابع

وعندها امست استقلالية البنك المركزي وسياسته النقدية

تفضيلا ثانياً second best ومتغيراً داخلياَ

يتبع ريعية الاقتصاد وليبراليته بصورة مزدوجة.

واللافت فان اتباع السياسة النقدية المتشددة بين العام 2005-20080

(والتي آلت الى ارتفاع معدلات فائدة السياسة النقدية الى 20% سنوياً

جعلت من البنك المركزي بمثابة ( ملجاْ المقترض الاخير) من المصارف العراقية نفسها ،

تلك المصارف التي استثمرت فوائضها وتراكماتها المتحولة

من القطاعات الانتاجية الاخرى الى قطاع المضاربة المصرفية،

اي في حاضنة البنك المركزي الآمنة الخالية المخاطر،

وليس ان يكون البنك المركزي (ملجأ المقرض الاخير)

كما هو معروف تقليديا في سياسات البنوك المركزية.

وعند النظر الى فقرة الموجودات المحلية في الميزانية العمومية للبنك المركزي

تجدها تحمل اشارة سالبة 

مما تعني ان نظام العملة (مدرسة العملة )هو النظام الغالب على النظام النقدي العراقي

الذي صار نتاجاً للنظام الريعي- الليبرالي.

وبهذا وعلى وفق النزعة الليبرالية الاستهلاكية

تحولت الرأسمالية الوطنية من مجالات التنمية والاستثمار الزراعي والصناعي والعقار والخدمات

الى رأسمالية مالية ،

تمارس وظائف تمويل الاستيرادات الاستهلاكية للقطاع الخاص والمضاربة بالمال

في التشكيل الجديد للنظام المصرفي الأهلي ذلك من اجل التراكم المالي السريع.

فتجد وخلال المدة 2006-2008

بان ثمة طغيان في توجه الرأسمالية العراقية نحو الاستثمار المالي المصرفي.

فرؤوس اموال المصارف وقيمة اسهمها المدرجة في سوق العراق للأوراق المالية

قد احتلت نسبة 85-90%من اجمالى قيمة اسهم السوق

بعد الاستقطاب المالي الهائل والسريع للرأسمالية العراقية

و الذي ادت الرأسمالية المالية الاهلية دورها في ادارة محافظها الاستثمارية

عبر تراكماتها السريعة في المناخ المالي لأسواق العولمة الاقليمية والدولية.

اما التحسن الذي طرأ على سعر صرف الدينار العراقي وارتفاع قيمته،

فأن النتائج المرجوة منه في مكافحة التضخم

والتي آلت الى تحسن القوة الشرائية للدينار العراقي وقيمته الخارجية ،

فأنها ادت في الوقت نفسه الى تحسين القوة الشرائية لرواتب ومدخولات الموظفين الحكوميين الاسمية،

اي ان القوة الشرائية الدينارية او سعر الصرف الحقيقي

قد زاد هو الاخر من قيمة تلك الرواتب او الدخول الحقيقة معبراً عنه بالدولار،

من دون ان تزداد الانتاجية الوظيفية وهو مايطلق عليه اصطلاحاً ب (أثر بومل - Baumol effect ).

كما ازدادت في الوقت نفسه الاجور الحقيقة للقطاع الخاص وبالأثر نفسه (أثر بومل)

حتى من دون ان تزداد انتاجية العاملين من القوى الاجرية لدى النشاط الاهلي.

وعليه ،فان السياسة النقدية ونجاحاتها لم تستطع إلا ان تساير اقتصاد (الدولة-المكونات )

الذي مارس وظائفه الاقتصادية في اطار نظام محاصصة اقتصادي

معرف يصوره مسبقة بكونه ريعياً-ليبرالياً منفتحاً على اسواق العولمة

وحسب مقتضيات البناء الديمقراطي ( للدولة-السوق)

والذي وٌلدًت من رحمه (الدولة -المكونات كفيدراليات ديمقراطية ) تمتلك ديناميكيات سوق

مسايرة لليبرالية الاستهلاكية المعولمة

بعد ان جرى التخلص من مأزق الثالوث المستحيل الذي اشرنا أليه آنفاً.


2-الخيار البديل : الانموذج الريعي-الماركنتالي الجديد

لم تظهر الآصرة الليبرالية-الريعية بين السوق والدولة في العراق وعلى مدى عقد من الزمن ،

إلا انموذجاً فريداً يقوي الاندماج في السوق الاستهلاكية العالمية او الذوبان بالعولمة الاستهلاكية

وعلى وفق شروط التحول السياسي الديمقراطي،

الذي تطلب الانتقال من الدولة -الامة الى الدولة -المكونات 

او المحاصصة (كما يصطلح عليه عرفاً في بلادنا اليوم).

وان تعظيم الصرف غير المنتج لعوائد الثروة النفطية

والتقاسم النهم بين المكونات

وضياع العوائد الريعية في نظام توزيعي-استهلاكي ،

قد اسس لاقتصاد

لا يقوى على انتاج سوى موارد الثروة النفطية

و يقوي في الوقت نفسه الاستهلاك الذي تغذيه اسواق العولمة ،

تؤازره وفرة نسبية من التراكمات المالية الادخارية

وهي شبه معطلة محلياً

و تتسرب في نهاية المطاف الى معاقل مالية خارجية

ويدفع بها اللايقين والتردد في اتخاذ القرار الاقتصادي الاستثماري المحلي او صناعته .

وبناء على ذلك ،

فقد اصبحت الديمقراطية السياسية -وتعظيم الاستهلاك وفق تدني فرص العمل المنتجة ،

عنواناً لفراغ التنمية وضياع مستقبل البلاد الاقتصادي كقوة منتجة خارج حدود ومحددات الريع النفطي.

إن الديمقراطية السياسية

لا تنفي نظاماً اقتصاديا بديلاً يحل محل الانفلات الليبرالي الاستهلاكي الراهن

ويعظم من آصرة الدولة-السوق الانتاجية،

وان شرط الضرورة الموضوعية في مثل ذلك التحول

يقتضي ما يأتي:

اولاً،

أجراء تحول عقائدي في البناء السياسي للعراق من ( دولة-المكونات )الى ( دولة-المواطنة)

وهو مفهوم اقوى من الدولة - الامة نفسها.

فالمواطنة العراقية هي الاساس الموضوعي في التكوين والانتماء السياسي

 لمستقبل التنمية الديمقراطية في العراق.

ثانياً،

على الرغم من ان الانموذج الاقتصادي الماركنتالي الجديد ( التجاري) 

يعكس تمثيلا قوياً لرأسمالية الدولة،

لكنه يمتلك قوة الشراكة بين الدولة والسوق او خلق الدولة التعاونية

ولاسيما في بلاد مثل العراق تهيمن فيها الدولة على موارد البلاد الطبيعية الرئيسة,

فالتيارات الماركنتالية الجديدة،وعلى خلاف المذهب الليبرالي الاستهلاكي،

تؤكد على اولوية الجانب الانتاجي في العملية الاقتصادية.

فالاقتصاد السليم في نظرهم ، يتطلب وجود بنية انتاجية سليمة 

ترتكز على بنية تشغيل عالية لقوة العمل و بأجور كافية.

فالتجارة وفق المذهب الماركنتالي هي ليست إستيرادات جاهزة تتدفق من اسواق العولمة،

بل انه انتاج شراكة يرفد اسواق العولمة بالمنتج الوطني العراقي،مثلما يرفد السوق المحلية بإنتاجه.

وان التجارب الاقتصادية التي خطها الانموذج الاقتصادي الياباني او الكوري وحتى الصيني

قد وضعت على اسس ماركنتالية حديثة ادت الدولة فيه دورها المشارك والملازم للإنتاج.

وبهذا جسدت التجربة الصناعية الاسيوية دور الدولة الماركنتالية الجديدة

وهي الرأسمالية الاعظم انتاجاً والأوسع ازدهارا.


3- ختاماً،

إن الاقتصاد العراقي في ظروفه الريعية الكارثية الراهنة هو احوج ما يكون الى دور اقتصادي للدولة،

يسهل الشراكة واندماج الدولة مع النشاط الانتاجي الخاص،

وعلى وفق إيديولوجية او منهجية اقتصادية منافية للمنهج الليبرالي الاستهلاكي السائد

الذي يسهم في تفكيك الجغرافية السياسية والاقتصادية للعراق

وهو الانموذج الريعي الليبرالي ونتائجه الكارثية التفكيكية الراهنة،

بل تتطلب ظروف ما بعد الكارثة الحالية عودة متجددة لمفهوم الماركنتالية الاقتصادية

والترويج لايدولوجيا النشاطات الخالقة للسوق ذات النمط المنتج المتمثل بالشركات المساهمة المختلطة

التي تعمل على وفق مباديْ الحوكمة الادارية الجيدة

والانتقال الى النظام الريعي-الماركنتالي(المنتج) كبديل للنظام الريعي-الليبرالي(المستهلك) الحالي

والعمل الى تشيد نظام سياسي ديمقراطي يبتعد عن( الدولة-المكونات) الراهن

ويقترب من مفهوم (الدولة-الامة) ويتخطاها بإحلال ( الدولة-المواطنة العراقية )

من منطلق ان الولاء للعراق.

انتهى