الخميس، 3 سبتمبر، 2015

عرض كتاب أزمات الكساد العالمي

كتاب أزمات الكساد العالمي
عرض كتاب أزمات الكساد العالمي – نظم اقتصادية تهرم..وأعباؤها تعولم

د. عبد الحسين العنبكي:

– نشر في 03/09/2015

المقدمـة 

كما هو ديدنهم دائماً، يختلف الاقتصاديون في التعاريف والمفاهيم والاسباب والنتائج

لاي ظاهرة اقتصادية تطفو على السطح،

الا ان المساحة الاكبر من الظواهر التي تكررت عبر الزمن وحددت اسبابها ونتائجها

صارت ترسل ارسال المسلمات Axioms،

الى ان تتصدع الادوات التي تعالج بها الظاهرة او تبدو ظروفها مختلفة،

او تعجز قوى السوق عن استعادة التوازن التلقائي فيها،

عندها تحصل الازمات الاقتصادية في الواقع وتبرز المعاناة من بطالة وفقر،

ثم تلحقها الازمات الفكرية في المنطق الاقتصادي تحاول تلمس أدوات وآليات جديدة.

وهنا أود التنويه والتذكير

الى ان الازمات الاقتصادية المتكررة والخانقة

 دائما ما كانت ازمات تباطؤ نمو ثم تتطور الى انكماش لتصبح فيما بعد كساداً، 

ولم تحصل أزمات تضخم بمعنى ما تحمله الأزمة من انهيارات، 

رغم ان الاقتصاديين متفقون

على ان عدم الاستقرار في كل الأحوال ناجم عن ظاهرتين ( إما تضخم أو انكماش)

وتحصل حالة الاستقرار بالتخلص من هذه الضغوط تضخمية كانت ام انكماشية،

 او على اقل تقدير حصرها في معدلات طبيعية بحدود مقبولة،

فالتضخم ينخر في الجسد الاقتصادي رويداً رويداً

كما الشيخوخة التي يرسمها الزمن على خلايا الكائنات الحية،

فتتآكل قواهم وقدراتهم الشرائية وتتغير مع الزمن أقيام السلع والخدمات، الا انها عادة ما

تتبعها تكيفات في الدخول قد تكون لاحقة مباشرة او بعد فترة تباطؤ Time Lag

تترك اثرها على شكل كلف اجتماعية تكبر او تصغر اعتماداً على حجم التضخم وسرعة تكيف الدخول،

 الا انها في معظم الاحوال، لاتحدث أزمة بصيغة الصدمة أو الانهيارات للأسواق المالية،

لان التضخم عادة ما يكون عامل تشجيع للمنتجين يدفع بالاقتصاد الى مستوى الاستخدام الشامل،

فيدخل الجمهور في نفق السباق

بين كسب الدخول نتيجة رواج الاسواق وسرعة فقدانها لاشباع مستلزمات العيش الباهظ،

وهذا السباق قد يرهق العاملين ويقلل من فترات الراحة والاستجمام لديهم،

الا انه في ذات الوقت أخف وطأةً مما تتركه البطالة. 

ولذلك صارت هنالك متلازمة معروفة ومتكررة، 

فكما حصلت أزمة اقتصادية فان الذهن سرعان ما ينصرف على إنها أزمة كساد،

 وهي الاخرى قد تبدأ متدرجة وتتسلل الى المؤسسات الاقتصادية وقد تطلق صفارات إنذار احيانا،

 إلا إن أزمة الكساد لها رأس جامح تلحقه انهيارات متسارعة،

كما ان لها قاعاً يمثل أعمق نقطة تتوقف عندها التداعيات ليبدأ بعدها الاقتصاد يستعيد نشاطه،

وهي يصعب التكهن بعمقها 

لأنها تبقى عرضة لكثير من العوامل 

منها ما يرتبط بسـرعة التدخل الحكومي

ومنها بمدى التوقعات المتشائمة والمتفائلة

ومنها مرتبط بمدى ثقة الجمهور بالحكومة ومن ثم مستوى الهلع الذي يصيب الجمهور

ومنها مدى شجاعة خطط الانقاذ

ومنها مدى مضبوطية الرقابة المصرفية والقدرة على ادارة المخاطر

ومنها مدى التزام شركات التأمين بالسداد،

ومنها امور كثيرة اخرى،

ولذلك انصـرفت معظم ادارة الطلب في الاقتصادات الرأسمالية

للتركيز على قدرة احلال الطلب الحكومي محل الطلب الخاص المتقهقر في فترات الازمات،

وتبدو المشكلة في كل ازمة كساد على إنها أزمة طلب بامتياز

وان قوى العرض لا حول لها إلا انتظار البضائع المتكدسة التي لا يمكن تسويقها

فتتعرض الطاقات الإنتاجية للبطالة ليس نتيجة اسباب فنية وعملياتية تتعلق بالانتاج

وانما المشكلة في عدم وجود طلب يكفي لتصفية الاسواق.

في الكساد يشعر الجمهور انه فقد وظيفته او مهدد بفقدها في اي وقت،

وبالتبعية قد يفقد اسباب عيشه و عيش أسرته وهذا ما يجعلة مأزوماً ويتصرف بهلع،

ناهيك عن ان عناصر الانتاج التي قد يملكها هي الاخرى

تفقد قدرتها على خلق الدخل نتيجة تعطيل الماكنة الانتاجية 

وبالتبعية تفقد الاصول المالية المعبرة عنها (اسهم وسندات) هي الاخرى الكثير من قيمتها،

كل ذلك لصالح السيولة (النقود) القادرة على قياس وابراء كل المعاملات في كل الأوقات

فيكون تفضيل السيولة على أشدهِ،

وهذا يعني

ان في فترات التضخم تصبح الأصول المنتجة ملاذاً آمنا لتحاشي تآكل الثروة

وفي الكساد تصبح النقود ملاذاً امناً لتحاشي خسارة الثروة،

وبذلك يكون وضع التضخم خلاقاً للفرص المنتجة وخلاقاً للابداع والتقدم،

فيما يكون وضع الكساد خالقاً للانكماش والانطواء والتخوف

وفقدان روح المبادرة وتفضيل اكتناز السيولة.

لقد وعت بلدان الاقتصاد المتقدمة لهذه المفارقة 

وصارت تعد سياسات ادارة الطلب بالشكل الذي يخفف من كاهل الكساد والبطالة،

وبقيت السياسات النقدية في الكثير من البلدان المتخلفة 

ومنها العراق – للأسف - أسيرة تسخير سياستها النقدية لمعالجة التضخم

دون الالتفات بشكل جدي الى البطالة والانكماش،

وبذلك صارت البنوك المركزية فيها 

تفــتخر إنها بنوك استقرار حسب،

وليس من شأنها ان تكون بنوك تنمية،

وربطت الامر بموضوع استقلاليتها عن الحكومة لتحمي فشلها التنموي بجلباب ذات طابع سياسي،

في حين اجتهدت البلدان المتقدمة

في تفعيل ادوات ناجعة في مجال دعم التنمية من خلال سياسات نقدية تدخلية واخرى تمويلية مستدامة،

سواء بوجود أزمات الكساد او بعدمها،

وصارت البنوك مركزية تبتكر وسائل تعنى بالتنمية لتكون الذراع الثانية مقابل ذراع الاستقرار،

وأمام عجز هذه الأدوات كلها عن الحيلولة دون حصول الأزمات

المدفوعة برحم الرأسمالية الولود

وجموح المؤسسات المالية في تضخيم الفقاعة النقدية بمعدلات مضاعفة عما هو عليه الاقتصاد الحقيقي

والسعي المفرط لتوليد النقود بالنقود،

سعت هذه البلدان الى السعي الحثيث لتوزيع أعباء أنظمتها الاقتصادية

الهرمة وغير المرنة والمثقلة بالسياسات الاقتصادية

التي تكون على حساب شروط السوق الحرة الافتراضية التي بنيت عليها النظريات الاقتصادية،

وجدت نفسها أمام احتياج حقيقي للوقت والجهد والفكر الجديد لكي تتكيف على مساحة اوسع من العالم،

فكانت العولمة والدولرة 

وسائل ناجعة ليس في معالجة الأزمات المتعاقبة،

ولكنها ناجعة في توزيع أعبائها على شعوب المعمورة

من اجل الحفاظ على مستوى مستدام من الرفاهية لشعوب البلدان الرأسمالية الخالقة للازمات.

أمام هذه التحديات والازمات العاصفة تظهر محاولات فكرية اقتصادية هنا وهناك،

 قد تكون متقنة نظرياً الا انها تحتاج الى اختبار في الميدان الاقتصادي،

وقد ينتظر الاقتصاديون حقباً زمنية اخرى لتجريبها.

الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ الكريم

محاولة جادة لتقصي ازمات الكساد العالمي،

فضلاً عن كونه محاولة جادة

للتفكير خارج المألوف مرة من داخل النظام الرأسمالي

والتفكير باعادة النظر بنظرية التوزيع

واعادة توصيف عناصر الانتاج و توزيع عوائدها بشكل أكثر عدالة وإنصاف

عسى ان تكون واقية من أزمات محتملة قادمة،

ومرة أخرى التفكير خارج اطار الطروحات الرأسمالية

والبحث في البديل الممكن (الاقتصاد الاسلامي)

ومدى امكانية تطبيق ادواته في الغرب غير المسلم

بعد أكثر من 1425 سنة على الاسلام ولم يفلح المسلمون من وضعه حيز التنفيذ في بلدانهم.

الخاتمة 

عندما تعيد البنوك المركزية في أوربا شراء السندات الحكومية

فأن ذلك يعني مزيداً من (التنقيد) وضخ الأموال في الأسواق لأغراض الإنقاذ

وعندما يتواصل الدين العام الأمريكي تقدمه وقد يبتلع كامل GDP الأمريكي

فذلك يعني انها على حافة الافلاس ،

وانها تعاني من مشاكل هيكلية يفترض ان تسعى لتوجيه الإنفاق الحكومي لمعالجتها

ولكنها لا تريد ان تتراجع هيبتها أمام العالم فتبقى تكابر وتأخذها العزة بالإثم لتديم إنفاقها العسكري،

وعندما ترتكب منطقة اليورو أخطاء متوالية في الاعتماد على المشتقات المالية

وتستدرج نحو حلاوة الكسب السـريع من خلال المضاربات دون تطوير الاقتصاد الحقيقي

فأن هنالك مشكلة تنذر بخطر كبير،

وعندما يمارس الساسة حلولاً وهمية تتماشى مع مصالحهم الانتخابية ، 

وعندما تتوسع أسواق المال والبنوك في الائتمان دون ضمانات كافية

او اعتماد نفس الأصول لضمانات متعددة،

فان ذلك يعني ان النخب السياسية منشغلة عن الملفات الاقتصادية الأصعب

ولا تمتلك رؤيا واضحة للحل،

وعندما يتوسعون في فرض الضرائب لتمويل موازنات عامة كبيرة

ولا يعاد إنفاقها في مجالات منتجة وموسعة للتشغيل والقيم المضافة والدخول

فان هنالك سوء استخدام لأدوات السياسة الاقتصادية ،

وأمام هذه الصورة القاتمة 

نعتقد بضـرورة وضع إستراتيجية عالمية شاملة للتصدي للأزمات،

وان على مجموعة العشرين التوجه نحو البديل الجديد والناجع لـ (برتن وودز)،

وان على العالم ان يفكر بالعودة إلى سلة العملات للتخفيف من خطر تفرد الدولار (الدولرة)

ويمكن اعتماد مؤشر للعملات العالمية

(اليورو ، دينار عربي حقيقي وليس محاسبياً مدعوماً بالنفط، ين ياباني ، وغيرها فضلاً عن الدولار)،

كما ان مشروع مارشال هو الآخر

يفترض ان يكون مشـروع بناء وليس مشروع تخريب في الشرق الأوسط وخاصة بلدان الربيع العربي،

كما لابد من إعادة رسم خارطة الأوزان الاقتصادية للبلدان

وخاصة الاقتصادات الصاعدة كالصين وماليزيا والمكسيك وتركيا وإيران ،

وأخيراً

لا بد من أعادة النظر بتوصيف سلوك المتغيرات الاقتصادية

ودور كل من النظرية الاقتصادية والسياسات الكلية

و إجراء تقييم علمي وموضوعي للعولمة والتكتلات والمنظمات الدولية ،

والسعي لعالم أكثر تكافلاً،

فضلاً عن الاستفادة من أدوات الاقتصاد الإسلامي ومحاولة وضعها حيز التطبيق ،

اما الاقتصاد العراقي 

فانه سيبقى متلقى سهلاً لازمات الكساد في الأمد المنظور ،

طالما بقي اقتصادا ريعيا هشا يعتمد هبة السماء (النفط)

ويعتاش على ما ينتجه الغير،

واستثماراته معطلة

وقطاعه الخاص مكبل بالتشريعات الجائرة والبيئة الخطرة

ولا زال يخسر السنوات والعقود من التنمية الضائعة.

http://iraqieconomists.net/ar/2015/09/03//