الجمعة، 11 سبتمبر، 2015

أكبر احتياطيات نفطية في العالم مصحوبة بفشل اقتصادي

أكبر احتياطيات نفطية في العالم مصحوبة بفشل اقتصادي

أ.د. محمد إبراهيم السقا

فنزويلا أحد عمالقة مصادر الطاقة في العالم،

فلديها أكبر احتياطي مؤكد من النفط يقدر بنحو 298 مليار برميل،

ومع ذلك فهي لا تنتج أكثر من 2.5 مليون برميل يوميا،

وبينما تحتل السعودية المركز الثاني خلفها في حجم الاحتياطيات المؤكدة،

إلا أن الأخيرة تنتج نحو أربعة أضعاف ما تنتجه فنزويلا،

وبذلك تتمتع بثقل كبير في السوق العالمي للنفط الخام.

فنزويلا أيضا لديها كميات كبيرة من الغاز، حيث تحتل المركز الثامن عالميا في احتياطيات الغاز،

ورغم هذه الإمكانات الهائلة نجد أن فنزويلا تواجه حالة الفشل الاقتصادي.

صحيح أن الموارد النفطية في العالم لا يتم استغلالها على النحو المناسب في معظم الدول المنتجة،

إلا أن الوضع في فنزويلا يعد استثنائيا.

 فقد كان من المفترض في دولة تقبع فوق أكبر احتياطي للنفط في العالم،

أن نرى فيها آثار الثروة النفطية واضحة للعيان كما نراها في دول الخليج،

حيث متوسط الدخل المرتفع ومستويات الرفاهية المرتفعة والبنية التحتية الجيدة

التي هي جميعا حصيلة الإيرادات النفطية الكبيرة والعدد القليل نسبيا من السكان.

لكننا لا نرى أيا من هذه المظاهر في فنزويلا.

على العكس ما نراه هو سكان تسوء مستويات معيشتهم يوما بعد آخر،

وترتفع مستويات الفقر فيهم على نحو واضح،

بالشكل الذي يعكس أسوأ حالة استغلال للموارد النفطية في العالم.

نفط فنزويلا وإنتاجه وإيراداته هي بالفعل ضحية حكامها الاشتراكيين الثوريين،

حيث غالبا ما يصبح المجد الشخصي هو الهدف، ولتذهب موارد الاقتصاد وكفاءته إلى الجحيم. 

فقد استخدم شافيز إيرادات النفط لخدمة حركته اليسارية التي أعلنت معارضتها الصريحة للولايات

المتحدة وسياساتها، وقد أدى كرم شافيز المبالغ فيه في الاهتمام بالفقراء إلى زيادة شعبيته،

خصوصا

أن الدولة في عهده لم تتعرض لمشكلات اقتصادية حادة على النحو الذي يزعزع ثقة الناس به،

 لذلك ظل محبوب الجماهير والمدافع الأول عن الفقراء،

على الرغم من أن هؤلاء الفقراء لم يدركوا أن الرجل كان يهدر مستقبلهم ومواردهم بسياساته الخرقاء.

أعتقد أن شافيز كان محبوبا لأنه كان محظوظا،

فعندما انتخب في نهاية التسعينيات كانت أسعار النفط تستعد لدخول حقبة جديدة من النفط المرتفع الثمن،

وبمساعدة الإيرادات النفطية تمكن شافيز من تعزيز نفوذه السياسي

بدلا من أن يحاول أن يرسي أسس اقتصاد كفء وفعال وتنافسي 

يقوم على توجيه الإيرادات النفطية نحو تعزيز قدرة الاقتصاد على تنويع مصادر دخله

وذلك للحد من الاعتماد المفرط للناس على الحكومة.

فقد اتبع شافيز سياسات اشتراكية تهدف إلى تحسين مستوى معيشة الفقراء،

كما لجأ إلى سياسات التأميم لتسهيلات الإنتاج للكثير من السلع

لتحقيق أهداف الحكومة في الحصول على دعم الناس وحبهم.

غير أن تجربة العالم

تثبت أن المشروع العام الذي لا يسير على أسس اقتصادية سرعان ما تتدهور كفاءته

وتتحول مثل هذه التسهيلات الإنتاجية إلى عبء كبير على الدولة

بدلا من أن تكون مصدرا لتخفيف الضغوط في الأسواق.

الروشتة التي غالبا ما تستعمل من جانب القادة أمثال شافيز

هي الدعم الكبير وتثبيت معدلات الصرف،

أو فرض أكثر من معدل للصرف للسيطرة على تقلبات العملة في السوق الرسمية.

في 2003

فرضت فنزويلا قيودا على معدلات الصرف الأجنبي،

بهدف الحد من خروج رؤوس الأموال للخارج، وللسيطرة على أسعار السلع الأساسية مثل الغذاء.

غير أن الوضع اختلف مع خليفة شافيز نيكولاس مادورو،

حيث يميل الاقتصاد الآن إلى أن يفلت خارج نطاق السيطرة،

فمع تراجع صادرات النفط وأسعاره

ارتفع العجز المالي لفنزويلا حتى بلغ نحو 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

من ناحية أخرى استمر إنفاق حكومة فنزويلا يفوق إيراداتها العامة،

لذلك ترتفع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي.

عندما انخفضت العائدات النفطية وجدت فنزويلا نفسها بين خيارين أحلاهما مر، 

الأول هو طباعة النقود، وتحمل معدل مرتفع للتضخم،

والثاني وهو الاقتراض من الخارج وتحمل دين سيادي مرتفع،

وقد سلكت فنزويلا السبيلين، وهي اليوم تجني ثمارهما الخبيثة، 

فالتضخم في أعلى مستوياته عالميا،

ومخاطر التوقف عن خدمة الدين أصبحت مرتفعة للغاية في الوقت الحالي.

حيث أدت السياسات الاشتراكية إلى حدوث اختناقات في العرض

ومن ثم المزيد من التضخم وضعف العملة وهدر موارد الدولة من النفط.

اختناقات العرض

تعني أن الحصول على السلع التي يحتاج إليها الناس يمثل مشكلة كبيرة بالنسبة لهم

حيث يقضون وقتا طويلا في الطوابير،

أو في البحث عن منافذ تبيع احتياجاتهم (من السلع) بالأسعار الرسمية بدلا من السوق السوداء

حيث الأسعار مضاعفة (والدخل ثابت ومحدود).

أكثر من ذلك

فإن قائمة السلع التي تواجه الأسواق فيها نقصا شديدا طويلة جدا

مثل السكر، الدقيق، الدواجن، زيت الطعام،

وحتى أوراق التواليت، وقطع غيار السيارات والآلات، والأدوية... إلخ.

 في ضوء هذه الظروف

فإن الناس تقف طوابير أمام المحال للحصول على أكبر قدر من السلع لتخزينها

تجنبا للتعرض لخسائر نتيجة الارتفاع السريع في الأسعار،

لذلك تخلو المحال من البضائع مقارنة بالطوابير الطويلة للحصول على السلع.

ردة الفعل على مثل هذه التشوهات كانت أسوأ من تبعاتها، 

فقد أصدر الرئيس عدة قوانين للسيطرة على الأسواق ولتوجيه الاقتصاد،

منها على سبيل المثال

وضع حد أقصى على الأرباح، وتحديد أسعار السلع الاستهلاكية،

بالطبع هذه الإجراءات قد تحدث تأثيرا قصير الأجل، غير أنها دائما ما تفشل في الأجل الطويل.

ذلك أن الأثر المباشر لمثل هذه الإجراءات هو المزيد من الاختناقات في الأسواق،

وبالتالي المزيد من التضخم.

من الطبيعي 

أن نجد الحكومة الفنزويلية تعلق فشلها على ما يسمى بالحرب الاقتصادية على فنزويلا

التي تقودها المخابرات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" بالاتفاق مع عملائها في الداخل،

وغيرها من الادعاءات التي تنفي تهم الفشل عن الحكومة.

 لكن ما تغفل عنه الحكومات هي أن هذا كله هو نتاج سياساتها.

على سبيل المثال

تتبع فنزويلا نظام معدل الصرف ثلاثي الأبعاد،

يعمل جنبا إلى جنب مع سوق سوداء نشطة للعملات الأجنبية.

ويفرض النظام الرسمي معدلات صرف منخفضة لعمليات استيراد السلع الضرورية،

وبالطبع هذا السعر المنخفض للعملات الأجنبية هدفه الأساسي

هو توفير الواردات من الغذاء والسلع الأساسية بأسعار منخفضة بالعملة المحلية للمستهلكين.

غير أن الفارق الكبير بين السعر الرسمي للعملة وسعر السوق السوداء

يمثل فرصة للفساد والتحكم من جانب المستوردين

وذلك من خلال لجوئهم إلى المغالاة في قيمة احتياجاتهم من النقد الأجنبي

والحصول عليها من الموارد الرسمية لدى البنك المركزي،

وعدم الاستيراد، ثم التصرف فيها في السوق السوداء.

مشكلة السوق السوداء 

أنها تؤدي إلى التشوه الاقتصادي وتخلق اقتصادا مزدوجا،

حيث يتمتع من يحصلون على إيرادات بالعملة الأجنبية بمركز أفضل،

نظرا للفارق الهائل بين الأسعار الرسمية والأسعار في السوق السوداء للعملة.

كما أن السوق السوداء توجد اختناقات في الأسواق وترفع الأسعار،

وبالتالي فإنه على الرغم من قيام الدولة بزيادة الأجور،

إلا أن ذلك لا يؤدي إلى تحسين مستويات المعيشة مع تزايد الأسعار.

المشكلة أيضا أنه في ظل السياسات الحكومية الحالية

فإن أي عمليات للتحرير الاقتصادي ومعالجة آثار السياسات الحالية،

ستكون بمثابة كارثة سياسية للتيار اليساري الحالي،

لأنها بلا شك ستدفع بالناس إلى الشوارع

محتجين على تدهور أوضاعهم نتيجة سياسات الإصلاح القاسية.

الخلاصة

هي أنه قد تلعب السياسات الاشتراكية في دغدغة الناس لبعض الوقت،

ولكنها لا يمكن أن تستمر في ذلك لكل الوقت، وهذا ما يحدث في فنزويلا حاليا.

http://www.aleqt.com/2015/09/11/article_990211.html