السبت، 29 أغسطس، 2015

البنك المركزي العراقي : ميزانيته هيكلها يزداد اختلالا

البنك المركزي العراقي احتياطي كان ينمو .. ميزانيته هيكلها يزداد اختلالا
.د. عبدالحسين العنبكي *:
Abdul Hussain Al-Anbaki-CBI 
– نشر في 26/08/2015

في إطار القراءة المتفحصة والتقييم الاقتصادي لتقرير القوائم المالية للبنك المركزي العراقي لعام 2012
المعد من قبل شركة (ارنست يونغ) – حيث لم يصدر التقرير الأحدث بعد –
يتبين لنا بوضوح ان احتياطي البنك المركزي من النقد الأجنبي كان ينمو بشكل كبير
في سنوات الرخاء المالي والتخلف الخدمي الماضية ،
الا ان ميزانيته العمومية تعاني من اختلال هيكلي كبير هي الأخرى ،
 الأمر الذي يشخص وجود خلل واضح في إدارة الاحتياطي وسبل استثماره وأولويات الاستثمار وكيفيتها
في بلد يحتاج الى مساهمة منظومة السياسات الاقتصادية الكلية جميعها وبحرفية عالية
لتمويل احتياجاته التنموية وتنويع الاقتصاد
وتقليل التسرب للنقد الأجنبي من دورة الدخل ،
ولذلك كان عقد من التنمية الضائعة  التحق بعقود سابقة ، ويمكن تناول المحاور الآتية :
أولا: اختلال هيكل الميزانية ..اقتصادي وليس محاسبي :
لا توجد مشكلة في الميزانية العمومية للبنك المركزي من حيث هيكل تنظيمها الشكلي (التبويب المحاسبي)،
ولكن المشكلة
تكمن في تشوه الأهمية النسبية لكل نوع من أنواع الموجودات (حقوقه على الغير)  
وكذلك تشوه الأهمية النسبية لكل نوع من أنواع المطلوبات (حقوق الغير عليه ) ،
الأمر الذي يظهر وجود اختلال وتشوه اقتصادي واضح ،
بمعنى أنها لا تتماشى مع المنطق الاقتصادي
وخاصة في بلد يعاني من فجوة تنموية تحتاج الى توسع مالي مدعوم بتوسع نقدي لردمها من خلال الاستثمار ،
 ومهمة الاختيار النسبي لأنواع الموجودات والمطلوبات هو من صلب اختصاص إدارة السياسة النقدية في البلد ،
واختلال الميزانية  يؤشر اختلال السياسة النقدية بالتبعية.
1.    اختلال هيكل الموجودات:
·         يظهر الشكل ادناه بوضوح تشوه هيكل الموجودات
حيث نلاحظ هيمنة الاستثمارات المحتفظ بها حتى تاريخ الاستحقاق
لتصل الى اكثر من 60% من موجودات البنك المركزي سنة 2012
وهي تمثل استثمارات البنك بالسندات الحكومية الاجنبية
وقد يكون الاحتفاظ بها حتى تاريخ الاستحقاق كونها سقطت في (مصيدة انتظار التسديد)
التي تحصل عندما تتراجع اسعار السندات الحكومية الى ادنى من سعر الشراء وقت الاصدار
فيترتب على بيعها خسارة
– نتيجة تأثرها بارتدادات الانكماش الحاصل في الاقتصادات الغربية جراء الازمة المالية –
لذلك يضطر حاملها الاحتفاظ بها لحين استحقاق السداد
ويبقى يجنى الفوائد المترتبة عليها ،
وهو مؤشر على
سوء الاستثمار
وضعف المرونة في التحول الى أصول أخرى
او القيام بالتنقيد (تسييلها ).
    
·         الأمر المهم الأخر إنها تمثل بحدود 60 ترليون دينار من بين ( 80 ترليون دينار )
           تكون متعرضة لمخاطر الائتمان ، كما يظهر من التقرير،
    وهذا يعني ان النسبة الاكبر من الاموال المستثمرة متعرضة للمخاطر.
·         حسنا فعل البنك المركزي في موضوع إدارة المخاطر بشكل متحفظ 
          عندما اعتبر الطرف المؤهل لإصدار الأوراق المالية التي يشتريها ، 
          يجب ان لا يقل تصنيفها الائتماني عن (AA-) ،
  ولكن نتساءل في ذات الوقت ،
 ما الذي يجعل البنك المركزي يستثمر (41 ترليون دينار ) من مجموع (73 ترليون دينار )
في السندات الحكومية الأمريكية
التي حلت أولا في استثمارات البنك – كما يظهر في التقرير –
 رغم ان تصنيفها الائتماني انخفض من (AAA ) الى ( AA+ )
 وصارت تأتي بعد انكلترا وهولندا بسبب الازمة المالية
وتفاقم الدين العام الامريكي الى الحدود التي يكاد يبتلع ناتجها المحلي الإجمالي .
التصنيف الائتماني

مخاطر البنك ومخاطر الدولة

·         حصل اضمحلال في الممتلكات والمعدات والموجودات الاخرى في جانب الموجودات ،
 فيما هنالك نسب متواضعة تمثل الأرصدة لدى البنوك المركزية بحدود (17%)
وكذلك لدى البنوك الأخرى (تجارية او تنموية ) اقل من (16%)
والتي يمكن ان نستخدمها في تمويل التنمية في العراق ،
وهي تمثل وجه متواضع من مساهمة البنك المركزي في دعم التنمية
بافتراض إنها مودعة لدى مصارف عراقية ،
أما إذا مودعة لدى مصارف أجنبية فهي تدعم التنمية في تلك البلدان الأخرى حتما وتحجبها عن العراق.
تشوه هيكل الموجودات في الميزانية العمومية للبنك المركزي (الأهمية النسبية لكل موجود)
تشوه هيكل الموجودات في الميزانية العمومية للبنك المركزي (الأهمية النسبية لكل موجود)

1.    اختلال هيكل المطلوبات:
·         يظهر هيكل المطلوبات في الشكل أدناه صورة مشوهة
مفادها ان البنك المركزي ينأى بنفسه عن دعم التنمية في العراق
حيث العملة المصدرة للتداول اكثر من (43%)عام 2012
و ودائع البنوك المحلية الخاصة والحكومية لديه اكثر من (42%) ،
اي ان كلاهما يهيمنان على اكثر من (85%) من المطلوبات
 وفقط (15%) لكل الأوجه الأخرى.
·         الاستثمار الليلي كان ليوم او ايام
وبعد حوارات طويلة عن اثره السلبي لم يلغه البنك المركزي وانما مدد امده الى شهر ،
ولذلك لازال يمثل ملاذ آمن للمصارف التجارية والمتخصصة الأهلية والحكومية
لجني فوائد دون عناء ودون الحاجة الى ممارسة إدارة مخاطر ،
الأمر الذي جعل ودائع البنوك لدى البنك المركزي تهيمن على  أكثر من (42%) من مطلوبات البنك المركزي ،
 وبالتبعة ستكون طبيعة العلاقة لحركة الأموال محصورة في إطار دائري مغلق بين تلك البنوك  والبنك المركزي
دون الحاجة الى ممارسة الائتمان لتمويل التنمية في بلد متعطش للتنمية ،
حصل بعض التحسن في الفترات الاخيرة نتيجة تخفيض الفائدة المدفوعة مقابل الودائع الليلية ،
مما يعني تراجع التمسك بها من قبل البنوك.
·         المؤسسات الحكومية هي الأخرى تحتفظ بأرصدة أكثر من (8.3%) الى إجمالي المطلوبات ،
وصندوق النقد الدولي له مستحقات (4.7%)
 فيما كانت السندات التي تصدرها الخزينة العراقية
ويحتفظ بها البنك المركزي اقل من (1%) من إجمالي المطلوبات
 في بلد أحوج ما يكون الى التمويل
 وخاصة عندما تكون هنالك مشاريع ملحة للحكومة وتحتاج لتمويل ميسر
مثل مشاريع الكهرباء ، ومشاريع بنى تحتية مهمة اخرى
قد تتوقف هذه السنة نتيجة العجز الكبير في الموازنة العامة للدولة
 جراء تراجع تصدير النفط وتراجع اسعاره معا ،
وتعاظم الانفاق العسكري جراء الحرب مع (داعش) ،
كما ان الخزينة تحتاج الى تسويات مالية قصيرة الأجل لمواجهة حالات التذبذب في الإيرادات النفطية
التي تكون تابعة لمتغيرات خارجية كبيرة
لم يكن للبنك المركزي دور فاعل في التخفيف من اثارها.
تشوه هيكل المطلوبات في الميزانية العمومية للبنك المركزي(الأهمية النسبية لكل مطلوب)
تشوه هيكل المطلوبات في الميزانية العمومية للبنك المركزي(الأهمية النسبية لكل مطلوب)

ثانيا: المعايير الاقتصادية ليست حاضرة :
    المشكلة إذن في معرفة تفاصيل الموجودات والمطلوبات وبنائها، وكيفية استغلال واستثمار الأموال،
سواء حقوق البنك المركزي على الغير ( الموجودات )
أو حجم الأموال المودعة لدى البنك المركزي من مختلف الجهات الحكومة أو المصارف وتمثل حقوق الغير عليه (المطلوبات )
زائدا العملة في التداول ،
كما ان ذلك يعتمد على سرعة التداول وحركة الأموال المودعة لدى البنك المركزي ،
وعلاقتها بموجودات البنك المركزي  في حسابات البنوك المركزية الأجنبية، جارية أو وديعة لفترة زمنية،
 أو استثمارات في سندات الحكومات الأخرى المضمونة من الدرجة الأولى، أو في صندوق النقد الدولي، أو حسابات جارية لدى المصارف ،
هذه الاختيارات لم تجري وفق معايير اقتصادية مدروسة كما تبين .
ثالثا : مسؤولية مشتركة بين الحكومة والبنك المركزي :
    إن حجم إيداعات المبالغ الحكومية والمصارف البالغ حوالي 35 تريليون دينار،
   (بعد تنزيل الاحتياطي النقدي القانوني)،
مع وجود حسابات جارية حكومية حوالي 7 تريليون دينار،
يدلل على عدم الاستغلال الأمثل لهذه الموارد ،
وهنا يؤشر تقصير حكومي واضح في استغلال الاموال ،
اي ان الطاقة الاستيعابية للاستثمار متدنية جدا ،
واذا علمنا ان الاخيرة هي محصلة للضعف الاداري والمعرفي والتكنولوجي وسوء بيئة الاعمال
 وتعقيد الاجراءات الادارية والتشريعية واللوجستية والامنية للاستثمار بما في ذلك الاستثمار الحكومي ،
يجعل قدرة الاقتصاد على امتصاص راس المال المستثمر في فرص انتاجية مربحة امرا صعبا ،
وهنا تكون مسؤولية البنك المركزي في اتاحة اليسر المالي في الزمان والمكان
ولا يبقى اسير الاستقلالية المفرطة التي تعزله عن هموم الاقتصاد العراقي
ومسؤولية الحكومة في تسهيل حقن وامتصاص الاستثمارات وتعظيم ربحيتها.
 رابعا : احتياطي النقد الأجنبي يتعاظم .. والاقتصاد نائم :
لا يوجد استغلال لأموال البنك المركزي المتعلقة بالاحتياطي السيادي لتغطية العملة العراقية المصدرة.
فحسب التصريحات الأخيرة في الربع الثاني من 2013 ،
وصل الاحتياطي الى  88 مليار دولار لتغطية العملة المصدرة للتداول البالغة حوالي 36 تريليون دينار،
أي ما نحتاجه لتغطية العملة تغطية كاملة 100%
– وهي ليست ضرورية فالتغطية غالبا ما تكون جزئية في الاقتصادات الاخرى ومقبولة في الادبيات الاقتصادية –  
ومن نوع واحد من الأغطية (النقد الأجنبي)  بحدود 31 مليار دولار فقط ،
بمعنى ان لدينا تغطية للعملة المحلية بحدود مرتين ونصف ،
ولا ادري لماذا كل هذا التحفظ من البنك المركزي ،
اذا كان يقصد مواجهة التضخم ،
فان التضخم لا يعالج بمتغير واحد (الغطاء ) والاقتصاد نائم وتأثير الجانب  الحقيقي ( الانتاج ، التشغيل ،الدخول ، التدفق السلعي ) معطلة ،
 مما ذكر يمكن القول
 اننا من الممكن استغلال جزء من هذه الأموال الفائضة، البالغة 57 مليار دولار،
من خلال المصارف المتخصصة (التنموية ) بعد إجراء إعادة هيكلتها، أو من خلال مصرف تنموي جديد،
 لاستثمارها داخل العراق في عملية التنمية الاقتصادية
بشرط الرقابة والمتابعة والحساب على كل البرامج التنموية التي تقوم هذه المصارف بتمويلها.
   خامسا: الخلاصة: 
·         يعد التقرير وثيقة مهمة ورصينة يمكن الاعتماد عليها في الاستدلال على المشاكل التي تواجه السياسة النقدية ،
ويؤكد التقرير على ضرورة مراعاة الالتزام بالقواعد المحاسبية ونعتقد انها متبعة بشكل جيد في البنك المركزي.
·         المشكلة تكمن في القراءة الاقتصادية المتفحصة للأرقام
 وهل يمارس البنك المركزي الاختيار الأمثل للأولويات وتحقيق تعظيم  للمكاسب الاقتصادية الكلية للعراق ،
وليس تعظيم لعوائد البنك المركزي لأنه ليس جزيرة منعزلة عن الاقتصاد العراقي وعليه مسؤولية دعم التنمية فيه ،
واليوم نحن نتلقى إشارات ايجابية تتعلق بغير الرؤيا باتجاه دعم التنمية لدى إدارة البنك المركزي الجديدة.
·         نرى ضرورة تشكيل لجنة من مختصين
لدراسة النقاط المثارة في هذا التقرير
وتقييم إدارة احتياطي البنك المركزي بالشكل الذي يحقق الانسجام للسياسة النقدية مع منظومة السياسات الاقتصادية الكلية الأخرى ،
وان يكون للسياسة النقدية دور فاعل في تجاوز الأزمة المالية التي يمر بها البلد في ظل اقتصاد حرب ،
وحرب شرسة تسعى للنيل من وحدة العراق وسيادته وكرامة شعبه .
·         نرى ضرورة اعادة النظر بالسياسة النقدية برمتها وخاصة فيما يتعلق بمزاد العملة وسعر صرف الدينار
والاثار المالية للسياسة النقدية واسلوب الرقابة المصرفية والحوالات وادارة الدين العام.
(*) مستشار الشؤون الاقتصادية– رئاسة الوزراء
الاراء الواردة في كل المواد المنشورة على موقع الشبكة لاتعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير وانما عن كاتبها وهو يتحمل المسؤولية العلمية والقانونية
حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين. يسمح بالاقتباس وأعادة النشر بشرط الاشارة الى المصدر