الخميس، 27 أغسطس، 2015

العاصفة الحاسمة : العراق بين "داعش" والنفط





تدفقات الدينار والدولار داخل العراق

الكاتب : فرانك ار. جنتر (Frank R. Gunter)

ترجمة وعرض : د. حسين أحمد دخيل السرحان

إن انتهاء الطلب على النفط من قبل بلدان BRIC) Brazil, Russia, India and China) ،

 وزيادة المعروض من قبل منتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة، ومحاولات السعودية

العربية لكبح سوق النفط العالمي،

قاد إلى أن يعاني العراق من انخفاض كبير في أسعار النفط أقل من (100) دولار،

ويجب مراعاة ذلك.


ومستقبل أسعار النفط المنخفضة يتطلب قرارات صعبة ولا رجعة فيها في كلٍّ من سياسات أسعار

 الصرف والمالية العامة.

أنتج التمازج بين تمويل العمليات العسكرية ضد تنظيم " داعش " وانخفاض أسعار النفط صدمة

اقتصادية لم يسبق لها مثيل في تاريخ العراق المضطرب خلال العقود الماضية.


وستتطلب العمليات العسكرية المستمرة زيادة كبيرة في النفقات الأمنية.

وفي الوقت نفسه، انخفضت كثيرا عوائد صادرات النفط الحكومية،

مما سيضطر الحكومة إلى الإنفاق بالعجز،

وهذا الإنفاق بالعجز جنبا إلى جنب مع فقدان احتياطي البنك المركزي،

يشكك في استقرار سعر صرف الدينار العراقي.

على مدى (11) سنة منذ الغزو الأمريكي الذي أطاح بنظام صدام حسين،

واجه العراق صراعا ضاريا مع قوى الإرهاب وانخفاضات حادة في أسعار النفط

لكن - حتى منتصف عام 2014 - لم يكن يحصل كلاهما في الوقت نفسه.

فبعد تدمير قبة الإمامين العسكريين في سامراء انحدر العراق إلى ما سمي من قبل كثير من المحللين

" حرب أهلية شاملة " خلال عامي 2006- 2007.

ومع ذلك لم تكن نسبة كبيرة من نفقات الأمن العراقية مدفوعة من قبل الولايات المتحدة فحسب،

بل ارتفعت أيضا أسعار النفط العالمية بشكل كبير إلى جنب الزيادة التدريجية في حجم صادرات

النفط، والذي أدى إلى زيادة كبيرة في الإيرادات الحكومية.

وعندما انخفضت أسعار النفط عام 2009، فإن مستوى العنف والنفقات المتعلقة بها كانت الأقل منذ

الغزو الأمريكي عام 2003،

إلا أن ما حصل أخيرا من تمازج تزايد العنف وانخفاض أسعار النفط كان لا مثيل له.


تدفقات الدولار إلى العراق

تُعد تدفقات الدينار والدولار داخل العراق أمرا حاسما للتعامل مع الأزمة،

ولكن حتى الآن لا يوجد تفهم كبير، حتى داخل العراق.

والشكل أدناه يوضح نمط تلك التدفقات.

نمط تلك التدفقات


 مثلما هو معروف،

المورد الرئيس للعوائد الحكومية - أكثر من (95%) - تأتي من صادرات النفط.

ولأكثر من عقد،

الدولارات المكتسبة من هذه الصادرات تم إيداعها في صندوق تنمية العراق (DFI)،

يحتفظ بها البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.

والسبب الرئيس لإيداع إيرادات مبيعات النفط في صندوق تنمية العراق

بدلا من وزارة المالية العراقية،

هو تجنب مصادرة هذه الأموال من قبل المحاكم الأجنبية في تسوية الدعاوى القضائية في عهد

صدام.

إن الدولارات المتحصلة - وحسب الطلب - من صادرات النفط العراقية

تتحول من صندوق تنمية العراق إلى وزارة المالية العراقية،

وعند هذه النقطة يحدث الاختلاف.

أكثر من نصف - حوالي (60%) في عام 2013 - تتدفق إلى بقية العالم مرة أخرى

كمدفوعات لاستيرادات الحكومة من السلع وخدمة الدين ومعاملات أخرى،

ويباع الباقي إلى البنك المركزي بسعر (1166) دينارا مقابل كل دولار أمريكي،

ثم تستخدم وزارة المالية هذه الدنانير لدفع نفقات الحكومة العراقية في الاقتصاد،

مثل الرواتب وشبكة الحماية الاجتماعية والأمن ...الخ.

والدولارات المتراكمة لدى البنك المركزي من بيع الدينار العراقي

هي بالتأكيد احتياطات دولية للبلاد .


مع ذلك، فإن عددا كبيرا من الدولارات تتدفق على الفور مرة أخرى إلى الخارج،

وينظم البنك المركزي مزادات يومية لتوفير الدولار للاقتصاد العراقي،

وتشتري المؤسسات المالية المحلية الدولار من البنك المركزي من أجل أن توفرها إلى المواطنين

والمؤسسات التي تحتاجه كأصل للتوفير أكثر أماناً،

ولتسهيل المعاملات المحلية، وشراء السلع المشروعة وغير المشروعة، ولتهريبه خارج البلاد.

وهذا الطلب على الدولار كبير جدا.

على سبيل المثال،

خلال الأربعة عشر يوما الأولى من المزاد لشهر كانون الأول / 2014،

باع البنك المركزي (2.25) مليار دولار،

والأفراد والمؤسسات التي يحظر عليها البنك المركزي الوصول إلى مزاد العملة مباشرة

يجب عليهم شراءه بأسعار أعلى من سوق العملة الموازي.

وفي 18 / كانون الأول / 2014،

كان سعر الصرف في السوق الموازي (1199) دينارا عراقيا لكل دولار واحد أمريكي،

أي أعلى بنسبة (3%) عن سعر مزاد البنك المركزي.

في كل عام - باستثناء عام واحد - على مدى العقد الماضي،

فإن تدفق الدولار إلى البنك المركزي من وزارة المالية تجاوز تدفق الدولار خلال مزادات العملة،

مما أدى إلى زيادة في الاحتياطيات الدولية للبلاد.

فمثلاً،

في عام 2013، باعت وزارة المالية حوالي (55) بليون دولار إلى البنك المركزي،

بينما حوالي (53) بليون دولار تدفقت مرة أخرى خلال مزادات العملة

ونتج عنها (2) بليون دولار زيادة في الاحتياطيات الدولية للبلاد.

هذه الزيادة الكبيرة في الاحتياطي منذ عام 2004، كانت تذهب لدعم استقرار أسعار الصرف،

ومع ذلك كانت النتائج قاتمة خلال العام 2014.

لم يستطع العراق - بسبب الخلافات السياسية - إنجاز موازنة عام 2014،

فضلاً على أن الإنفاق الحكومي في عام 2014،

استند على استقراء غير دستوري لموازنة عام 2013،

واستمرت الحكومة العراقية حتى بتأخير الحسابات الجزئية لإيرادات ونفقات عام 2014،

ومع ذلك تدلل البيانات الحديثة الصادرة من صندوق النقد الدولي

وجهة النظر التي تؤكد تدهور الوضع المالي والنقدي في العراق،

وفي الوقت نفسه،

فإن عائدات تصدير النفط آخذه بالانخفاض،

يرافقها زيادة كبيرة في إنفاق الحكومة على الجانب النفطي.

أول أثر للعائدات المالية التي يتم إيداعها في صندوق تنمية العراق

- التي انخفضت من ما يقارب (81) بليون دولار في نهاية عام 2012،

و(6.5) بليون دولار في نهاية عام 2013،

إلى حوالي (4) بليون دولار في نهاية شهر تشرين الثاني 2014

(البيان الصحفي لصندوق النقد الدولي رقم 14/560 في 9 / كانون الأول / 2014) -

هو انخفاض الاحتياطيات الدولية للبلاد.

انخفضت الاحتياطيات الدولية في البنك المركزي العراقي

من (77) بليون دولار في نهاية عام 2013،

إلى ما يقارب (67) بليون دولار في نهاية شهر تشرين الثاني / 2014،

وهذه هي السنة الثانية بعد سنة انخفاض الاحتياطيات الدولية في نهاية العقد الماضي.

وهناك احتمالان لغياب البيانات الموثوقة لدى الحكومة العراقية:

إما أن يكون هناك انخفاض في مبيعات وزارة المالية العراقية إلى البنك المركزي،

أو الزيادة الكبيرة في مزاد مبيعات الدولار إلى المؤسسات المالية المحلية.

مع ذلك، خلال شهر تشرين الثاني / 2014،

بلغت مبيعات مزاد بيع الدولار من قبل البنك المركزي العراقي ككل (47.4) بليون دولار،

وهو تقريبا ما يقارب مبيعات الدولار لعام 2013،

لذلك فإن انخفاض الاحتياطيات الدولية للعراق

هو انخفاض إيرادات تصدير النفط بالتزامن مع زيادة الإنفاق الأمني المرتبط بالدولار

(يكون التعامل بالدولار بصفقات التسليح) من قبل الحكومة العراقية،

وزيادة تهريب الدولار إلى الخارج.

وهكذا في عام 2015،

العراق لا يواجه أزمة مالية جراء انخفاض عوائد تصدير النفط فحسب،

بل يواجه أيضا أزمة نقدية بسبب فقدان الاحتياطيات الدولية.

ويمكن فهم الأزمة المالية

عبر التمييز بين تعادل سعر النفط (التساوي بين النفقات والإيرادات)، وأزمة سعر النفط.


تعادل سعر النفط (التساوي بين النفقات والإيرادات)، أو أزمة الأسعار

على الرغم من حقيقة بدء السنة المالية 2015 للبلاد هذا الشهر،

إلا أن الافتراضات التي بنيت عليها الموازنة العامة للبلاد غير مؤكدة

(ويقصد بذلك افتراض سعر البرميل 60 دولارا).

أعلنت الحكومة العراقية أن السعر المخطط للنفط لموازنة 2015، هو (60 دولارا للبرميل)،

ثم انخفضت الأسعار في الواقع دون هذا المستوى.

وقاد الإعلان الأخير في 25 / كانون الأول لمبلغ موازنة قدرها (102.5) بليون دولار،

اعتمدت على متوسط سعر للبرميل الواحد هو (60) دولارا للبرميل إلى عجز كبير،

ويعني الإنفاق البالغ (102.5) بليون دولار

أن توقعات الحكومة العراقية إنفاق (22) بليون دولار أقل من نفقاتها الفعلية في عام 2013؛

لذا كيف ستقوم الحكومة بالتخفيضات؟.

انهيار أسعار النفط إلى مستويات مشابهة لما حصل في عام 2009،

توفر فكرة صحيحة لكل من الحكومة العراقية والاقتصاد العراقي.

في عام 2009،

انخفضت العائدات ككل بنسبة (33%)،

وازدادت النفقات الاجتماعية والرواتب بنفس النسبة تقريبا،

واستلزم هذا إجراء تخفيضات حادة في الإنفاق في أبواب رئيسة أخرى مثل الاستثمار وغيرها؛

من أجل خفض النفقات.

ومول العجز المتبقي

من خلال بيع اذونات الخزينة

واستعادت وزارة المالية المبالغ غير المنفقة من البنوك المملوكة للدولة آنذاك،

وكانت الآثار الاقتصادية للتخفيضات الكبيرة في الاستثمار قاسية وطويلة الأمد.

وبما إن الاستثمار العام يشكل (90%) من تكوين رأس المال الثابت في العراق،

فقد تسبب تخفيض الموازنة الاستثمارية بتوقف معظم الأنشطة الاستثمارية

(تحسين الطرق وزيادة إنتاج الكهرباء وبناء المستشفيات وزيادة توفير الماء الصالح للشرب)،

وهكذا تركت كل هذه الأنشطة حتى تعافت أسعار النفط عام 2010.

وعندما تم إعادة تشغيل المشاريع،

اكتشف فشل العمل السابق بسبب النهب والتخريب والتخطيط السيء وكان لابد من إصلاحه.

ووفقا لبعض التقديرات،

حتى عام 2011، لم يعود الاستثمار العام إلى المستويات التي تحققت نهاية عام 2008.

بالتأكيد،

إذا عادت أسعار النفط إلى أعلى من المتوقع في عام 2015،

ربما ستكون الحكومة العراقية قادرة على إلغاء التخفيضات في تخصيصات الإنفاق.

مع ذلك،

فإن القراءة اليومية والتنبؤ في تغييرات أسعار النفط

قد تكون أكثر فائدة في قراءة الآثار المترتبة لأمرين حول أسعار النفط:

تعادل الأسعار، و أزمة الأسعار.

ومع صادرات النفط المفترضة أو المخططة (3.3) مليون برميل يوميا،

يحتاج العراق إلى أن يكون سعر البرميل الواحد (80) دولار

ليكون قادرا على تعويض التخفيضات الحادة في النفقات لعام 2015،

بدون زيادة عجز الموازنة.

هذا السعر العالي سيوفر إيرادات كافية ليس فقط لدفع النفقات الحالية ونفقات الأمن فحسب،

بل لتمويل الاستثمار في البنية التحتية الأساسية أيضا.

ومع انخفاض الأسعار العالمية للنفط إلى أقل من (60) دولارا للبرميل،

فمن غير المرجح

أن يكون العراق قادرا على تحقيق التعادل بين الإيرادات والنفقات حتى عام 2015.

ولكن في أي سعر للنفط

ستصبح التخفيضات المطلوبة في إنفاق الحكومة العراقية تزعزع الوضع السياسي؟.


هذا يسمى سعر الأزمة النفط.

ويشير إلى السعر الذي سيسمح للحكومة العراقية

لدفع الرواتب والرواتب التقاعدية،

وشراء المعدات الرئيسة للشرطة والجيش،

والمحافظة على حد أدنى من شبكة الحماية الاجتماعية، ودفع فوائد ديونها،

وتمويل العمليات العسكرية،

والمحافظة على حد أدنى من البنى التحتية التي تسمح بزيادة إنتاج النفط.

إذا انخفض السعر العالمي للنفط إلى أقل من سعر الأزمة خلال المرحلة القادمة،

فهذا يعني أن مصادر الإيرادات لا تكون متوفرة،

كما أن تخفيض النفقات الضرورية سيعمل على زعزعة الاستقرار السياسي.

مع ذلك، يتوقع أن يكون سعر الأزمة مرتفعا جدا خلال عام 2015.

ليس هناك زيادة ثابتة في رواتب الحكومة والإعانات وغيرها

منذ 2009 ولغاية الوقت الحاضر فحسب،

بل تتوقع الحكومة العراقية أيضا حصول زيادة حادة في نفقات الأمن في مواجهة "داعش".

وبالنتيجة،

فإن سعر الأزمة خلال عام 2015، حُدد بـ(70) دولارا للبرميل.

وإذا بقيت أسعار النفط العالمية أقل من سعر الأزمة في عام 2015،

فستواجه الحكومة العراقية تحديات صعبة.

إما تجد مصدرا آخر للإيرادات،

أو تقرر تخفيضات غير مقبولة سياسيا في الرواتب أو الرواتب التقاعدية.

هذا الخيار يتوقع أن يقود إلى احتجاجات سياسية واسعة الانتشار

من قبل الموظفين والمتقاعدين الحكوميين،

فضلاً عن تهديدات إغلاق المؤسسات الحكومية.

إذا بلغ متوسط أسعار النفط العالمية (60) دولارا للبرميل في عام 2015،

تحتاج الحكومة العراقية - على الأقل -

مبلغا إضافيا قدره (12) مليار دولار لتمويل موازنتها كحد أدنى،

ومبلغا إضافيا يتراوح (12 - 24) مليار دولار لتصل إلى نقطة التعادل بين النفقات والإيرادات.

 ومع محدودية الخيارات الدولية لزيادة هذه الأموال،

فاحتمال كبير أن تقوم الحكومة بتمويل موازنتها.

الخيارات الدولية للاقتراض محدودة.

وقيام الحكومة بالاقتراض من الولايات المتحدة وبلدان أخرى

اشتركت في التحالف الدولي لقتال "داعش"،

فمن المحتمل أن تواجه الحكومة معارضة قوية من واشنطن وعواصم عالمية أخرى.

وستجادل تلك العواصم بأن - وهذه حقيقة - مشاكل العراق ذاتية ناتجة عن الفساد وسوء الإدارة،

فضلا عن أن هذه الدول ستؤكد أن الولايات المتحدة والدول الأخرى

جدولت ما نسبته (80%) أو أكثر من الديون العراقية،

وهذه البلدان تحتاج أيضا إلى نفقات داخلية.

كما أن الدول الإقليمية، مثل الكويت والإمارات العربية المتحدة

- والتي لم تشترك في برنامج جدولة الديون -

هي أيضا تواجه تحديات في موازنتيهما ناتجة عن انهيار أسعار النفط.

مع ذلك، ستكون الحكومة العراقية قادرة على اقتراض عدة بلايين من الدولارات،

فضلاً عن أن الكويت وافقت على تأجيل دفع تعويضات الحرب لهذا العام.

هذه التعويضات فرضت في ظل اتفاق مع الأمم المتحدة،

حيث وافق العراق على دفع نسبة (5%) إلى الكويت من إيرادات تصدير النفط

بعد غزو العراق للكويت عام 1990.

ومع سعر (60) دولارا للبرميل،

فإن سنة واحدة من تعليق دفع التعويضات ستوفر (3.6) مليار دولار.

على الأقل هناك خمسة مصادر أخرى للأموال لمواجهة العجز المالي،

الأول:

تستطيع الحكومة الوصول إلى الأموال في صندوق تنمية العراق

التي وصلت إلى ما يقارب (4) مليارات في نهاية تشرين الثاني / 2014.

الثاني:

في عام 2009،

استطاعت الحكومة العراقية تحويل ما يقارب (7.7) مليار دولار

من الأموال في البنوك المملوكة للدولة وإرجاعها إلى وزارة المالية العراقية.

وهذه الأموال كانت قد وضعت ضمن الموازنات السابقة لكن لم تنفق.

الثالث:

يمكن أن تحاول الاقتراض داخليا

على الرغم من أن المبلغ الذي يمكن جمعه أقل من (1) مليار دولار.

ومع وجود إصدار كبير للسندات منذ 2003،

فإن الطلب على مثل هذه السندات محدود،

خصوصاً وأنه لا يوجد سوق ثانوي للسيولة للدين الحكومي.

الرابع:

على الرغم من أن البلد لديه نظام لضريبة الدخل،

فإن عوائد الضرائب في السنوات السابقة قليلة،

ومن غير المحتمل أن يقود زيادة معدل الضرائب إلى إيرادات كبيرة في عام 2015.

والخامس والأخير:

اقترِح بأن تحصل وزارة المالية على جزء من الـ(67) مليار دولار من الاحتياطات الدولية

عبر تشجيع أو إجبار البنك المركزي على شراء السندات المقومة بالدولار من وزارة المالية.

وحتى سنوات قليلة ماضية،

كنت أعتقد أن البنك المركزي يستطيع مقاومة ضغط الحكومة لتنقيد دينه،

لكن رئيس الوزراء السابق نوري المالكي

تمكن من تنحية رئيس البنك المركزي بدون موافقة مجلس النواب واستبداله بموالي له،

وهذا الحدث قوض فكرة البعض باستقلالية البنك المركزي.

ومع هذه المصادر المختلفة للأموال،

يجب على الحكومة العراقية رفع الإيرادات أو الاقتراض بشكل كاف،

ليس لتجاوز أزمة الموازنة لعام 2015 فحسب،

بل للتحرك تجاه جعل الموازنة متعادلة (بين النفقات والايرادات) أيضا.

على أية حال،

إذا استمر سعر البرميل أقل من (60) دولارا خلال عام 2016،

ستواجه الحكومة فجوة كبيرة في الموازنة بينما تُستنزف خيارات الاقراض،

وهنا قد يكون من المستحيل على الحكومة العراقية تجاوز أزمة موازنتها في عام 2016.

ولكن التحدي الأكثر إلحاحا من سعر النفط في المستقبل،

هو تزايد التوتر حول سعر صرف الدينار العراقي في وقت مبكر لعام 2015.


خيارات سعر الصرف

مما يستحق أن يفتخر به البنك المركزي العراقي

هو قدرته على المحافظة على استقرار سعر الصرف

على الرغم من الصراعات الحادة خلال عامي 2006 - 2007.

في الحقيقة، فإن البنك المركزي سمح فعلياً بارتفاع نسبته (20%) خلال هذه المدة.

مع ذلك، وكمناقشة لما ورد أعلاه،

انخفضت احتياطيات البنك المركزي

كنتيجة لانخفاض مبيعات الدولار إلى البنك المركزي من قبل وزارة المالية

بالتزامن مع المزادات الكبيرة لبيع الدولار التي ينظمها البنك المركزي.

فضلا عن ذلك،

هناك احتمال أن تحاول الحكومة العراقية التخفيف من أزمتها المالية

من خلال تشجيع او إجبار البنك المركزي لشراء سندات الحكومة المقومة بالدولار،

وهذه ستستبدل أصولا سائلة في حسابات البنك المركزي بأصول غير سائلة وهي سندات الحكومة.

إذا حصل أي من هذين الإجراءين أو كليهما،

سيكون هناك فقدان للثقة في قدرة البنك المركزي

في الحفاظ على سعر الصرف الحالي (1166) دينارا عراقيا مقابل دولار أمريكي واحد،

والتكهنات حول العملة توقعت أن يزداد انخفاض قيمة الدينار.

لدى كل من البنك المركزي والحكومة العراقية خيارات محدودة

لكبح هذه التكهنات

ومنع فقدان المرساة الرسمية للاقتصاد العراقي ألا وهي استقرار سعر الصرف.

الطريقة الوحيدة لتقييد الوصول إلى مزادات العملة اليومية

هو الاستجابة التي حصلت عندما تعرض سعر الصرف لهجوم في شباط / 2012،

إذ طلب من مشتري الدولار التسجيل وتقديم وثائق لغرض تدقيق المشتريات.

كذلك يتوقع من تقييد الوصول إلى المزادات

أن يقود إلى اتساع الفجوة

بين سعر الصرف الرسمي (1166) دينارا عراقيا لكل دولار أمريكي

وسعر الصرف الحقيقي في سوق العملة.

التوسع في نظام الصرف المزدوج

يمكن أن يتوقع منه زيادة في الفساد كمؤسسات تستخدم التأثير السياسي

لتتمكن من الدخول إلى مزاد العملة.

فضلاً عن ذلك،

ومع تقييد الوصول إلى مزادات العملة لجهات محلية أقل حظاً - وبالخصوص في القطاع الخاص -

يمكن أن يتوقع أن هناك مزيد من التباطؤ في نمو الاقتصاد غير النفطي في البلاد

مما سيؤدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية .

ومن شأن الاستجابة الأكثر تشاؤما أو ربما الأكثر واقعية

لفقدان الاحتياطيات الدولية للبلاد،

سيكون الانخفاض حادا في قيمة الدينار العراقي،

وهذا لا يؤدي فقط إلى زيادة أسعار الواردات

وانخفاض أسعار الصادرات غير النفطية معززا الانتاج المحلي فحسب،

ولكنه أيضا يقلل - على الاقل مؤقتاً – من ضغط المضاربة على الدينار.

خبرة البلدان التي شهدت أوضاع مشابهة توضح

 أن اختيار خيار خفض قيمة الدينار

يكون من الأفضل أن يتم العمل به عاجلاً وليس آجلاً وبنسب كبيرة وليس صغيرة.

وتؤكد وجهة نظر معينة

بأنه يجب على الحكومة أن تعلن حالاً العودة إلى سعر صرف ما قبل عام 2006،

والذي كان يبلغ (1470) دينارا للدولار الواحد، بنسبة انخفاض في قيمة الدينار (25%).

الحل الأفضل على المدى البعيد لفقدان الاحتياطيات بالتزامن مع أزمة سعر الصرف،

هو العودة إلى اعتماد مجلس النقد مثل الذي اُعتمد خلال المرحلة المضطربة 1939-1940.

ومن المتوقع أن يواجه تبني مجلس النقد معارضة سياسية خطيرة؛

لأنه يقلل من قدرة الحكومة على تحويل الموارد المالية لصالح جماعات اقتصادية معينة

أو لصالح أصدقاء المسؤولين الحكوميين.


العاصفة الحاسمة للعراق

نتج التمازج بين انهيار أسعار الصرف والصراع مع تنظيم "داعش" في الغالب

بسبب التحديات المالية وتحديات سعر الصرف منذ غزو البلاد عام 2003.

ومن المغري لحكومة رئيس الوزراء الجديد حيدر العبادي

أن تطلب إدخال تعديلات محدودة على السياسات المالية وسياسات سعر الصرف

حتى لا تتعرض لخطر المزيد من عدم الاستقرار وهي حالة معقدة أصلاً.

إن انخفاض أسعار النفط - أقل من (100) دولار للبرميل - هي ظاهرة مؤقته

وستعاود الأسعار الارتفاع خلال عام 2016.

مع ذلك،

فإن انتهاء الطلب على النفط من قبل بلدان

(BRIC) (Brazil, Russia, India and China)،

وزيادة المعروض من قبل منتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة،

ومحاولات السعودية العربية لكبح سوق النفط العالمي،

قاد إلى أن يواجه العراق سنوات من انخفاض كبير في أسعار النفط أقل من (100) دولار،

ويجب مراعاة ذلك.

ومستقبل أسعار النفط المنخفضة

يتطلب قرارات صعبة ولا رجعة فيها

في كل من سياسات أسعار الصرف والمالية العامة.

رابط المقال:
http://www.fpri.org/articles/2015/01/isis-and-oil-iraqs-perfect-storm