الجمعة، 31 يوليو، 2015

ادارة المخاطر في الموازنة العامة

الدكتور مظهر محمد صالح

الدكتور مظهر محمد صالح 

لما كانت عائدات المورد الطبيعي المستخرج والمصدر(النفط)
تمثل نسبة لا تقل عن 93 بالمائة من ايرادات الموازنة العامة في العراق
فأن هذه الايرادات امست لصيقة بالصفة الريعية ،
 ما يعني ان عوائد النفط تتقلب بسبب الظروف والعوامل الخارجية الدولية لسوق النفط
وليس للإنتاج والإنتاجية  دور في تحديد قيمة الانتاج .
ولفت الى انه ازاء هذا الشكل من الايرادات المرهون بالطلب الخارجي وتقلباته
وانعكاساته على الناتج المحلي الاجمالي للبلاد ،
فلابد من استقرار ايرادات الموازنة ومصروفاتها
وان يخضع لنمط محدد من انماط ادارة المخاطر.
فثمة خياران مطروحان امام صناع السياسة المالية في ادارة الموارد النفطية
ويوصفان ضمن طبيعة وعمل ادارة المخاطر
ويمثلان شكلاً من اشكال المصدة المالية  fiscal bufferاو مخففة الصدمة المالية لمواجهة تقلبات اسواق النفط.
 وبين ان الخيار الاول ،
هو التعاقد مع مشترين بكميات معرفة مسبقاً وبأسعار مخصومة يلتزم بها الطرفان، المستفيدين
مهما كان التقلب في اسعار سوق النفط .
والخيار الثاني ،
 يتمثل بوضع اسعار افتراضية مخفضة تحوطاً لأغراض اعداد الموازنة
بإيرادات اقل ونفقات اعلى عن طريق احداث عجز مخطط ،
حيث يترك تمويل العجز للتقلبات الايجابية الحاصلة في اسعار النفط ،
وعد ذلك بديلا لصندوق استقرار الموازنة stabilizing fund .
وبسبب الاحادية الشديدة للاقتصاد وانعكاس ذلك على احادية تدفق موارد الموازنة العامة
وتعرض الايرادات الى شدة عالية من التحفظ والحذر في ادارة مخاطر الموازنة العامة،
لذا فقد اخذ موضوع بناء او تركيب الموازنة اتجاهين مختلفين شكلا على اداء الموازنة العامة،
اولهما :
تحويل الفوائض المتحققة جراء تخفيض اسعار النفط لأغراض الموازنة
بفجوة تبتعد عن اسعار السوق والمبيعات الفعلية للنفط العراقي
الى موازنة السنة المالية اللاحقة.
 صالح عد ذلك تمويلا تجميعيا يصب في مصلحة نمو الموازنة السنوية اللاحقة وتوسعها،
وهكذا يستمر الحال سنوياً بالتتابع
وثانيهما :
حصول اتجاه مقلق يفضل تغطية المصروفات الثابتة في الموازنة والتي تمثل بشكل عام الموازنة التشغيلية
على حساب وضع جانب كبير من الموازنة الاستثمارية الى احتمالات العجز وتقلب سوق النفط
وعدها مصروفات متغيرة.
طبيعة اعداد الموازنة
وقال بالتأكيد في حال حصول عجز فعلي جراء انخفاض ايرادات النفط
ستأخذ النفقات الجارية للرواتب والأجور التفضيل الاول
على حساب نفقات خدمات الطرق والجسور وغيرها التي ستأخذ بدورها التفضيل الثاني .
وبناءً على اشكالية هذه القيود التي فرضتها الموارد الريعية
على حسن اداء المشاريع والنشاطات ذات الاولوية الاقتصادية والاجتماعية في الموازنة
لبلوغ اهداف التنمية والاستقرار الاقتصادي ،
فقد بدأ جدل واسع حول طبيعة اعداد الموازنة
من موازنة بنود سهلة التنفيذ ضعيفة الكفاءة الى موازنة برامج وأداء
ما يسهل مراقبة كفاءة الموازنة العامة مع توافر بديلين اخرين هما الموازنة الصفرية والموازنة التعاقدية.
وأكد انها انماط مازال يعمل بها في البلدان الغربية عموماً .
فاللافت للنظر ان ادارة مخاطر الموازنة في بلدان العالم ذات الاقتصادات المتنوعة الانتاج
 والتي مصادر موازناتها من الايرادات المتأتية من الضرائب بالدرجة الاساس وغيرها ،
فأنها تعتمد ما يسمى بالمثبت الديناميكي automatic stabilizer في ادارة مخاطر موازناتها العامة.
وهو تعبير عن ان النفقات او الايرادات الحكومية التي تتوسع وتتقلص
هي للتعويض عن حالة انتعاش او تراجع الاقتصاد الكلي ،
 بعبارة اوضح
هي فقرات في الموازنة الحكومية
التي تجعل الانفاق الحكومي يأخذ بالارتفاع
او يجعل الضرائب تنخفض جراء هبوط الناتج المحلي الاجمالي .
ويأتي هذا الاسلوب في تصميم الموازنات في الاقتصادات شديدة التنوع
 لتفادي التصلب الدستوري عن اعادة تعديل تشريع قانون الموازنة
عند حصول تقلبات في الناتج المحلي الاجمالي او الدخل الوطني للبلاد .
وهي مسألة في غاية الاهمية
حيث تخفض الضرائب عن العاطلين ويرتفع الانفاق لدعم العاطلين
من دون مداخلة تشريعية يصعب تنفيذها خلال السنة المالية،
 تولد ما يسمى بالتباطؤ الداخلي في السياسة المالية inside lag  يعمق من المشكلة الاقتصادية
او يساير ما يسمى بالدورة الاقتصادية pro cycle  (الهوة المالية)

ما يعني ان المثبت الديناميكي هو لمواجـــهة الدورة الاقتصـــادية او  anti cycle .

ان مشكلة المصدة المالية في ادارة مخاطر الموازنة في بلادنا مقارنةً بالمثبت الديناميكي،
تأتي من مشكلة هيكلية تتمثل في تركيب الثروة الى الناتج المحلي الإجمالي
 ففي الولايات المتحدة التي تبلغ هذه النسبة من الثروة بحوالي (عشر) مرات الناتج المحلي الإجمالي
 نجدها في بلد مثل العراق ربما تزيد على 35 مرة من الناتج المحلي الاجمالي .
فكلما تكبر النسبة
يعني ان الدخل منخفض
ومصد ايرادات الموازنة هو شديد التقلب
 مما يعظم من دور المصدة المالية
والتي تعني (حجز موارد مالية مستقبلية متدفقة)
 واعتمادها كاحتياطي مالي او مصدة مالية الى حين انتهاء سنة الموازنة
وهي بمثابة خزين متجمع يستنفد ببطء خلال السنة المالية
خشية تقلب الايرادات وحتى اليوم الاخير من تلك السنة المالية.
 في حين ان مبدأ التعويض في المثبت الاسمي
يلجأ الى الاقتراض من السوق المالية وتوليد عجز فعلي
او الاقتراض بصورة احتمالية تحوطيه مسبقة بغية اعادة النشاط الاقتصادي
او الاستعداد لمواجهة الدورة الاقتصادية حتى لو كان التمويل بالإصدار النقدي
لان النشاط الاقتصادي سيعظم جباية الضرائب مستقبلا ويسد العجز ويخفض نسبة الدين مستقبلا.
اذ يـؤازر هـذا الاتجاه النظرية النقودية الجديدة او ما يمكن تسميتهم (الرمزيـون الجـدد) new chartilists.
وبغض النظر عما تقدم ،
فأن ادارة المخاطر في ظل المصدة المالية fiscal buffer
هي اكثر تعقيدا وأكثر ضياعا للموارد واقل كفاءةً وفق الصورة القائمة حالياً
حيث تتحول موارد المصدة المالية في السنة t-1 الى السنة t مع استمرار العجز المخطط نفسه .
اي ان المصدة المالية هي التعبير عن احتمال عجز مخطط بفوائض محجوزة يجري تدويرها سنوياً
والتي بلغت في صندوق تنمية العراق DFIحوالي 18 مليار دولار في نهاية السنة المالية 2012.
كما ان السنة المالية للعام 2012 انتهت بفائض نسبته 4% من الناتج المحلي الاجمالي للعراق
في حين ان موازنة العام المذكور قد صممت على عجز نسبته 8 % من ذلك الناتج المحلـي الاجمالـي للعراق.
وفي الاحوال كافة،
اذا كانت المصدة المالية تعبر عن احادية الاقتصاد
وان المثبت الديناميكي يعبر عن تنوع الاقتصاد او الناتج المحلي الإجمالي فأن الاخير هو ذو طبيعة متدفقة flow
في حين ان المصدة المالية هي ذات طبيعة خزنيه عموما stock تتحول الى تدفقات عند الحاجة.
فالمثبت الديناميكي يعبر عن موارد للموازنة متأتية من منابع الاقتصاد الكلي كافة
وبدرجة عالية من التنوع في الدخل الاجمالي
في حين ان المصدة المالية هي نظام تحوطي يعتمد التقلب في الدخل
الناجم عن الاقتصاد الاحادي الذي يعتمد على مورد سيادي واحد للبلاد كالنفط .
ولكي نتحول الى آلية في ادارة مخاطر الموازنة العامة
قريبة من المثبت الديناميكي وتبتعد تدريجيا عن المصدة المالية بشكلها الحالي ،
فينبغي توافر شروط تنويع بعض مصادر الموازنة ، حتى في ظل الاحادية الاقتصادية الحالية،
ونقصد بذلك الذهاب الى التنويع المالي.
فأمام البلاد فرصة استثمار المصدة المالية نفسها وتحويلها الى صندوق ثروة سيادي
بدلا من تفريغ موارد المصدة دورياً وتحويلها من خزين مالي الى تدفق مالي في السنة المالية اللاحقة .
فالاستثمار في ذلك الصندوق السيادي سيكون مدراً للدخل ايضاً ويمارس وظيفة صندوق الاستقرار
بدلا من المصدة المذكورة بآليتها الحالية والاستفادة في مواجهة مشكلات البلاد في الامد القصير على اقل تقدير.
وإذا ما تعاظمت عوائده فسيتحول الصندوق السيادي للثروة sovereign wealth fund
وان عوائده ستمارس وظيفة المثبت الديناميكي
الذي ستكون ايراداته بمثابة تدفق مالي تعويضي مستمر في حالة تقلب المورد الاحادي الطبيعي
مما يعني خلق تنوع غير مباشر في موارد الموازنة مع توافر حماية ذاتية في حال انخفاض عوائد الموارد النفطية.
وبهذا يمكن للصندوق السيادي ان يأخذ منحيين في ادارة المخاطر
والتي تعني التأمين على الامكانات المحتملة للخسارة جراء تقلب اسواق النفط وتأثير ذلك على ايرادات الموازنة ،
الاول : وهو ادارة موارد مالية في ذلك الصندوق يكون فيها تفضيل السيولة على العائد المتوقع
وهو الجزء الذي سيمثله صندوق الاستقرار بدلا من المصدة المالية الراهنة ،
 وبإمكانه توفير موارد للموازنة كافية لتغطية الاجور والرواتب المودعة فيه لفترة بين 3-6 اشهر .
 في حين ينصرف الجزء الاخر من صندوق الثروة السيادية الى نمط من ادارة المخاطر
يفضل العائد المتوقع على السيولة

وتصب تلك العوائد عند تحققها في صندوق الاستقرار بشكل مستمر .