الجمعة، 24 أبريل 2015

الهيمنة المالية على تكوين الاساس النقدي

الدكتور احمد إبريهي علي

لقد اعتاد الاقتصاديون على االاهتمام

بمكونات الميزانية العمومية للبنك المركزي

لان الأساس النقدي Monetary Base

يساوي صافي الموجودات الأجنبية + صافي الائتمان المحلي

والأخير، بالدرجة الاولى ،

عبارة عن حوالات الخزانة بحيازة البنك المركزي 

مطروحا منها الحساب الجاري للحكومة في جانب المطلوبات ،

إضافة على ائتمان يقدمه البنك المركزي لجهات محلية اخرى.

وعندما يكون إسهام الدين على الحكومة كبيرا في الأساس النقدي

يقال إن المؤسسة النقدية تهيمن عليها المالية العامة ،

ويسمى اختصارا الهيمنة المالية Fiscal Dominance ،

بمعنى إن الأساس النقدي يتحرك من خلال إقراض البنك المركزي للحكومات

بشراء حوالات الخزانة مباشرة ، من الإصدار الأولي ، أومن السوق الثانوية

عندما يخصم حوالات الخزانة بحوزة المصارف .

ويميل البعض إلى فهم استقلال السلطة النقدية من هذه الزاوية .

ولكن قد تستقل السلطة النقدية بالقانون ويبقى الأساس النقدي ،

الذي يحدد من خلال المضاعفات الحجم الكلي للسيولة ،

يتكون من خلال فعاليات المالية العامة .

ينسجم الفهم السائد للهيمنة المالية مع اقتصاد النموذج العام

أي الاقتصاد المتنوع في قاعدته الإنتاجية ومصادر العملة الأجنبية والإيرادات الحكومية .

أما اقتصاد الحالة الخاصة مثل البلدان النفطية

فأن صافي الموجودات الأجنبية عماد الأساس النقدي .

لان الحكومة تعتمد على النفط في تمويل إنفاقها

فسوف تبادل العملة الأجنبية مع البنك المركزي للحصول على المبالغ الكافية ،

من العملة المحلية ، لإنفاقها في الداخل ويزداد الإصدار النقدي تبعا لذلك .

هذه الحالة أصبحت تسمى الهيمنة النفطية - المالية ،

أي أنها هيمنة مزدوجة من خصائص الاقتصاد النفطي . 

و لا تتعلق بالقوانين الحاكمة لعمل وزارة المالية أو البنك المركزي ،

بتعبير آخر لايمكن التأثير عليها بتشريعات ولوائح تنظيمية

بل فقط عبر التغير الجذري لبنية االقتصاد.

وفي اقتصاد النموذج الاعتيادي يلعب الائتمان دورا في خلق النقود ،

كما ان الودائع تشكل النسبة الاكبر من النقود

وتصل الى حوالي %90 في البلدان المتطورة ماليا" ،

مع وجود تناسب واضح بين العمق المالي ونسبة الودائع من النقود .

لكن في الاقتصاد العراقي يكون هذا الدور لمورد النفط وإنفاقه من قبل الحكومة

ومن خلال تحكمه بالأساس النقدي،

ومضاعف الائتمان منخفض ، ونسبة العملة المصدرة من النقود عالية .

علما" إن الأساس النقدي 

من جانب المطلوبات في الميزانية العمومية للبنك المركزي

هو عبارة عن العملة المصدرة واحتياطيات المصارف ،

والعملة المصدرة هي حصيلة عمليتين 

هما أنفاق الحكومة من حسابها الجاري ،

المعزز

بمبيعاتها من العملة ألأجنبية للبنك المركزي ،

ومبيعات العملة ألأجنبية للقطاع الخاص .

لا يستطيع البنك المركزي التحكم بالأساس النقدي

لأنه لا يتمكن من تفادي تراكم الموجودات الأجنبية لديه ،

والأخيرة محكومة بالموارد النفطية وتصرف الحكومة بها .

لكن مع ذلك 

لديه وسيلة الاقتراض من المصارف و/ أو امتصاص مزيد من السيولة

بطرح حوالاته بأسعار فائدة مرتفعة ،

وبهذا سوف ينخفض صافي الاستحقاق في الميزانية العمومية ، بمرور الزمن ،

مع استمرار مدفوعات الفائدة ،

ومتى ما تخلت المصارف عن قبول أدوات البنك المركزي

ستكون النتيجة الصافية لتلك السياسة تضخمية .

لكان اثار تلك االجراءات ، ايجابا" وسلبا" ، محدودة

بمجموع الودائع الخاصة لدى المصارف

وهي لحد الان

لا تتجاوز %12 من الناتج المحلي ، وزيادتها السنوية في نطاق %2 منه .

ولقد أصبح واضحا

" انه لا فرق بين إلزام الحكومة بتسليم كافة موارد الصادرات فورا"

إلى البنك المركزي أو بيعه عملة أجنبية ، على قدر حاجتها ،

وذلك لان الأساس النقدي يتأثر بالأنفاق الحكومي ليس إلا .

ولا سبيل إلى قياس اثر الحكومة على المتغيرات النقدية في العراق

بمعزل عن مبيعات البنك المركزي من العملة الأجنبية .

أما تأثير الإنفاق الحكومي بذاته على المستوى العام للاسعار فهو مجال آخر للبحث .

لقد اعتمدت بعض البلــدان ذات الهيمنــة النفطيــــة العاليـــــة

سعـــر الصرف مثبتا نقديا Nominal anchor .

وبلدان أخرى اعتمدت 

إستراتيجية استهداف التضخم 

مثل النرويج ، كولومبيا, والمكسيك,

واستخدم العراق كلا السياستين .

التضخم دائما" وفي كل مكان ظاهرة نقدية 

من وجهة نظر النقوديين،

ويتسبب عجز الموازنة العامة بالتضخم ، في رأيهم ،

لان الحكومة سوف تتجه بمرور الزمن الى خلق النقد لتمويل العجز،

أي عن طريق الاستمرار في زيادة رصيد الدين الحكومي في ميزانية البنك المركزي

من خلال خصم ومراكمة حوالات الخزانة أو حتى الشراء المباشر للاصداريات .

ولقد تطورت في التسعينات النظرية المالية للمستوى العام الاسعار ،

Fiscal Theory of . FTPL "واختصارا price level

وتستند هذه النظرية إلى 

إعادة تعريف الهيمنة المالية

بأنها ال تتمثل فقط بعجز الموازنة الذي يمول بخلق نقدي

إنما على أسس أخرى

ومنها اعتبار سندات الحكومة وكأنها ثروة صافيـــة .

وفي مثل هذا النظام 

تتوقف استدامة المالية العامة على تخفيض قيمة الدين ،

فتؤدي زيادة الأسعار إلى تآكل القيمة الحقيقية للثروة المالية

لحين الوصول إلى توازن جديد .

هذا السياق كان متحققا" في العراق طيلة زمن الحصار.

وهو واقع حال الكثير من البلدان التي عانت من تضخم جامح .

وبذلك يمكن القول إن النظرية المالية لا تكتشف آليات عميقة ، كانت غائبة عن الوعي ،

بل تعاملت مع حقائق نمطية أرادت نمذجتها بلغة نظرية.

لقد أثبتت دراسات حديثة 

وجود علاقة بين الميزان المالي الحكومي ، أي نسبة الفائض (العجز)

إلى الناتج المحلي الإجمالي ، والتضخم

مع إن العلاقة لها مصداقية في اقتصاد اعتيادي

يمول فيه الأنفاق الحكومي من الضرائب وإيرادات مماثلة ،

في علاقتها بالناتج المحلي والدخل العائلي ،

وليس الاقتصاد النفطي 

الذي يمول الأنفاق الحكومي الداخلي فيه بخلق نقدي ، كما تبين ، 

مع قدرة على تمويل الطلب على الاستيراد بعرض غير محدود ،عمليا" ،

من العملة الأجنبية بثبات سعر الصرف .

/Ahmed-Ibraihi- Inflation-and-Monatory-Policy.pdf