الجمعة، 2 يناير 2015

الهبوط في أسعار البترول .. مفترق طرق للسياسة المالية السعودية :3

الهبوط في أسعار البترول .. مفترق طرق للسياسة المالية السعودية (3)
د. خالد بن عبد الله السويلم

أعلنت وزارة المالية تفاصيل الميزانية الجديدة للدولة، 

المتضمنة انخفاض المصروفات المتوقعة للعام المالي الجديد

 860 مليار ريال بنحو 22 في المائة عن المصروفات الفعلية للعام الماضي 1100 مليار،

وانخفاض الإيرادات المتوقعة بنسبة 32 في المائة تقريبا عما كانت عليه في السنة الماضية

 بناء على احتساب معدل سعر للبترول يقارب 65 دولارا للعام المقبل.

لو أخذنا بالاعتبار 

مسار الإنفاق الفعلي خلال السنين الماضية، والاحتياجات العامة للدولة،

 وما يحتمل أن تكون عليه أسعار البترول خلال الفترة المقبلة،

فإن حجم المصروفات الفعلية قد يتعدى بكثير مستوى الإيرادات العامة.

ويمكن أن يرتفع عجز الميزانية إلى ضعفي أو ثلاثة أضعاف العجز المتوقع؛

أي استنزاف كبير لاحتياطيات الدولة.

وهذا لا شك أمر بالغ الخطورة 

ويتطلب ضبط الإنفاق العام ورؤية مستقبلية مختلفة في السياسة المالية للمملكة،

من خلال تأسيس برنامج ادخار وطني يكون مصدرا آخر لدخل الدولة مستقبلا،

في آلية محسوبة مقننة للسياسة المالية للمملكة بدلا من المعمول به حاليا

 Ad hoc counter cyclicality، أو "معاكسة الدورات الاقتصادية"،

 كما صرح بذلك أخيرا وزير المالية.

عبارة "معاكسة الدورات الاقتصادية"

 ترتبط عادة بمجالات أخرى في السياسات الاقتصادية Keynesian economics

للحد من التضخم عندما تكون الدورة الاقتصادية نشطة،

وبالمقابل تحفيز الاقتصاد عندما تتباطأ الحركة الاقتصادية.

ولكنها لا تستخدم في مجال إدارة الاحتياطيات إلا بحسابات واضحة مقننة، 

وإلا أصبحت من باب المخاطرة والمغامرة تعتمد على الصدفة والحظ.

فعلى سبيل المثال،

 في أواخر التسعينيات

بعد الأزمة المالية الآسيوية وتراجع أسعار النفط بشكل كبير،

استنزفت احتياطيات المملكة من العملة الأجنبية

حتى كادت تهدد ثبات سعر صرف الريال والاستقرار المالي في المملكة.

 لكن بتوفيق من الله وحظ كبير بدأت أسعار النفط في الارتفاع في الوقت المناسب

وتفادت المملكة ذلك المأزق المالي.

وفي الأزمة المالية العالمية الأخيرة 2008 - 2009،

تراجعت أسعار البترول بشكل كبير لفترة قصيرة جدا. وارتفعت بعد ذلك سريعا.

أما الوضع الحالي

فهو أكثر خطورة على الإيرادات المالية للدولة مما حصل في عام 2008

لأن السبب هنا يتعلق

 ليس فقط بجانب الطلب على البترول

ولكن في كميات العرض والتغير الجذري في موازين العرض والطلب بشكل عام.

ولا يمكن في مثل هذه الظروف البالغة الصعوبة التنبؤ بنقطة الانعطاف

التي يبدأ بعدها وقف استنزاف الاحتياطيات.

المطلوب هنا سياسة مالية مقننة 

تعتمد على بناء مصدر آخر للدخل قوي بما فيه الكفاية

لفصل (تحييد - Decouple) التغيرات في أسعار البترول عن المسار المطلوب في الإنفاق العام

لتلبية احتياجات ومصروفات الدولة.

تختلف طبيعة الهبوط الأخير في أسعار البترول

عما سبق في الماضي من تراجعات تصحيحية،

فيما يحتمل أنه تغير جذري في اقتصاديات البترول

نحو تنوع أكثر في مصادر الطاقة وإنتاج البترول.

وفي هذه الحقبة الجديدة، 

تبدو منظمة "أوبك" فاقدة إلى حد كبير قدرتها على ضبط الأسعار دون أن تخسر حصتها من الإنتاج.

وظهرت قوى وعوامل آخرى مؤثرة في موازين العرض والطلب،

بما يمكن أن ينتج عنه بقاء أسعار البترول خلال السنوات المقبلة

في مستويات جديدة قد لا تتعدى في المعدل 50 - 65 دولار وربما أقل من ذلك،

 حسب التطورات المستقبلية في تقنية إنتاج البترول الصخري،

وزيادة الإنتاج المتوقع من دول عديدة داخل منظمة أوبك وخارجها،

والبدائل المتنوعة للطاقة التي أخذت زخما واهتماما كبيرا في الفترة الأخيرة،

إضافة إلى التقدم البارز في زيادة فاعلية استخدام واستهلاك البترول

في الصناعات ومختلف النشاطات الاقتصادية.

كل هذه الأسباب تدعو للحذر والتحوط.

وتجدر الإشارة هنا 

فيما يتعلق بالبترول الصخري إلى عدم دقة ما يثار في كثير من المقالات والكتابات العامة

بأن 60 أو 70 دولارا، وقبل ذلك كان يقال إن 90 دولارا، هو الحد الأدنى لربحية منتجي النفط الصخري،

وأن انخفاض أسعار البترول لأقل من ذلك يقود إلى مصاعب مالية وإفلاس تلك الشركات.

والحقيقة

أن هذا قد يكون صحيحا لنسبة ضئيلة جدا من المنتجين

أو لبعض المشاريع الجديدة في هذا المجال،

أما بالنسبة للغالبية العظمى من منتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة خاصة،

فإن مستوى 50 دولارا أو أقل من ذلك يعتبر في الوقت الحالي مربحا لهم.

وهذه الحقائق لم تكن أمرا جديدا. 

فلقد كانت علامات ظهور النفط الصخري منافسا بهذا الشكل واضحة منذ سنوات.

وتكاد تكون الدراسة التي صدرت عن مركز بيلفر في معهد كينيدي في جامعة هارفارد عام 2012

 Oil: the next revolution

الأكثر شهرة في هذا الشأن،

لكونها الأكثر دقة في التنبؤ بانهيار أسعار البترول

Collapse of oil prices

وتاريخ حدوثه مع بداية عام 2015،

كما تقول الدراسة التي قام بها ليوناردو ماجيري Leonardo Maugeri

أحد أبرز المختصين والباحثين في مجال صناعة البترول.

لذا فالأهمية كبيرة في التأكيد على أن ضبط الإنفاق 

لا يقتصر فقط على تخفيض مصروفات الدولة بشكل عام.

بل إن الحاجة ماسة إلى ترتيب الأولويات وإعادة هيكلة عملية وآليات الإنفاق العام

وتطوير العلاقة بين وزارة المالية ومختلف الجهات الحكومية في عملية رصد المبالغ المطلوبة والمتابعة والتمويل،

لتكون تلك العلاقة أكثر فاعلية وتكاملا

مبنية على أسس اقتصادية صحيحة بأقل تكلفة وبأفضل المواصفات.

والقصور في هذا الجانب

يعتبر أحد أهم أسباب ارتفاع التكلفة وتعثر أو رداءة التنفيذ لكثير من المشاريع خلال السنين الماضية.

ويعتبر ضبط الإنفاق وتطوير العلاقة التكاملية بين وزارة المالية والجهات الحكومية الأخرى

أكثر أهمية في تحقيق التوازن المطلوب في مالية الدولة من زيادة إيرادات الرسوم أو تخفيض الإعانات.

والأهمية القصوى هي تأسيس مصدر دخل آخر للدولة.

وهنا يأتي برنامج الادخار الوطني للمستقبل.

فلم يكن هناك في السابق أي برنامج ادخار مقنن للمستقبل.

وتجمعت الاحتياطيات الحالية لدى مؤسسة النقد

نتيجة للفروقات بين دخل الدولة من البترول والمصروفات على مر السنين Residuals

رغم الإنفاق الحكومي الضخم خلال فترة الارتفاعات الكبيرة في أسعار البترول Pro cyclical.

واستثمرت تلك الفروقات بنجاح كبير.

ومع هذا، 

فإنه لا يجوز في اقتصاد بحجم وأهمية المملكة واعتمادها على دخل سلعة واحدة

أن تبقى تلك الاستثمارات تدار من دون آلية محددة للادخار

مفتوحة على المصروفات الحكومية وتعتمد فقط على الفروقات المتبقية

وعلى من يكون قائما على تلك الاستثمارات من وقت إلى آخر.

هنا تأتي أهمية إنشاء صندوق سيادي سعودي مستقل 

بضوابط سيادية معروفة Governance

يمكن مراقبته ومحاسبته كجزء من برنامج ادخار وطني وسياسة مالية مقننة.

وإنشاء صندوق سيادي هو البداية لتأسيس مصدر آخر لإيرادات الدولة.

ويتطلب ادخارا محسوبا يتم على مر السنين

وليس مجرد حركة واحدة تتم بإعلان إنشاء الصندوق السيادي ونقل الاحتياطيات الحالية إليه.

ولو افترضنا

أن 400 مليار دولار حولت إلى صندوق سيادي مستقل

- وهذا المبلغ ربما هو الحد الأعلى الذي يمكن تحويله حاليا

لأن بقية الاحتياطيات لا بد أن تبقى لدى مؤسسة النقد

لتمويل المصروفات واحتياجات الدولة من العملات الأجنبية -

لاستثمارها على مر السنين،

يضاف إليها سنويا جزء من دخل البترول يستقطع لصالح الصندوق السيادي

كما هو جار في كثير من الدول، ومنها النرويج والكويت والإمارات،

فإن العائد على تلك الاستثمارات لدعم الميزانية 

يمكن أن يرتفع خلال السنوات المقبلة تدريجيا ليصل إلى 50 في المائة من دخل البترول،

وأكثر من ذلك على مر السنين.

ولو رجعنا إلى الماضي،

وما كان بالإمكان أن يكون في الاستفادة من الفوائض المالية الضخمة خلال السنوات العشر الماضية بالذات،

وكانت البداية بمبلغ 200 مليار دولار فقط

- وهذا هو تقريبا مستوى الفائض من احتياطيات العملة الأجنبية في ذلك الوقت

حسب الأرقام التي تنشر من قبل مؤسسة النقد -

 تم استثماره في صندوق سيادي مستقل،

يضاف إليها سنويا استقطاع 25 في المائة من دخل البترول لصالح الصندوق السيادي

بدلا من أن تكون تلك الفوائض مجمدة بالريال في حساب احتياطي وزارة المالية،

لأصبح حجم الصندوق السيادي خلال السنتين المقبلتين نحو تريليوني دولار.

وفي هذا يكون العائد السنوي من الصندوق السيادي 

الذي يمكن استخدامه لدعم الميزانية نحو 100 مليار دولار أو أكثر من ذلك.

أي ما نسبته أكثر من 60-70 في المائة من دخل البترول المتوقع خلال الفترة المقبلة،

يرتفع في سنوات قليلة بعد ذلك إلى نحو 100 في المائة من دخل البترول.

هنا يمكن فصل (تحييد - Decouple) 

المتغيرات في أسعار البترول عن المصروفات والاحتياجات المطلوبة للدولة.

وعندئذ لن يشكل النفط الصخري أو غيره من المتغيرات الجذرية التي قد تحدث في أسواق الطاقة

أي خطر على اقتصاد ومستقبل المملكة.

هذه أرقام واقعية.

وهي نتائج أولية لدراسة في جامعة هارفارد

عن الأهمية القصوى للتحرك سريعا نحو إنشاء صندوق سيادي سعودي،

في إطار سياسة مالية متطورة مقننة،

لضبط الإنفاق، وإيجاد مصدر آخر لدخل الدولة.

والدراسة مبنية على تحليل اقتصادي متكامل لدخل الدولة والإنفاق العام

خلال السنين الماضية والمتطلبات المستقبلية للاقتصاد والمواطن السعودي.

وتؤكد الدراسة 

أن أهمية إنشاء الصندوق السيادي تكمن في كونه جزءا من منظومة متكاملة للسياسة المالية

تهدف إلى إيجاد مصدر آخر لدخل الدولة وتحييد المتغيرات في أسعار البترول.

وهذا هو الفرق بين الصندوق السيادي وبين احتياطيات البنك

المركزي التي يستنزف فيها من الأصل (رأس المال).

الخلاصة، 

أنه يجب أن لا يفرغ معنى الصندوق السيادي من مضمونه الحقيقي ومعناه الاقتصادي

بالتركيز الخطأ على العائد الاستثماري فقط.

فما جاء في التصريح الأخير لوزير المالية بمناسبة إعلان الميزانية،

أن العائد على الاستثمارات الخارجية لمؤسسة النقد كان متميزا خلال السنين الماضية،

وبلغ نحو 11 في المائة خلال السنوات الخمس الأخيرة

و8 في المائة على مدى عشر سنوات؛

لا تعتبر تلك الاستثمارات صندوقا سياديا مستقلا،

فهي مفتوحة على المصروفات الحكومية،

وكل مبلغ يصرف بالريال يقابله استنزاف ما يعادله بالدولار

من تلك الاحتياطيات من أصل رأسمال الاحتياطي وليس العائد.

أي أنها احتياطيات بنك مركزي لتلبية احتياجات وزارة المالية في الإنفاق العام على المدى القصير.

وهذا ما يفسر اعتراض وزارة المالية على إنشاء صندوق سيادي مستقل.

لهذا فالنقلة النوعية المطلوبة في هذا الأمر على المستوى الوطني

تتطلب إعادة رسم السياسة المالية للدولة نحو التحوط للمستقبل بشكل جدي

يتعدى "معاكسة الدورات الاقتصادية".

وأن يكون الأمر مدروسا بما يخدم المصلحة العامة والأمن الاقتصادي للمملكة.

http://www.aleqt.com/2015/01/02/article_919616.html