الجمعة، 28 نوفمبر، 2014

خفض الإنتاج بمعقولية مع وضع حد أدنى يجنِّب «أوبك» خطأ الثمانينيات


25/11/20149

د. عبدالرحمن محمد السلطان
د. عبدالرحمن محمد السلطان


نتج عن الارتفاع الكبير في أسعار النفط الخام بعد الثورة الإيرانية في عام 1979

انخفاضٌ كبيرٌ في الطلب العالمي على النفط وزيادة كبيرة في إنتاج النفط خارج أوبك،

وفي محاولة من أوبك للدفاع عن أسعار النفط عند حوالي 28 دولاراً للبرميل

لجأت إلى القيام بدور المنتج المتمم Swing producer،

أي أن تنتج ما يكفي من النفط للمحافظة على الأسعار عند مستوى معين.

هذه الإستراتيجية فشلت بشكل مريع،

فقد أدت إلى انخفاض مستمر في إنتاج أوبك

بحيث وصل في نهاية عام 1985 إلى حوالي 16 مليون برميل يومياً

بعد أن كان يبلغ 30 مليون برميل يومياً في عام 1979،

 تدنت معه حصتها السوقية إلى 30% بعد أن كانت تصل إلى 49% في عام 1979.

وبلغ من سوء الوضع أن أكبر ست دول منتجة للنفط في عام 1985

لم يكن بينها إلا عضو واحد في أوبك هو المملكة العربية السعودية

وبإنتاج لم يكن يتجاوز ثلاثة ملايين برميل يومياً

بعد أن كان إنتاجها يزيد على 8 ملايين برميل يومياً في عام 1979.

أمام هذا الواقع الأليم، وخشية من حدوث تدهور إضافي في إنتاجها وفقد المزيد من حصتها السوقية،

قررت أوبك في ديسمبر 1985 التخلي عن دور المنتج المتمم

وتبنت سياسة تستهدف استعادة حصتها السوقية بأي ثمن،

فتدهورت أسعار النفط بشكل حاد،

بحيث وصلت في بداية عام 1986 إلى ما دون 10 دولارات للبرميل،

وبقيت أسعار النفط متدنية حتى حرب الخليج الأولى عام 1990.

الآن تجد أوبك نفسها في وضع مماثل،

 فهي تخشى إن هي قررت حماية أسعار النفط من خلال تخفيض حجم إنتاجها

أن يتم استغلاله من قبل منتجي النفط الصخري في زيادة حصتهم السوقية،

ما يضطر أوبك إلى إجراء خفض إضافي في إنتاجها،

فتفقد المزيد من حصتها السوقية

وتتكرر مأساة الثمانينيات..

لذا فهي تصر على رفض أي تخفيض في إنتاجها مهما تراجعت الأسعار،

في رهان منها على محدودية قدرة منتجي النفط الصخري على تحمُّل أسعار متدنية.

والسؤال الآن:

هل هذه الإستراتيجية ملائمة، أم أن هناك إستراتيجية أكثر مناسبة في ظل الهيكلية الحالية لسوق النفط العالمية؟ 

الواقع أن الموقف الآن يختلف عما كان عليه في الثمانينيات

بصورة تجعل من الممكن للمنظمة المساهمة في تحقيق استقرار أسعار النفط في نطاق سعري مقبول،

وأن تظهر واقعية أكبر في تقبل الدور البنّاء للنفط الصخري في تلبية الطلب الحالي والمستقبلي على النفط،

وتستطيع المنظمة تحقيق كل ذلك

من خلال قبولها بتخفيض إنتاجها وفق إستراتيجية تتصف بالاستدامة

وأكثر مناسبة من الرفض المطلق لإجراء أي خفض في إنتاج المنظمة،

وذلك للأسباب التالية: 

1 - إنه في الثمانينيات 

فقدت أوبك حصتها في السوق

بسبب حدوث تراجع كبير في الطلب العالمي على النفط

وارتفاع إنتاج الدول غير الأعضاء في أوبك كمنتجي بحر الشمال..

أما الآن

فلدى الاقتصاد العالمي قدرة أكبر على تحمُّل أسعار مرتفعة للطاقة،

بحيث نجد أن الطلب على النفط خلال السنوات العشر الماضية ظل ينمو رغم الارتفاع الكبير في الأسعار،

وهذا وضع مختلف عن الوضع في الثمانينيات 

عندما تراجع الطلب العالمي على النفط بشكل حاد نتيجة ارتفاع أسعار النفط.

أيضاً في الثمانينيات كان هناك تصور خاطئ

بأن تراجع أسعار النفط وفي ظل تكلفة الإنتاج العالية خارج أوبك سيؤدي إلى انخفاض إنتاج تلك البلدان،

وهذا ما لم يحدث

بسبب أن معظم تكلفة الإنتاج هي في الواقع تكلفة غارقة Sunk Cost،

أي تكلفة تم دفعها ولا مجال لاستعادتها،

ومثل هذه التكلفة لا تؤثر في قرارات الإنتاج التي تعتمد على التكاليف المتغيرة فقط

والتي لم تكن مرتفعة بما يدفع إلى تخفيض الإنتاج مع تراجع الأسعار..

 أما الآن

فجزء كبير من تكلفة إنتاج النفط الصخري تكاليف متغيرة في ظل محدودية العمر الزمني لآبار النفط الصخري

والتي تتطلب تطويراً مستمراً لآبار جديدة للمحافظة على حجم الإنتاج،

ومتى ما كان متوسط التكلفة المتغيرة قريباً من أسعار النفط الخام

فسيكون في صالح المنتج تفادي هذه التكاليف من خلال الحد من عمليات التطوير ما سيخفض حجم الإنتاج..

ما يعني 

أن حساسية منتجي النفط الصخري لتغيرات الأسعار

أكبر بكثير من

حساسية منتجي النفط التقليدي خارج أوبك في الثمانينيات،

بالتالي فإن أي انخفاض حاد في الأسعار سيجبرهم على تخفيض إنتاجهم بشكل كبير.

2 - إنه في ظل شح الموارد النفطية التقليدية 

وعدم حدوث أي اكتشافات ذات قيمة خلال الثلاثين عاماً الماضية

 فإن النفط الصخري يلعب دوراً مهماً في حماية احتياطيات دول أوبك من الاستنزاف،

حيث يسهم في تقليل الضغط عليها لزيادة إنتاجها لتأمين حاجة الاقتصاد العالمي من النفط،

وفي ظل كون عدد من دول المنظمة تنتج وفق معدلات تزيد عما يتوافق مع مصلحتها الوطنية

كما يبدو ظاهراً من تكدس احتياطياتها المالية والنمو المبالغ فيه جداً في معدلات الإنفاق الحكومي،

فإن هذه البلدان قادرة على تحمُّل تخفيض في إنتاجها،

والذي إضافة إلى دوره في تحقيق توازن السوق النفطية

سيسهم أيضاً

في إطالة عمر احتياطياتها

ومنح اقتصاداتها فرصة أكبر لتقليل اعتمادها على قطاع النفط

وتنويع قواعدها الإنتاجية

 بصورة لا يمكن لها تحقيقها طالما ظل هناك وفرة مبالغ فيها في إيراداتها النفطية.

3 - إن الحساسية الشديدة لمنتجي النفط الصخري للتغيرات في الأسعار

تعني أن منتجي النفط الصخري أقدر على لعب دور المنتج المتمم من أوبك،

وبالتالي على أوبك أن تعهد بهذه المهمة إليهم بشكل كامل،

بحيث تصبح مهمة أوبك إنتاج كمية معينة من النفط

فإن لم تكن كافية لتأمين حاجة الأسواق 

يكون هناك ضغط على الأسعار للارتفاع

تزداد معه جدوى إنتاج النفط الصخري فيرتفع إنتاجه ويعود الاستقرار للسوق..

وفي حال كون الكمية التي تنتجها أوبك أكبر من حاجة السوق،

فإن الأسعار تتراجع بشكل يجبر منتجي النفط الصخري على تخفيض إنتاجهم،

كونهم أقل قدرة من دول أوبك على تحمُّل أسعار متدنية فترتفع الأسعار..

 وفي الحالتين ستحافظ أوبك على مستويات مستقرة من الإنتاج،

وبالتالي لا تتعرض لأي ضغوط

تفقدها حصتها السوقية

أو تجبرها على زيادة إنتاجها بمعدلات لا تخدم مصالحها الوطنية في المدى الطويل.

في ضوء ما سبق

فإن الإستراتيجية المثلى لأوبك 

ليس رفض تخفيض إنتاجها بالكلية،

كما أنه ليس قبول تخفيض إنتاجها لأي مستوى فتُكَرِر خطأ الثمانينيات،

وإنما في أن توافق على إجراء خفض معقول في إنتاجها

لكن مع وضع حد أدنى لمجمل إنتاجها الذي لا تقبل النزول عنه مهما تراجعت الأسعار..

ومن المناسب التنسيق في هذا الموقف مع الدول المنتجة للنفط التقليدي الرئيسة خارج أوبك كروسيا والنرويج مثلاً،

ما يضمن عدم إقدام تلك الدول على زيادة إنتاجها أو حتى مشاركتها في عملية تخفيض الإنتاج وتحقيق استقرار السوق النفطية.

على سبيل المثال

يمكن أن تقرر أوبك في اجتماعها بعد غدٍ الخميس تخفيض إنتاجها الفعلي

البالغ حالياً حوالي 31 مليون برميل يومياً إلى 30 مليون برميل يومياً

مع استعدادها لإجراء أي تخفيض إضافي مستقبلاً يسهم في إبقاء أسعار النفط ضمن نطاق 70-80 دولاراً للبرميل،

 لكنها لن تقبل تحت أي ظرف كان أن ينخفض إنتاجها الإجمالي إلى ما دون 28 مليون برميل في اليوم مهما تراجعت الأسعار.

هذا الوضوح التام في إستراتيجية المنظمة

سيجعل منتجي النفط الصخري يدركون أنه سيكون هناك ثمن باهظ لأي نمو غير مسئول في إنتاجهم

وسيجبرون على القيام بمهمة المنتج المتمم وتحمُّل مسئولية تحقيق استقرار السوق النفطية،

 فعدم قيامهم بهذا الدور يعني تراجع أسعار النفط إلى مستويات تجعل من غير الممكن لهم تحقيق عائد مقبول على استثماراتهم

بل حتى تعرضهم لخسائر فادحة،

باعتبار أن لدى دول أوبك ميزة نسبية

تجعلها أقدر على تحمل أسعار منخفضة في ظل التفاوت الكبير في تكاليف إنتاج النفط التقليدي وغير التقليدي.

إن أوبك بهذه الإستراتيجية ستبدو منظمة تتصرف بمسئولية وواقعية

تستوعب حقيقة أن النفط الصخري جاء ليبقى

وأن له دوراً فاعلاً ومطلوباً جداً لضمان توازن السوق النفطية لعقود قادمة،

كما تتيح لأوبك التخلي بشكل نهائي عن مهمة المنتج المتمم

وتحميل منتجي النفط الصخري هذه المسئولية

كونهم أقدر عليها ولهم مصلحة أكبر في نجاحها..

فتضمن أوبك استقرار معدلات إنتاجها النفطي

وتصبح أكثر اهتماماً وحرصاً على تنويع مصادر دخلها وقواعدها الإنتاجية،

والذي سيضمن لها نمو اقتصاداتها بمعدلات تفوق كثيراً ما كان سيتحقق لها من وفرة مؤقتة في إيراداتها النفطية

ينتج عنها بالضرورة إضعاف لقدرتها على مواجهة عصر ما بعد النضوب الذي قد يكون أقرب مما نظن.

نقلا عن الجزيرة


خفض-الإنتاج-بمعقولية-مع-وضع-حد-أدنى-يجنِّب-أوبك-خطأ-الثمانينيات