الخميس، 23 أكتوبر، 2014

توماس هوبز مؤسس نظرية الحق الطبيعي


02 اكتوبر (تشرين الأول) 2014 14:11
ذوات - نزهة صادق
كثيراً ما نستعمل جملة "الإنسان ذئب للإنسان"
من دون أن نعلم أنها تعبرعن جوهر "حالة الطبيعة"،
اللبنة الأساس التي اعتمدها هوبز في نظريته،
وهو الفيلسوف
الذي لا يمكن الحديث عن فلاسفة القرن السابع عشر بإنجلترا دون أن نذكره،
حيث يعد أحد أكبر فلاسفة تلك الحقبة وأكثرهم شهرة،
إذ ساهم بشكل كبير في بلورة كثير من الأطروحات
في المجال السياسي والحقوقي،
أهمها نظرية "الحق الطبيعي" التي عرضها في كتابه الشهير "ليفياتان"
(Léviathan).
فبالإضافة إلى اشتغال هوبز بالفلسفة والأخلاق والتاريخ ،
عرف بمساهمته في التأسيس لكثير من المفاهيم التي لعبت دوراً كبيراً
ليس فقط على مستوى النظرية السياسية،
بل كذلك على مستوى الفعل والتطبيق،
وعلى رأسها مفهوم العقد الاجتماعي،
إذ بإعادته نظرياً وعلمياً لبلورة مفهوم العقد الاجتماعي،
المصطلح الذي تردد في تاريخ أدبيات الفكر الإنساني منذ القدم،
وساهم فيه فلاسفة آخرون كجون جاك روسو وجون لوك،
والذي انعكس على أحداث غيرت مجرى التاريخ للعديد من الدول،
كفرنسا مع الثورة الفرنسية،
تمكن هوبز من المساهمة في التقعيد لمفهوم جديد للسلطة،
حيث يراها الشيء الوحيد
الذي يقف بين الأفراد وبين العودة للهمجية، أوحالة الطبيعة.
حاول توماس هوبز الإجابة عن سؤال:
لماذا يجب علينا أن نخضع للسلطة؟
بعد أن وضع نفسه افتراضياً في مرحلة ما قبل المجتمع
وقارن بينها وبين الحالة (المجتمعية)،
ليستنتج بعدها الأسباب التي دعت لنشوء تلك المجتمعات
والمكاسب التي تحققت منها.

وتعتبر فرضية "حالة الطبيعة"
أرضية تأسيسية لغرس وتجذير مفاهيم التحديث والتجديد،
وخلق مجتمع متمدن وإنساني،
إذ إن الإنسان في حالة الطبيعة كان يعيش في حرية مطلقة،
شكلت حالة حرب دائمة بين الإنسان وأخيه الإنسان،
كما أن الحق في هذا السياق تجلى في تلبية الرغبات وإشباعها،
وبهذا الصدد يقول هوبز:
"إن الحق الطبيعي
الذي يسميه الكتاب عادة بالعدل الطبيعي naturel justice
معناه، حرية كل واحد في العمل بكامل قوته، وكما يحلو له،
من أجل الحفاظ على طبيعته الخاصة،
وبعبارة أخرى على حياته الخاصة،
وبالتالي القيام بكل ما يبدو له، حسب تقديره الخاص وعقله الخاص،
أنه أنسب وسيلة لتحقيق هذا الغرض".
استعمل هوبز مفهوم الحق الطبيعي
في تفسيره لكثير من القضايا المطروحة في عصره،
وعرفه بالحرية الممنوحة لكل إنسان لاستخدام قواه الخاصة
للمحافظة على طبيعته،
وفي هذا الصدد تحدث هوبز عن أربعة حقوق طبيعية،
وهي حق البقاء أو المحافظة على الذات،
وهو الأساس الذي تنبع منه جميع الحقوق الأخرى،
حق الدفاع عن الحياة بكل الوسائل المتاحة بما فيها القوة والعنف،
حق تقرير كل أنواع الوسائل الضرورية لتحقيق غاياته،
وتقدير حجم الخطر الذي يهدده،
وحق الملكية؛ أي وضع اليد على أي شيء يجده الإنسان أمامه،
فليست هناك ملكية خاصة، "الجميع يملك كل شيء ولا أحد يملك شيئاً".
يؤكد هوبز أنّ اهتمام الإنسان في الحالة الأصلية يتركز في "المصلحة الذاتية"،
فمع غياب سلطة تجبر الأفراد على التعاون،
استنتج أن الحياة في مثل هذه البيئة ستكون صعبة التحمل وقاسية جدّاً،
لأن كلّ فرد سيكون مهدداً وسيخشى على حياته من الآخر،
كما لن يضمن تلبية حاجاته ورغباته لمدّة زمنية طويلة.
وعليه، فمرحلة (ما قبل المجتمع) الهمجية،
ما هي إلا تجسيد لحياة مستحيلة،
مما يطرح وبقوة ضرورة تكون التجمعات البشرية والقوانين التي تحكمها.

وللخروج من الحالة الهمجية،
رأى هوبز أن العيش معاً
لا يتطلب فقط
خلق "قوانين مشتركة"،
بل أيضاً إيجاد آلية لفرضها عن طريق سلطة حاكمة،
وفي هذه الحالة تصبح حرية الإنسان محدودة بقوانين طبيعية
تلزمه التمسك بالسلام والدفاع عنه والالتزام بالعهود والمواثيق،
وممارسة العدل والمساواة بين الناس،
من دون اللجوء إلى الحقد والكراهية والهمجية،
وكما قال سبينوزا:
"...لنلحظ أن الناس يعيشون في شقاء عظيم
إذا هم لم يتعاونوا،
إذا هم ظلوا عبيداً لضرورة الحياة ولم يعملوا على تنمية عقولهم…
ومن ثم يظهر لنا بوضوح تام
أنه لكي يعيش الناس في أمان، وعلى أفضل نحو ممكن،
كان لزاماً عليهم أن يسعوا إلى التوحد في نظام واحد (الدولة)،
وكان من نتيجة ذلك
أن الحق الذي كان لدى كل منهم على الأشياء جميعاً، بحكم الطبيعة،
أصبح ينتمي إلى الجماعة ولم تعد تتحكم فيه قوته أو شهوته،
بل قوة الجميع وإرادتهم".

وعلى الرغم من أن هوبز كان مناصرًا للملكية المطلقة،
فقد قام بتطوير بعض لبنات الفكر الليبرالي الأوروبي،
كحق الفرد،
والمساواة الطبيعية بين جميع البشر،
والشخصية الاعتبارية للنظام السياسي
التي أنتجت ما سمي بالتمييز بين المجتمع المدني والدولة؛
كما أسس لمفهوم الشرعية
الذي يؤكد بأن القوى السياسية
يجب أن تكون "ممثلة" وقائمة على قبول الشعب؛
وأن التفسير الحر للقانون يتجلى في فعل الناس
ما لم ينص القانون على تجريمه؛
أي احترامهم للعقود وللقوانين المؤسسة لمجتمع مدني،
لأن "الحياة في الحالة الأصلية "منعزلة، فقيرة، حقيرة، همجية وقصيرة".
كانت لتوماس هوبز علاقة خاصة مع الخوف
الشيء الذي جعله ينبش في مفهوم السلطة،
كعامل مولد للاستقرار حسب نظريته،
فعندما ولد في الخامس من أبريل (نيسان)عام 1588،
فقد ولد قبل أوانه،
وذلك عندما سمعت والدته بقدوم غزو الأرمادا الإسبانية، في ويستبورت،
ويقول هوبز عن ذلك لاحقًا:
"لقد وضعت أمي توأمًا: أنا والخوف".
درس هوبز الفلسفة في جامعة أكسفورد، وتخرج عام 1608،
وصار بعدها مربياً خاصاً لوليم كاڤندش Cavendish،
ولشارل الثاني في منفاه في باريس عام 1646،
وهيأ له هذا المنصب فرصة السفر إلى أوربا ثلاث مرات،
وكانت محصلة هذه الرحلة
ترجمته لأهم الدراسات الكلاسيكية
"تاريخ ثوكيديدس" Thucydides (نشرعام 1629).
بعد أن أسس لمجموعة من القوانين الأخلاقية
التي كشف فيها عن أن العقل يلزمنا بها إلزاماً داخلياً،
فتكون بمثابة جوهر للخير،
لا يحتاج إلا لقوة تدعمه وتحوله من الداخل إلى الخارج في إطار متماسك،
دعا هوبز إلى التمسك بالسلام،
والتخلي عن كل الحقوق التي تعوق تواجده،
والالتزام بالمواثيق والعهود،
واحترام الإنسان إلى الآخرين،
دون نفي الشر ومقابلته بالشر،
والمساواة بين الناس وعدم نشر الحقد والكراهية بين الناس،
ودعا إلى التسامح،
والالتزام بمبادئ العدل مع التركيزعلى التوزيع العادل للأشياء بين الناس،
كما أسس لمبدأ العيش المشترك واحترام القاوانين،
بعيداً عن الحياة الهمجية هو الأساس لبناء مجتمع سليم،
ولذلك قال:
"لكل فرد خارج المجتمع الحق في كل شئ،
إلى الحد الذي لا ينتفع فيه بأي شئ، ولا يملك أي شئ،
ولكن في الدولة، يتمتّع كل فرد بحقه الخاص بسلام".