الأحد، 27 يوليو 2014

معدل صرف الدولار أهم عامل يتحكم في سعر الذهب

معدل صرف الدولار أهم عامل يتحكم في سعر الذهب
أ.د. محمد إبراهيم السقا
على مدى التاريخ الإنساني ظل الذهب هو الأصل شبه المطلق للاحتفاظ بالثروة،
وقد استخدم الذهب كنقود باعتباره أهم وسيط للتبادل وأداة الحساب الأساسية عبر التاريخ.
ورغم اختفاء الذهب كعملة نقدية اليوم،
 إلا أنه كمعدن نفيس ظل عبر التاريخ الإنساني كله الملجأ الأخير لتخزين القيمة،
 خصوصا عندما ترتفع مستويات المخاطر المختلفة سواء أكانت اقتصادية أم سياسية.
فالذهب يتسم بخاصيتين في غاية الأهمية له كمعدن،
وهما الندرة والأهمية الكبيرة التي اكتسبها كمعدن عبر تاريخ البشرية،
لذلك يعد أحد أهم أصول الثروة في العالم،
وهو المعدن شبه الوحيد المقبول من جميع الناس وعلى بقاع البسيطة كافة في أي وقت وتحت أي ظروف.
لتحركات سعر الذهب تأثيرات عديدة،
 على المستويين المحلي والدولي ليس هذا مجال التفصيل فيها،
 حيث ينصب تحليلنا اليوم على المحددات الأساسية لأسعار الذهب في العالم.
تشير الدراسات التطبيقية التي تمت على محددات سعر الذهب في العالم،
 إلى أن أهم العوامل التي تحدد سعر الذهب هو معدل صرف الدولار الأمريكي،
ذلك أن الذهب، مثله مثل أي سلعة تجارية في العالم كالنفط والنحاس والألومنيوم.. إلخ،
 يتم تسعيره على المستوى العالمي بعملة العالم، أي بالدولار.
ويفترض من الناحية النظرية أن هناك علاقة عكسية بين قيمة الدولار والذهب،
وهذه العلاقة العكسية لا تنطبق على الذهب فقط، وإنما أيضا على السلع التجارية كافة في العالم، مثل النفط.
 فالزيادة في سعر الذهب تعكس الانخفاض في قيمة الدولار، والعكس.
هذه العلاقة العكسية بين الدولار والذهب
 تنبع من حقيقة أن الذهب أحد أهم أدوات التحوط ضد مخاطر تغيرات معدل الصرف للعملات،
 حيث يمكن للمستثمرين والمتعاملين في سوق النقد الأجنبي
شراء الذهب لتغطية المخاطر الناتجة من ضعف الدولار، وبالتبعية أية عملات أخرى.
غير أن قيمة الدولار تتحدد أساسا من خلال معدل صرفه بالعملات الأخرى،
 ففي الوقت الذي تتراجع فيه قيمة الدولار، فإنه ينخفض بالنسبة للعملات الرئيسة الأخرى في العالم
 كالين الياباني مثلا.
ويعني ذلك أن الدولار الضعيف بالنسبة للين يخفض سعر الذهب بالين الياباني فيزيد الطلب عليه،
 لكن لفترة زمنية قصيرة،
 ذلك أن زيادة الطلب على الذهب في اليابان ستؤدي إلى ارتفاع سعر الذهب بالين الياباني أيضا،
وهكذا بالنسبة لباقي العملات في العالم.
وبشكل عام يزداد الطلب على الذهب خارج الولايات المتحدة
 لأن المشترين يعتقدون أن الذهب سيستمر في الارتفاع بالنسبة للعملة التي اشتروا بها
 سواء أكانت ينا أو ريالا أو غير ذلك،
 فعادة ما يصبح الذهب استثمارا جيدا في الدول التي تواجه عملاتها حالات تراجع مستمر في القيمة.
وهناك اعتقاد أساسي بين المتعاملين في الذهب في العالم اليوم
 أن الدولار لا بد أن ينخفض في القيمة،
 وأن على العالم أن يستعد لهذه النقطة الزمنية التي سينهار فيها الدولار،
وأن الذهب هو أصل التحوط الأساسي ضد تراجع قيمة الدولار،
 رغم أن أحدا لم يقل لنا متى سينهار الدولار من الناحية الواقعية.
من ناحية أخرى، فإنه مع انخفاض قيمة الدولار يرتفع سعر الذهب
 نظرا لأن المستثمرين لن يستثمروا في الدولار عندما تنخفض قيمته،
 وإنما يستثمرون فيه عندما يعتقدون أن قيمته تميل نحو الارتفاع.
فعندما تأخذ قيمة الدولار في الارتفاع
 فإن رؤوس الأموال تتدفق من الدول التي ترتفع فيها مستويات المخاطرة إلى الأصول المقومة بالدولار
 وكذلك التحول عن الذهب،
مثلما حدث أخيرا 
عندما أخذت رؤوس الأموال في التحرك من العملات الناشئة نحو الدولار مع ارتفاع قيمته،
 وانخفض سعر الذهب نتيجة لذلك.
بشكل عام يفترض أن تتحقق هذه العلاقة العكسية بين قيمة الدولار وسعر الذهب في الظروف العادية،
 غير أنه في أوقات الأزمات ليس هناك ضمانا بالضرورة أن تتحقق هذه العلاقة العكسية،
 خصوصا في أوقات الأزمات الحادة.
فخلال الأزمة الحالية على سبيل المثال،
 مالت قيمة الدولار نحو الانخفاض في أوقات كثيرة ومع ذلك انخفض سعر الذهب،
 وفي أوقات كثيرة ارتفعت قيمة الدولار الأمريكي، ومع ذلك استمر سعر الذهب في الارتفاع.
هذا الاضطراب في العلاقة بين قيمة الدولار وسعر الذهب
 منبعه الأساسي هو اتجاهات المضاربة على الذهب في أوقات الأزمة؛
 ذلك أن الطلب على الذهب في الوقت الحالي ينبع جانب كبير منه لأغراض المضاربة
 المرتبطة بالمخاطر الاقتصادية في العالم، التي تعد العامل الأساسي في الطلب على الذهب في الوقت الحالي.
وبالتالي فإنه حالما تنتهي الأزمة،
وتعود الأوضاع الاقتصادية في العالم إلى طبيعتها،
 ستستقر هذه العلاقة العكسية بين قيمة الدولار وسعر الذهب.
من أهم العوامل التي تؤثر على سعر الذهب في الأجل القصير أيضا معدل التضخم في الولايات المتحدة.
 وقد أثبتت الدراسات التطبيقية أن هناك علاقة موجبة بين التغير في سعر الذهب ومعدل التضخم الأمريكي.
وتنبع هذه العلاقة الطردية بين التضخم وسعر الذهب من أثر التضخم على القوة الشرائية للدولار،
ذلك أن ارتفاع معدل التضخم الأمريكي يعني تراجع القوة الشرائية للدولار،
ما يتطلب ضرورة ارتفاع سعر الذهب بسبب تزايد الطلب بدافع التحوط ضد مخاطر التضخم،
 الذي يمثل أحد أهم دوافع الطلب على الذهب.
غير أن البيانات المتاحة تشير إلى أن الذهب ليس أصلا جيدا للتحوط ضد التضخم،
 أي أن من يشتري الذهب للاحتفاظ به لفترة طويلة
 فإنه يخسر من الناحية الحقيقية
 لأن التغيرات في سعر الذهب لا تماشي التغيرات في معدل التضخم.
وقد أثبت ذلك في أحد المقالات عن الذهب هنا في صحيفة "الاقتصادية"
بعنوان: "جدل حول الذهب (3): هل يوفر الذهب حماية ضد التضخم؟".
كذلك هناك علاقة في الأجل الطويل بين سعر الذهب والمستوى العام للأسعار في الولايات المتحدة،
حيث يتغير سعر الذهب بصورة طردية مع تغيرات المستوى العام للأسعار في الولايات المتحدة.
ففي دراسة لمجلس الذهب العالمي
 تم التوصل إلى أن ارتفاع المستوى العام للأسعار في الولايات المتحدة في الأجل الطويل
 يؤدي إلى زيادة سعر الذهب بالنسبة نفسها،
 وهو ما نظر إليه على أنه يؤكد فرضية 
أن الطلب على الذهب يتم أساسا لأغراض التحوط ضد مخاطر التضخم.
يتأثر الذهب أيضا في الأجل القصير بطبيعة المخاطر بأشكالها المختلفة،
 لذلك ليس من المستغرب أن نجد أن أسعار الذهب تميل نحو الارتفاع
عندما تبدو في الأفق أية تطورات معاكسة
 ترفع من مستويات المخاطر الاقتصادية أو السياسية سواء في المستوى الإقليمي أو الدولي.
حيث يزداد الطلب على الذهب بدافع الاحتياط،
 وتأخذ أسعاره في الارتفاع بالتبعية،
 وقد شهدت الأزمة الحالية تقلبات عنيفة في سعر الذهب مع تدفق المعلومات عن الأداء الاقتصادي الأمريكي.
فعندما تأتي التقارير الأمريكية بأخبار سيئة حول أداء الاقتصاد الأمريكي
فإن الطلب على الذهب يرتفع على خلفية تزايد المخاطر الاقتصادية ويزداد سعر الذهب تبعا لذلك،
لكن هذا الطلب لا يستمر في الارتفاع لكل الوقت.
فعندما تصبح الأوضاع عادية
 يقل الطلب على الذهب لهذا الغرض
ويقتصر الطلب عليه للأغراض الأساسية مثل الصناعة والزينة.
كذلك يتأثر سعر الذهب باتجاهات السياسة النقدية الأمريكية،
 وبصفة خاصة فيما يتعلق بمعدلات التغير في عرض الدولار، فعندما يرتفع عرض الدولار يرتفع سعر الذهب.
ذلك أن الطلب على الذهب يستند في جانب منه إلى حقيقة أن النقود تصدر في مقابل ديون حكومية،
وبالتالي تعتمد الثقة فيها على الثقة في ديون الدول التي تصدرها ومدى الثقة في قوة اقتصادها.
وعلى عكس النقود الورقية، فإن الذهب معدن له وجود مادي وينظر إليه على أنه المخزن المطلق للقيمة،
 وبالتالي فإنه يمثل أحد أهم الأصول في قائمة الثروة.
يعتمد سعر الذهب أيضا على معدل الفائدة الحقيقي (معدل الفائدة الاسمي مطروحا منه معدل التضخم)،
حيث يمثل معدل الفائدة الحقيقي تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب،
 ولذلك يتوقع أن تكون هناك علاقة عكسية بين معدل الفائدة الحقيقي وسعر الذهب.
فعندما ترتفع معدلات الفائدة الحقيقية،
 يزداد الطلب على الأصول المالية المدرة للفائدة، ويقل الطلب بالتبعية على الذهب،
 أي أنه يتوقع في الفترات التي تكون فيها أسعار الفائدة منخفضة مثل الوقت الحالي
 أن يزداد سعر الذهب نظرا لتزايد الإقبال عليه وانخفاض جاذبية الأصول المدرة لعوائد من الفائدة.
ونظرا لأن معدلات الفائدة الاسمية في الولايات المتحدة حاليا شبه صفرية،
 فإنه بأخذ معدل التضخم في الاعتبار، تصبح معدلات الفائدة الحقيقية في الولايات المتحدة حاليا سالبة،
 لذلك يستمر سعر الذهب في أن يكون مرتفعا.
وعلى ذلك، من المتوقع أن ينخفض سعر الذهب عالميا
عندما ترتفع معدلات الفائدة الحقيقية في الولايات المتحدة،
حيث تصبح الأدوات التي تدر فائدة مثل السندات الأمريكية أكثر جاذبية من الذهب.
ويرجع ذلك إلى أن الذهب معدن عقيم،
 فالذهب لا يولد أرباحا ذاتية كمعدن لأنه لا ينمو من الناحية المادية بمرور الوقت،
 بينما تقدم الأصول المالية البديلة تلك الميزة.
وأخيرا، فإن هناك علاقة بين سعر الذهب وسعر السلع التجارية الأخرى في العالم،
 بصفة خاصة النفط، فمع ارتفاع أسعار النفط ترتفع أسعار الذهب والعكس،
 وبشكل عام من المفترض أن ترتفع السلع التجارية سويا.