السبت، 28 يونيو 2014

عصر معدلات الفائدة الاسمية السالبة

عصر معدلات الفائدة الاسمية السالبة

أ.د. محمد إبراهيم السقا

في الأسبوع الماضي ناقشنا الأسباب التي دفعت البنك المركزي الأوروبي إلى تبني معدلات الفائدة الاسمية السالبة

 لمواجهة تطورات الأزمة الاقتصادية الأوروبية،

 اليوم نتناول بالتحليل 

ماهية هذه السياسة غير التقليدية

 واحتمالات نجاحها في معالجة المشكلات التي يواجهها الاقتصاد الأوروبي.

من المعلوم أن هناك حدا أدنى لمعدلات الفائدة الاسمية السالبة، وهو أن يصل معدل الفائدة إلى الصفر،

بعدها يفترض من الناحية النظرية أن يتوقف معدل الفائدة عن الانخفاض،

 لأن ذلك يعني تحول معدلات الفائدة على المودعات من الصفر إلى النطاق السالب،

وبدلا من أن تقوم البنوك بدفع فوائد على المودعات فإنها تحصل على فائدة من المودعين،

ويصبح معدل الفائدة السالب بمثابة ضريبة على المودع يدفعها إلى البنك.

لم تكن معدلات الفائدة السالبة التي تبناها البنك المركزي الأوروبي أول محاولة يقوم بها بنك مركزي

 ليتجاوز الحد الأدنى لمعدلات الفائدة الاسمية،

إنما سبقه البنكان المركزيان السويسري والياباني،

 وفي خضم الأزمة الحالية قام بنك السويد المركزي بتبني معدلات الفائدة السالبة،

كذلك تبنى بنك الدنمارك السياسة نفسها في 2012،

الغايات التي يسعى البنك المركزي الأوروبي إلى تحقيقها من هذه السياسة متعددة،

 أولها إضعاف اليورو بالنسبة لعملات العالم الأخرى،

 وهذا أمر مطلوب في الوقت الحالي لتحسين الوضع الخارجي لتلك الاقتصادات،

بل إن بعض المراقبين نظر إلى الخطوة على أنها بمنزلة إعلان حرب عملات من جانب منطقة اليورو،

 حيث من الممكن أن تجر هذه الخطوة البنوك المركزية الأخرى إلى اتخاذ إجراءات مماثلة

 للحفاظ على العلاقة بين عملاتها واليورو حتى لا تتدهور تنافسيتها نتيجة الإجراءات،

 لكني أعتقد أن شبح حرب العملات أصبح بعيدا الآن،

 بعد أن تجاوز العالم الأسوأ في مراحل الأزمة،

كما أن قادة العالم أكدوا في أكثر من مرة في لقاءاتهم من خلال مجموعة العشرين

 أنهم لن يلجأوا إلى هذه السياسة لمعالجة آثار الأزمة.

ثاني هذه المستهدفات هو رفع معدلات التضخم،

 وهو أمر مطلوب في ظل تراجع اتجاهات التضخم خلال السنوات الماضية

على النحو الذي يحمل آثارا سلبية على النمو الاقتصادي،

 أما ثالثها،

وهو أكثر هذه الغايات التي يتناولها المراقبون بالتحليل،

 فهو إجبار البنوك غير الراغبة في مد خطوط الائتمان في الاقتصاد الأوروبي على القيام بذلك

حتى تتجنب أن تدفع فائدة على الأموال التي لا تقرضها،

وهو أمر مرغوب أيضا في ظل هذه الظروف لتغذية الطلب الكلي في الاقتصاد الأوروبي،

هذا بالطبع بافتراض أن البنوك تهتم بالدرجة الأولى بالفائدة التي ستدفعها،

 غير أنه ليس هناك ما يؤكد قيام البنوك بذلك

 نظرا لأن البنوك لا تأخذ في الاعتبار عنصر العائد فقط،

 إنما أيضا تهتم بجوانب المخاطرة عند منح الائتمان،

 خصوصا في أوقات الأزمات،

 من ناحية أخرى فإن القضية الأهم في هذا الجانب

 ليست في إقدام البنوك على منح الائتمان، بقدر ما هي هل هناك طلب فعلي على الائتمان من جانب قطاع الأعمال؟

من ناحية أخرى، فإن البعض يعتقد أن معدلات الفائدة السالبة تخفض من مستويات الائتمان التي تمنحها البنوك،

وليس العكس،

 ذلك أنه يفترض عندما تنخفض معدلات الفائدة إلى الصفر أو أدنى من ذلك

 فإن الائتمان المحلي ينخفض نتيجة السلوك الاستثماري للبنوك.

 فالبنوك تحاول أن تحتفظ بمدخرات الأفراد من خلال منحهم معدلات فائدة معقولة،

 وهو ما قد يقلل من الإقراض للشركات والقطاع العائلي لأن العائد على هذا الإقراض سيكون منخفضا،

 وبدلا من ذلك قد تفكر البنوك في الاستثمار في الأصول ذات العوائد الأعلى.

كذلك يرى المراقبون أنه ليس من المتوقع أن يترتب على الخطة آثار عميقة في الاقتصاد الأوروبي،

 ذلك أنه كي ينجح البنك المركزي الأوروبي في تحقيق مستهدفاته

 لا بد أن تمتلك البنوك الأوروبية قدرا هائلا من السيولة

 على النحو الذي يجعل الاحتفاظ بالسيولة الفائضة أمرا مكلفا بالنسبة لهذه البنوك،

 غير أن البنوك الأوروبية هذه الأيام لم تعد تحتفظ بالقدر نفسه من السيولة التي كانت تحتفظ بها من قبل في أوج الأزمة،

 فوفقا لبعض التقديرات تراجعت مودعات البنوك لدى البنك المركزي الأوروبي

 من نحو 800 مليار يورو إلى 100 مليار يورو فقط حاليا،

بينما يرى بعض المحللين أن معدلات الفائدة السالبة ستؤثر في كمية ضئيلة فقط من النقود،

 حيث يقدر أن هذه الاحتياطيات الزائدة لدى البنوك الأوروبية لا تزيد على 30 مليار يورو في نهاية أيار (مايو) 2014،

ومثل هذه الكمية من النقود ليس من المتوقع أن تحدث فارقا كبيرا يؤثر في اقتصاد منطقة اليورو،

 وفي ظل هذه الأوضاع فإن معدل الفائدة السالب ربما لا يؤدي إلى المزيد من الإقراض،

 لأن المزيد من الإقراض يتطلب المزيد من رأس المال

 الذي ستحتاج إليه البنوك في هذه الحالة لاستيفاء بعض متطلبات المخاطرة، وفقا لمؤشرات رأس المال / الأصول،

 وبالتالي فليس من المتوقع أن تكون البنوك راغبة في عمليات الإقراض في الأجل القريب.

كذلك يتوقع أن يكون الأثر على عرض النقود ضئيلا،

 عندما يقوم البنك المركزي الأوروبي بوقف حالات التعقيم عند قيامه بشراء السندات

 الأمر الذي يسمح لعرض النقود بالتزايد،

ويحدث التعقيم عندما يقوم البنك المركزي باسترداد ما يضخه من نقود في جسد الاقتصاد مرة أخرى،

 من خلال إصدار المزيد من السندات قصيرة الأجل،

 وبما أن محتفظات البنك المركزي من السندات في ظل برنامج السندات السوقية، لا تزيد على 165 مليار يورو،

 فإن الأثر في عرض النقود سوف يكون صغيرا.

أكثر من ذلك فإنه في خضم هذه الخطة سيمارس البنك المركزي الأوروبي عمليات التيسير الكمي

من خلال زيادة حجم ميزانيته عن طريق برنامج شراء السندات المضمونة بالأصول،

 غير أنه ليس هناك تأكيدات بأن هذه الخطة سيتم تطبيقها

 نظرا لأن حجم سوق السندات المضمونة بالأصول يعد محدودا بشكل عام في أوروبا،

 ما يعني أن آثار السياسة في ميزانية البنك المركزي ستكون محدودة.

ربما يكون أكثر الإجراءات المتوقعة من حيث الفاعلية

 هي خطة البنك المركزي الأوروبي المسماة "التمويل في مقابل الائتمان"،

 حيث سيقوم البنك المركزي بتدبير سيولة أكثر للبنوك، في مقابل قيام البنوك بالإقراض،

وذلك من خلال توسيع نطاق القروض للبنوك لمدة أربع سنوات وعلى أساس معدلات فائدة ثابتة 0.25 في المائة،

وذلك في مقابل قيام البنوك بتوسيع عمليات الإقراض،

ووفقا للخطة ستتمكن البنوك الأوروبية من اقتراض ما يقارب 400 مليار يورو،

وفي حالة عدم قيامها بالإقراض سيطلب منها رد القروض إلى البنك المركزي الأوروبي مرة أخرى.

باختصار 

على الرغم من تعدد جوانب الخطة التي سيطبقها البنك المركزي الأوروبي لتحفيز اقتصاد منطقة اليورو،

 وعلى رأسها فرض معدلات سالبة للفائدة،

فإن الآثار المتوقعة لهذه الخطة ربما تكون محدودة،

وأن الأمر ربما يتطلب تحفيزا ماليا وليس نقديا،

 على الرغم من مخاطره المرتبطة بارتفاع مستويات الديون السيادية لدول مثقلة أصلا بالديون.