الجمعة، 30 مايو 2014

ثورة النفط الصخري .. مرة أخرى


ثورة النفط الصخري .. مرة أخرى
أ.د. محمد إبراهيم السقا

مكنت تكنولوجيا إنتاج النفط الصخري، بصفة خاصة التكسير الهيدروليكي والحفر الأفقي،

 منتجي النفط الصخري من الوصول إلى كميات متزايدة من النفط في الصخور،

كما لعب استمرار أسعار النفط مرتفعة، دورا مهما في استغلال النفط الصخري في الولايات المتحدة.

أثار انتشار النفط الصخري ردود فعل متباينة بين مؤيد ومعارض

لفكرة أن يلعب النفط الصخري دورا في السوق العالمية للنفط الخام،

وذلك استنادا إلى ارتفاع تكاليف استخراجه وخطورة الآثار البيئية المترتبة على عمليات إنتاجه

 وضعف إنتاجية مكامن الإنتاج وقصر عمرها الإنتاجي،

في الوقت الذي وجدت فيه أمريكا ضالتها للتخلص من تبعيتها للنفط المستورد وزيادة اكتفائها الذاتي في مجال الطاقة

من خلال المصادر غير التقليدية كالنفط والغاز الصخري،

ويوما بعد يوم تتزايد الكميات التي تنتجها الولايات المتحدة يوميا من النفط الصخري

لتثبت أن من عارض جدوى عمليات إنتاج النفط الصخري كان على خطأ،

حيث يعود الفضل للغاز والنفط الصخري في ارتفاع درجة اكتفاء الولايات المتحدة من الطاقة بشكل أساسي،

ويقدر أن درجة اكتفائها الذاتي تصل حاليا إلى ما يقارب 90 في المائة من احتياجاتها،

بل لقد وصل الحال إلى أن بعض الأصوات بدأت تتعالى داعية الحكومة الأمريكية إلى رفع الحظر على تصدير النفط،

خصوصا أن جانبا مما يتم إنتاجه من النفط الصخري لا يتوافق مع طبيعة المصافي القائمة حاليا في الولايات المتحدة

لأنه ثقيل من حيث الكثافة.

أكثر من ذلك ينظر حاليا إلى الإنتاج من النفط الصخري الأمريكي

 بأنه ساعد بالفعل على تعويض الانخفاض في العرض العالمي من النفط خارج الولايات المتحدة،

فقد كان من المتوقع أن يتراجع العرض العالمي للنفط بين 2011-2013، بصفة خاصة من المكسيك وإيران والجزائر وليبيا،

 وأن إنتاج النفط الصخري الأمريكي ساعد على استقرار أسعار النفط عند مستوى متوسط 100 دولار للبرميل،

وأنه لولا النمو في العرض الأمريكي من النفط والغاز الصخري

لكانت أسعار الطاقة من مصادرها التقليدية أعلى بكثير من أسعارها السوقية في الوقت الحالي،

ولاضطر العالم إلى دفع أسعار أعلى للطاقة.

هذا الأسبوع أصدرت وكالة معلومات الطاقة الأمريكية تقريرا بعنوان Annual Energy Outlook 2014

الذي احتوى على معلومات جديدة عن آفاق إنتاج النفط الصخري وسيناريوهاته المستقبلية في الولايات المتحدة،

وكشف التقرير عن أنه على المدى القصير بلغ إنتاج الولايات المتحدة في نيسان (أبريل) الماضي 8.3 مليون برميل يوميا،

وهو أعلى مستوى إنتاج تحققه الولايات المتحدة منذ 1988،

ومن المقدر أن يرتفع الإنتاج اليومي إلى 9.2 مليون برميل في 2015، أي بزيادة نحو مليوني برميل عن عام 2013،

وهو ما يساوي أعلى إنتاج للولايات المتحدة منذ 1972،

وساعد الإنتاج المحلي من النفط على رفع المخزون الأمريكي في أواخر نيسان (أبريل) الماضي إلى نحو 400 مليون برميل،

 وهو أكبر مخزون تحتفظ به الولايات المتحدة في تاريخها.

في عام 2010 بلغ إنتاج الولايات المتحدة من النفط الصخري أقل من مليون برميل يوميا،

 إلا أن وكالة معلومات الطاقة تتوقع أن يصل إجمالي الإنتاج اليومي من ست مناطق مختلفة لإنتاج النفط الصخري في أمريكا

 إلى نحو 4.43 مليون برميل يوميا الشهر المقبل،

بل وفقا لبعض السيناريوهات يتوقع أن تنتج الولايات المتحدة نحو 8.5 مليون برميل يوميا من النفط الصخري عام 2035.

غير أن تقديرات الاحتياطيات والتنبؤات المستقبلية للإنتاج من النفط الصخري تخضع بشكل كبير للافتراضات المحيطة بالمنطقة

 التي توجد فيها التكوينات الصخرية،

 ودرجة التطور التكنولوجي لوسائل الإنتاج التي بدورها تقلل من تكلفة الاستخراج وترفع من الإنتاجية

 التي يمكن تحقيقها في التكوين الصخري،

ومن ثم فإن هذه التقديرات لمكامن النفط الصخري في العالم والكميات القابلة للاستخراج منها مسألة ديناميكية

 تتغير بشكل كبير بمرور الوقت،

 ولا يمكن الركون إلى تقدير محدد لاحتياطيات النفط الصخري على أنها تمثل الكميات التي يمكن أن تنافس النفط التقليدي.

بالطبع يواجه إنتاج النفط الصخري بعض العوائق الفنية، خصوصا فيما يتعلق بتكنولوجيا الاستخراج،

 التي في بعض الأحيان قد تعوق عملية الإنتاج بشكل شبه كامل،

على سبيل المثال وفقا لدراسة أجريت لحساب إدارة الطاقة الفيدرالية الأمريكية

كان من المقدر أن يتم استخراج 13.7 مليار برميل نفط صخري

من تكوينات ما يسمى الصخر النقدي Monterey Shale في كاليفورنيا،

 وذلك استنادا إلى سهولة استخراج مثل تلك الاحتياطيات المتوافرة في التكوينات الصخرية،

 وبأن عملية استغلال النفط الصخري من هذه المكامن ستوفر نحو 2.8 مليون وظيفة في كاليفورنيا

وتولد دخلا قدر بنحو 24.6 مليار دولار سنويا،

 إلا أن تقديرات جديدة للكميات التي يمكن استخراجها من الصخر النقدي باستخدام التكنولوجيا الحالية

 تشير إلى أن الإنتاج المتوقع ربما يقتصر على 600 مليون برميل كحد أقصى فقط،

 وأن التطور التكنولوجي هو الوحيد الكفيل بتعزيز مستويات استخدام هذا النفط.

 بالطبع هذه التقديرات التي ربما يفرج عنها في الشهر القادم

 تعد مخيبة لآمال الولايات المتحدة في تحقيق اكتفائها الذاتي من الطاقة،

 حيث يقدر أن تكوينات الصخر النقدي تحتوي على ثلثي احتياطيات الولايات المتحدة من النفط الصخري.

غير أن بعض المراقبين يرى أنه على الرغم من أن هناك مشكلات في استغلال تكوينات الصخر النقدي في الوقت الحالي

 راجعة لعوامل طبيعية في تلك التكوينات، إلا أن التطور التقني يمكن أن يسمح باستغلالها،

 وهناك تفاؤل كبير بأن الطرق الحديثة في استخراج النفط الصخري

 ستفتح المجال لاستخراج الكميات الهائلة من النفط الموجودة حاليا في المنطقة.

وأخيرا يشير تقريرAnnual Energy Outlook 2014 إلى أن هناك سيناريوهين

 حول الإمكانات الكامنة لاستخراج النفط الصخري في الولايات المتحدة واحد تفاؤلي والآخر تشاؤمي،

والسيناريوهان مختلفان بشكل واضح من حيث الافتراضات حول الكميات التي يمكن استخراجها بالفعل،

 ووفقا للسيناريو التفاؤلي يتوقع أن يصل إنتاج الولايات المتحدة من النفط إلى نحو 13 مليون برميل يوميا بحلول عام 2035،

 في الوقت الذي يتوقع فيه أن تصل واردات الولايات المتحدة من النفط الخام في 2037 إلى الصفر،

 أما السيناريو التشاؤمي فيقدر الإنتاج في 2017 بنحو 9.1 مليون برميل فقط، ينخفض إلى 6.6 مليون برميل في 2040،

وهو ما يؤدي إلى رفع درجة الاعتماد الخارجي للولايات المتحدة على النفط المستورد.

وعلى الرغم من ثقة الكثير من المراقبين بالسيناريو التفاؤلي

فإن "الأوبك" تتوقع أن إنتاج النفط الصخري في أمريكا سيلعب دورا جوهريا في سوق النفط العالمية،

 لكن "أوبك" تشكك في استدامة هذا التأثير على المدى البعيد،

 حيث يتوقع أن يستمر الإنتاج الأمريكي في الزيادة، لكنه سيتراجع بعد ذلك

 وفقا لتصريحات عبد الله البدري الأمين العام لـ "أوبك"،

 وأيا كان الحال فإنه من الواضح أن ثورة النفط الصخري بدأت تحدث تأثيرا واضحا في معطيات السوق العالمية للنفط،

 وأن امتداد عمليات الإنتاج خارج الولايات المتحدة قد يقلب موازين العرض العالمي للنفط الخام.


http://www.aleqt.com/2014/05/23/article_851177.html