السبت، 15 فبراير، 2014

هل هناك فقاعة جديدة لأسعار المساكن في دبي؟


 Safe Heaven
أ.د. محمد إبراهيم السقا
في تقريرها عن التطورات في الطلب على المساكن الجديدة في العالم

أشارت مؤسسة Knight Frank للاستشارات العقارية إلى أن الطلب العالمي على تلك المساكن

كان الأعلى عالميا في هونج كونج ودبي،

فمنذ 2009 ازداد الطلب على المساكن في هاتين البقعتين بنسبة 81 في المائة و63 في المائة على التوالي،

على الرغم من الانهيار الذي شهدته أسعار المساكن في أعقاب الأزمة المالية العالمية،

أكثر من ذلك ففي مسح للمؤسسة عن اتجاهات المستثمرين الدوليين في الطلب على المساكن،

أشار 47 في المائة منهم إلى أنهم يبحثون دائما عن البقع الآمنة للاستثمار

التي يطلق عليها الجنة الآمنة Safe Heaven، والتي من بينها دبي.
من الطبيعي أن يصاحب هذا النمو الكبير في الطلب ارتفاع أسعار المساكن في دبي

الذي قدرته مؤسسة Knight Frank في مؤشرها Knight Frank Global House Price Index

عن النمو في أسعار المساكن في العالم بنحو 28.5 في المائة،

عن الفترة من الربع الثالث 2012 حتى الربع الثالث 2013،

وفي ترتيبها لدول العالم وفقا لمعدلات الارتفاع في الأسعار

جاءت دبي في المركز الأول عالميا، تليها الصين بمعدل ارتفاع 21.5 في المائة خلال الفترة ذاتها،

ثم هونج كونج وتايوان وإندونيسيا.
كمركز إقليمي وعالمي للاستثمار العقاري،

لا تبني دبي مساكن لمواطنيها،

وإنما تبني مساكن للعالم أجمع وتطرحها لمن يرغب في الاستثمار فيها،

أو بالأحرى في المضاربة عليها من المقيمين في الإقليم أو الخارج،

بالطبع كلما ارتفع معدل الزيادة في أسعار المساكن داخل الإمارة

ازداد الإقبال عليها وازدادت جاذبية قطاع المساكن للمستثمرين من شتى أنحاء العالم

الذين يبحثون عن العائد المرتفع في غضون فترة زمنية قصيرة،


وقد تعددت المشروعات الإسكانية الضخمة والفاخرة في الوقت ذاته قبل انهيار 2008،

غير أن الأزمة أدت إلى ركود في سوق المساكن في الإمارة

مع تراجع الأسعار لأكثر من 60 في المائة في بعض الحالات،

وتوقف بعض المطورين عن رد مستحقات من قاموا بالحجز في هذه المشروعات،

وفي خطوة لتعزيز مركز دبي السكني في العالم

انطلقت في 2012 عدة مشروعات ضخمة على رأسها مدينة محمد بن راشد،

كما عادت حمى بناء الأبراج من جديد مدفوعة بالتطور الإيجابي لدى المستثمرين في الطلب على مساكن الإمارة.

ذلك أن فورة الأسعار تغري بإدخال المزيد من المشروعات

للاستفادة من ارتفاع الطلب وتحقيق أرباح استثنائية من نمو الطلب،

ولضمان تدبير الاحتياجات التمويلية للبناء من خلال أكبر قدر من حجوزات المساكن.
أدت عودة الارتفاعات في أسعار المساكن في دبي

إلى تزايد الكتابات التي تتحدث من عودة الفقاعة السعرية للمساكن في الإمارة.

ففي أوائل العام الماضي حذر صندوق النقد الدولي

من أن هناك فقاعة عقارية جديدة تتكون في دبي مع ارتفاع أسعار المساكن فيها على نحو واضح،

قدّرها الصندوق بنحو 16 في المائة في الربع الأول من العام الماضي،

وعلى الرغم مما أثاره تحذير الصندوق من صدى في وسائل إعلام المنطقة،

إلا أن ذلك لم يوقف التسابق نحو الاستثمار في سوق المساكن في دبي،

خصوصا بعد فوزها بتنظيم معرض إكسبو 2020،

 حيث اندفع المستثمرون نحو الإمارة على نحو واضح،

مع أنه ليس من المفترض أن يترتب على استضافة مثل هذا المعرض الدولي لمدة ستة أشهر

أن يحدث هذا النمط من التدافع على الشراء.
يعرف روبرت شيلر عالم الاقتصاد المتخصص في هذا المجال الحائز على جائزة نوبل

فقاعة المساكن على أنها 

"وباء اجتماعي تعززه العدوى بين الأشخاص في هذا المجتمع،

وتتكون الفقاعة عندما تنتقل العدوى بين الأفراد 

والخاصة بوجهات النظر التي تدعم الفقاعة"،

 فانتشار التقليد من شخص إلى آخر مدفوعا بمعدلات العائد التي حصل عليها الآخرون،

أو سعيا وراء العائد السريع الذي يمكن أن يكون الغير قد حققه،

هو الذي يدفع بالقطيع إلى الهرولة نحو الأصول غير مبالين بطبيعة المخاطر

التي يمكن أن يتعرضوا إليها في حال انهيار أسعارها،

إنه نفس السلوك الذي يتكرر في كل مرة تتشكل فيها فقاعة سعرية لأصل محدد في العالم

على اختلاف الثقافات أو الموقع الجغرافي،

والعجيب أنه في كل مرة تنشأ فيها فقاعة لسعر أحد الأصول

تنتشر بين المتعاملين في الأصل عبارة

"الوضع هذه المرة مختلف This time is different"،

وهي نفس هذه العبارة التي تتداولها الكتابات التي تتناول أوضاع مساكن دبي في الوقت الحالي،

نافية احتمال أن يكون هناك تشابه بين ما يحدث حاليا وما حدث في 2008،

وبالطبع هناك عشرات التبريرات لاختلاف الوضع.
بغض النظر عما يحدث للأسعار،

فمن الواضح أن هناك عودة قوية للمضاربين من شتى أنحاء العالم لسوق المساكن في دبي،

فالخليجيون ينظرون إلى دبي على أنها مركز آمن لتحقيق الأرباح السريعة

في مناخ لا يختلف كثيرا عن أماكن إقامتهم ويسهل الوصول إليه،

بل بفضل روابط بعضهم الوثيقة مع سكان الإمارة يمكن متابعة استثماراتهم هناك بصورة لصيقة،

بينما تمثل دبي بالنسبة للأوروبيين جنة للاستثمار دون ضرائب تلاحقهم

على ما حققوه من نمو في مستويات ثرواتهم مثلما هو الحال في دولهم،

حتى الصينيون أخذ اهتمامهم بالإمارة يتزايد في الأيام الأخيرة بعد تصاعد مخاطر سوق المساكن في الصين.
وفقا للتقرير الذي نشرته الاقتصادية يوم الأربعاء الماضي

فإن الأموال التي تتدفق إلى دبي تأتي أساسا من الدول المحيطة في المنطقة،

بصفة خاصة من المملكة،

وحسب تقرير الاقتصادية

 فإن المستثمرين السعوديين يتصدرون مستثمري الخليج بعد الإماراتيين،

حيث بلغت استثماراتهم 4.6 مليار درهم في نهاية العام الماضي،

إضافة إلى أكثر من ملياري درهم في عام 2012.
النمط السائد للمضاربة على المساكن

هو امتلاك العقار ثم بيعه بعد فترة قصيرة للاستفادة من ارتفاع سعره وتحقيق عائد معقول خلال فترة زمنية قصيرة، 

وهو السلوك الذي يغذي الفقاعة ويزيد من مخاطر تكونها.

لذلك يجب أن تعمل حكومة دبي على وقف مثل هذا النمط من المضاربة

بحيث تكون الإمارة مكانا أكثر أمانا للاستثمار بعيدا عن أيدي العابثين من المضاربين،

على سبيل المثال

يمكن فرض "ضريبة تصاعدية على المعاملات العقارية

 يرتفع معدلها كلما قصر المدى الزمني بين شراء العقار وبيعه"،

 حتى تخف حدة التداولات في العقار على المدى القصير،

والتي لا أساس لها سوى المضاربة والضغط على الأسعار نحو الارتفاع

إلى مستويات تضر بالجميع على المدى الطويل.
فما لم يتم كبح جماح ارتفاع أسعار المساكن في الإمارة 

على النحو الذي يحد من مخاطر الفقاعة السعرية

فإن سوق دبي ستظل تواجه مخاطر الانهيار السعري،

وحاليا تفكر الإمارة في إدراج مجموعة من التشريعات التي تحافظ على استقرار سوق المساكن،

بصفة خاصة ضد عمليات المضاربة على الأسعار،

وهو تطور في غاية الأهمية للحفاظ على دبي كمركز لاستقطاب الاستثمارات الدولية في العقار،

ذلك أن استمرار نجاح الإمارة في الحفاظ على هذا المركز 

سيعتمد على مدى نجاحها في ضبط ممارسات المضاربة، 

وهو سلاح ذو حدين للأسف الشديد،

فمن ناحية يساعد على حفظ الوضع الذي تحتله الإمارة على المستوى الدولي كمركز آمن للاستثمار،

لكنه في الوقت ذاته قد يحد من إقدام المضاربين على الاستثمار في الإمارة،

والذي يعتمد أساسا على معدلات النمو المرتفعة في الأسعار، 

وهم من يتطلع إليهم المطورون العقاريون دائما.
ففي محاولة للحد من عمليات المضاربة على أسعار المساكن في الإمارة

قامت الحكومة برفع رسوم تسجيل العقارات من 2 إلى 4 في المائة من قيمة العقار

فضلا عن وضع بعض القيود على عمليات الإقراض العقاري،

غير أنه طالما أن معدلات الارتفاع في أسعار المساكن تتجاوز نسب الرسوم المفروضة على المبادلات العقارية،

فيمكن القول

 إنه ليس من المتوقع أن يترتب على فرض الرسوم وقف اتجاهات المضاربة على المساكن،

إلا إذا كانت معدلات تلك الرسوم مرتفعة إلى الحد الذي يوقف الاتجاه نحو المضاربة،

وهذا ما يجب أن تفكر فيه الإمارة على نحو جدي في الوقت الحالي.
والآن: هل يعني ذلك أن فقاعة أسعار المساكن في دبي مرشحة للانفجار قريبا؟

الإجابة: بالطبع لا، ففقاعة أسعار المساكن عادة ما تستغرق وقتا طويلا قبل انفجارها،

على سبيل المثال

لقد تطلب الأمر سنوات قبل أن تنفجر فقاعة أسعار المساكن في الولايات المتحدة،

مسببة آثارا كارثية على اقتصادات العالم أجمع وما زال يعاني آثارها حتى يومنا هذا.

فقط عندما تصبح أسعار المساكن خيالية 

وتنمو بمعدلات تفوق التوقعات في غضون فترات قصيرة،

وتندلع حمى الشراء بين المضاربين بغض النظر عن مستويات الأسعار،

هنا يمكن الحديث عن قرب انفجار الفقاعة السعرية،

وهذا ما لا يحدث في الوقت الحالي،

فعلى الرغم من التحذيرات من ارتفاع معدلات النمو في أسعار المساكن في الإمارة

إلا أنها ما زالت في نطاق المستويات المعقولة عالميا،

ما قد يفسح المجال أمام حكومة الإمارة لاتخاذ الترتيبات اللازمة للتعامل مع الارتفاع غير المنطقي للأسعار

بحيث تظل معدلات نمو أسعار المساكن تحت السيطرة،

على سبيل المثال

 بفرض ضريبة عقارية على الارتفاع السنوي في قيمة المساكن، خصوصا على غير المقيمين.
وأخيرا أعتقد أن انفجار فقاعة أخرى للمساكن في دبي

سوف يحول سوق المساكن في الإمارة إلى سوق سيئة السمعة من الناحية الاستثمارية،

وهو ما يجب أن تعمل دبي على تجنبه بشتى الطرق،

حتى لا تتحول المباني الشاهقة فيها إلى مساكن للأشباح،

وفي رأيي أن عودة المضاربين للإمارة 

تقتضي ضرورة العمل على تغيير مناخ الأعمال في سوق المساكن

على النحو الذي يسمح لها بتنويع مصادر دخلها من ناحية

وكبح ضغوط المضاربة من ناحية أخرى

وذلك من خلال فرض ضرائب مرتفعة على عمليات التبادل العقاري في الإمارة

إلى الحد الذي يحجم ممارسات المضاربة على المساكن من ناحية

وفي الوقت ذاته يسمح للمالية العامة للإمارة بأن تأخذ حصتها العادلة من هذا النمو في أسعار المساكن.