الخميس، 23 يناير 2014

نشوء الشركات العائلية واندثارها (1)

family businesses
د. مقبل صالح أحمد الذكير
أدت الخلافات التي أخذت تطرأ بين ورثة بعض الشركات العائلية الكبيرة
إلى دق ناقوس خطر اندثار هذه الشركات وتلاشيها وخسارة الاقتصاد الوطني هذه الكيانات الاقتصادية.
 فقد تكونت في بلادنا خلال العقود الخمسة الماضية مئات من الشركات العائلية
التي تملكها عائلات باتت أسماؤها لامعة وشهرتها واسعة في عالم التجارة والصناعة والمال والخدمات.
تتميز هذه الشركات بأنها مملوكة بالكامل لأسر بعينها، أو أن هذه الأسر تملك أغلبية قوتها التصويتية،
فهي التي تمولها بشكل مباشر، وتورَّثها من جيل إلى جيل داخل العائلة الواحدة.
واستطاعت هذه الشركات أن تنمو وتجني أرباحا طائلة - ولا تزال ـ جراء جهود روادها العصاميين الأوائل
الذين نجحوا بالصبر والمثابرة في الحصول
أولا على وكالات علامات (ماركات) منتجات عالمية في مجال متعددة
كالأغذية، والملابس، والسيارات، والأجهزة المنزلية والخدمات البحرية والجوية وسواها.
ثم تمكنوا لاحقا مع نمو الإنفاق الكلي في الاقتصاد من جمع أرباح هائلة أعادوا استثمارها
في قطاعات أخرى عقارية وصناعية ومصرفية،
حتى غدا لبعض هذه الشركات هيمنة ظاهرة في مجالها.
وبلغ مجمل عدد الشركات العائلية في اقتصادنا نحو 800 ألف شركة،
تشكل أكثر من 95 في المائة من مجمل الشركات السعودية العاملة في اقتصادنا،
وباستثمارات قدرت بنحو 250 مليار ريال.
لكن نحو 45 من هذه الشركات العائلية تأتي ضمن أكبر 100 شركة في بلادنا،
فهي تأتي في الترتيب الثاني في القوة الاستثمارية بعد الحكومة، بل إن بعضها يعد حجر زاوية في مجالها.
وحقق كثير منها على مدار عمرها معدلات نمو عالية، فمعظمها شركات ناجحة ومربحة لكن أغلبيتها غير منظمة.
والواقع أن سيادة هذا النوع من الشركات لا تقتصر على بلادنا، بل تشكل ظاهرة عالمية.
بيد أن الفارق الأهم بين شركاتنا ونظيراتها في الدول المتقدمة
هو أن الأخيرة أدركت منذ زمن طويل أن ضمان استقرارها ونموها يقتضي فصل الملكية عن الإدارة،
في حين ما زالت أغلبية العائلات السعودية تفضل الاحتفاظ بالإدارة.
ونظرا للدور الاقتصادي المهم الذي تقوم به الشركات العائلية السعودية،
وبسبب تعرض بعضها لمشكلة الخلافات العائلية في الجيلين الثاني والثالث،
ورغبة في المحافظة على كياناتها،
أخذ المجتمع يولي اهتماما متزايدا بالتحديات التي تواجه هذه الشركات، 
ويبحث عن أفضل طرق لضمان بقائها وتماسكها.
تواجه الشركات العائلية في بلادنا نوعين من التحديات: داخلية وخارجية.

ومن أهم التحديات الداخلية:
الصراع على السلطة والإدارة،
طريقة تقسيم التركة بعد وفاة المؤسس،
عدم الفصل بين الملكية والإدارة،
ضعف التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى،
وفشل أغلبيتها في تهيئة الجيل الثاني للخلافة،
الأمر الذي أفضى إلى قصر متوسط عمر هذه الشركات الذي قدرته بعض الدراسات بأقل من 30 عاما،
وقدره بعضها الآخر بـ 40 عاما.
أما أهم التحديات الخارجية
فتتركز في تغير الظروف المحيطة بها، كالتراجع النسبي في الطلب الحكومي
الذي كانت تعتمد عليه الشركات العائلية في مرحلة النشوء والصعود،
في مقابل زيادة الاعتماد على القطاع الخاص في تنفيذ برامج التنمية.
كما تواجه تحديات تطبيق الأنظمة الاقتصادية الجديدة التي فرضتها التطورات الداخلية والخارجية
وأهمها المنافسة الشرسة،
وإزالة صور الحماية والدعم ومناهضة الاحتكار،
فضلا عن تحديات العولمة وتحرير التجارة وفتح الأسواق وفقا لمتطلبات منظمة التجارة العالمية.
لذا باتت الشركات المحلية، ومنها الشركات العائلية، تواجه تحديات على جبهات متعددة،
كتحدي ثورة المعلومات والاتصالات،
وتحدي الشركات الضخمة متعددة الجنسيات،
وتحدي الاتحادات الاقتصادية الدولية،
وكذلك تكتل الشركات الكبرى.
ولا شك أن هذه الكيانات لها قدرات هائلة مدعومة بقوة المال ودعم الحكومات والتفوق التقني والإداري,
فضلا عن التفوق الكاسح في مجال التسويق والإعلان،
حتى باتت تمثل خطرا على كثير من الشركات المحلية،
لأنها تعمل على إزاحة كل من يقف في طريقها وفرض شروطها من أجل تمام سيطرتها على الإنتاج والأسواق معاً.
وكان لهذه التحديات وقع شديد وقاس على بعض الشركات العائلية, الأمر الذي جعلها تتلاشى تدريجيا مع الزمن,
خاصة في العقدين الأخيرين.
في حين أن بعضها الآخر ما زال يبذل جهداً كبيراً للمحافظة على البقاء،
بينما نجح قسم ثالث منها في الاستمرار والازدهار بفضل قدرة ملاكها على التغيير والتطوير.
لكن مشكلة الاندثار لم تتسع كثيرا,
لأن نحو 70 في المائة من هذه الشركات في بلادنا ما زال مؤسسوها يديرونها،
بينما يدير 20 في المائة منها الجيل الثاني،
أما 10 في المائة الباقية فيديرها الجيل الثالث!
ويؤكد كثير من الدراسات العالمية
أن 80 في المائة من الشركات العائلية في جميع دول العالم تبدأ في التصدع والتفكك في الجيل الثالث.
ويقر كثير من رجال الأعمال بهذه الحقيقة المؤيدة بالشواهد التاريخية،
بيد أن بعضهم يعتقد عدم استحالة بقاء هذه الشركات لما بعد الجيل الثالث لو استعدت بتنظيم مناسب.
ولا يشترط أن يكون هذا التنظيم مقتصرا دائما على التحول لشركات مساهمة مفتوحة,
فهم يعتقدون
أن بعض هذه الشركات اكتسبت خبرات عالية
وأصبح لها تميز في نشاطات ومجالات اقتصادية معينة
مكنها من الاستمرار في عملها عن طريق إعادة هيكلتها.
 ويدلل أصحاب هذه النظرية على صحة رأيهم بوجود فرضيات جديدة وشواهد مستقاة من الوقائع
 تثبت إمكانية استمرار هذه الشركات لعدد من الأجيال، بل إن بعضها تمكن من الاستقواء في الجيل الثالث!
ومع أن أمر هذه الشركات شأن عائلي خاص بالدرجة الأولى،
إلا أنه نظرا لأهمية دورها في مجمل النشاط الاقتصادي،
وخطورة التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها،
فإن مسألة المحافظة على الشركات العائلية وضمان بقائها ونموها، فيها مصلحة وطنية عامة
تستدعي أن يكون للجهات الحكومية ممثلة في وزارة التجارة والقطاع الخاص ممثلا في مجلس الغرف السعودية
دور في مساندة هذه الشركات وتقديم كل أنواع العون والمساعدة،
وهو ما أخذت تعمل به فعلا هذه الجهات أخيرا، من خلال تبني بعض الإجراءات الوقائية والعلاجية.
فما الخيارات المتاحة الشركات؟
 أترك الجواب للأسبوع المقبل بحول الله تعالى.