الجمعة، 29 نوفمبر 2013

الإصلاح المالي في دول مجلس التعاون: تخفيض حجم الدولة

الإصلاح المالي في دول مجلس التعاون: تخفيض حجم الدولة


أ.د. محمد إبراهيم السقا
لعل أسوأ الآثار التي ترتبت على استمرار دول مجلس التعاون في تحقيق الفوائض النفطية منذ بداية الألفية تقريبا
 أن أخذت حكومات دول المجلس في استخدام جانب من الفوائض في توسيع دورها ودرجة تدخلها في الاقتصاد 
المحلي،
ولم يسهم ارتفاع أسعار النفط والإيرادات النفطية سوى في جر حكومات دول المجلس إلى الإفراط في الإنفاق العام، 
وإضافة التزامات وأعباء دائمة على المالية العامة، كزيادات المرتبات أو اعتمادات الدعم أو غيرها من أشكال الإنفاق 
الجاري
والتي يصعب التخلص من أعبائها في المستقبل، خاصة عند حدوث أي تراجع في أسعار النفط إلى مستويات حرجة.
صحيح أن دول المجلس قد تمكنت من تكوين قدر كبير من الاحتياطيات العامة في الوقت الحالي
والتي يمكن أن تشكل خط الدفاع الأول في مواجهة العجز المالي في المستقبل،
إلا أن المستويات المرتفعة للإنفاق العام حاليا تشير إلى أن هذه الاحتياطيات قد لا تصمد طويلا في مواجهة عجز 
مستمر في ميزانيات هذه الدول.
فعندما يتسع دور الدولة في الاقتصاد تتزايد التزاماتها وإنفاقها العام في النواحي كافة،

مما يؤدي إلى ازدياد حجم الحكومة على نحو غير مستدام،
وفي ظل تنامي السيناريوهات 
التي تتوقع أن الأوضاع المالية لدول مجلس التعاون ربما تتعرض للتدهور في المستقبل على المدى المتوسط والطويل
في ظل بعض الافتراضات 
التي تقوم حول ميل أسعار النفط نحو التراجع،
وهو ما يفرض على حكومات دول المجلس 
ضرورة النظر بعين الاعتبار في طبيعة الدور الذي تؤديه حاليا في اقتصادات دول المجلس.
فما تخصصه الحكومة من الناتج لإنفاقها العام يمثل حاليا نسبا جوهرية من الناتج مما يعكس ضخامة حجم الحكومات، 
والذي يحتاج إلى تقليص من خلال إفساح المجال أمام القطاع الخاص
لكي يلعب دورا أكبر في اقتصاداتها المحلية بإنتاج وتقديم السلع والخدمات العامة،
 وتوظيف قوة العمل الوطنية لكي تتمكن تلك الدول من السيطرة على الإنفاق العام.
بصفة خاصة تحتاج حكومات دول المجلس إلى اتخاذ خطوات جادة
نحو تفعيل عمليات خصخصة تسهيلات إنتاج وتقديم السلع والخدمات العامة
وغيرها من المؤسسات الإنتاجية التي تملكها الدولة،
وإطلاق قوى المبادرة أمام القطاع الخاص لكي يلعب الدور الأساسي
كمنتج للسلع والخدمات وكموظف لقوة العمل الوطنية.
ذلك أن هناك قائمة طويلة من السلع والخدمات التي تقدمها الدولة
والتي يمكن تحويلها بسهولة للقطاع الخاص 
لكي يتولى مهمة إنتاجها وتوزيعها إما بصورة منفردة أو بالشراكة مع الدولة،
حيث تنخفض التزامات الدولة تجاه المجتمع في تقديمها،
مثل إنتاج الكهرباء وتحلية المياه وتقديم الخدمات التعليمية والصحية وخدمات النقل والاتصالات
وغيرها من الخدمات العامة التي يمكن تحويلها نحو القطاع الخاص.
القطاع الخاص في الدول ذات الاقتصاد الحر يلعب دور المحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي،
حيث ترتفع درجة مساهمته في الناتج المحلي،
كما أنه يعد الموظف الأساسي لقوة العمل نظرا لاتساع حجم الفرص الوظيفية التي يفتحها سنويا،
وعلى الرغم من أن اقتصادات دول المجلس تصنف على أنها اقتصادات حرة، أو هكذا تدعي حكوماتها،
فإن القطاع الخاص في هذه الدول لم يتمكن حتى اليوم من أن يلعب الدور المتوقع أن يمارسه،
حيث تنخفض مساهمته في الناتج وتنخفض نسبة المواطنين العاملين فيه،
والأكثر من ذلك أن هذا القطاع يعتمد بشكل أساسي على الإنفاق الحكومي
سواء بشكل مباشر
عندما تسند إلى القطاع الخاص مهمة تنفيذ برامج الإنفاق الحكومي سواء في صورة تنفيذ مشروعات البنى التحتية 
وغيرها من المشروعات، حيث يقوم القطاع الخاص بدور المقاول الأساسي للقطاع الحكومي،
أو بصورة غير مباشرة 
من خلال أشكال الدعم المختلفة التي يحصل عليها القطاع الخاص.
غير أن إطلاق دور القطاع الخاص يتطلب ضرورة تهيئة بيئة الأعمال وتحسينها بشكل أفضل
لكي تكون جاذبة للاستثمارات الخاصة، سواء تلك المحلية أو الاستثمارات الأجنبية المباشرة،
ففيما عدا قطاع النفط ومنتجاته فإن دول المجلس لا تجتذب كميات مناسبة من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.
بل إن النظرة السائدة للاستثمارات الأجنبية المباشرة
تستند إلى الاعتقاد بأن دول المجلس ليست في حاجة إلى هذه التدفقات
باعتبارها دولا تتمتع بوفرة في رؤوس الأموال بل ومصدرة صافية لها،
وهو ما يعكس سوء فهم واضح لدور الاستثمار الأجنبي المباشر،
والذي لا يتمثل في تدبير رؤوس الأموال اللازمة للاستثمار فقط،
وإنما في الفرص التي يخلقها لنقل التكنولوجيا وأساليب الإنتاج الحديثة،
وأساليب الإدارة غير التقليدية وأساليب التسويق الحديثة
والأهم من ذلك حرية الوصول للأسواق الخارجية،
وهي مزايا مهمة جدا 
إذا ما أحسن استغلالها وتوجيهها نحو مصلحة البلد المستضيف لهذه الاستثمارات.
إن تحسين بيئة الأعمال
يهدف إلى التغلب على المعوقات التي تعترض المؤسسات الخاصة سواء الوطنية أو الأجنبية وتعطل أعمالها،
والتي تشمل قائمة طويلة من العوائق
سواء تلك المتعلقة بالإجراءات المختلفة المرتبطة بطول الدورة المستندية الخاصة باستصدار التراخيص أو الموافقات 
الحكومية أو تراخيص الاستيراد أو بقوانين الشركات أو بتوفير الأراضي اللازمة للمشروعات بصفة خاصة الصناعية، 
إلى آخر هذه القائمة الطويلة من المعوقات التي تعترض المشروع الخاص.
إن الرافد الأساسي لمشروعات القطاع الخاص
يتمثل في المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تمثل أساس قطاع الأعمال في دول العالم على اختلاف مستويات 
نموها، سواء الدول الصناعية أو الدول النامية.
حيث ترتفع القيمة المضافة لهذه المشروعات، 
فضلا عن ضخامة حجم الوظائف التي تحتاج إليها.
المشروعات الصغيرة والمتوسطة تستند أساسا على مبادرات الأعمال
التي تقوم على الأفكار الجديدة أو الابتكارات في مجال إنتاج السلع أو تقديم الخدمات،
أو حول نوعية السلعة والخدمة التي يتم تقديمها وأسلوب تقديمها إلى آخر هذه القائمة الطويلة من الأفكار الجديدة، 
التي تحتاج إلى الرعاية حتى تتحول إلى مشروع قائم يعمل لينتج ويولد دخلا ويفتح وظائف لأصحاب الفكرة ولغيرهم. 
إن تشجيع ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة يمكن أن يعزز دور القطاع الخاص على نحو كبير.
لا شك أن تخفيض حجم الدولة سيحول جانبا كبيرا من العاملين فيها نحو القطاع الخاص،
وتتخلص بالتالي المالية العامة من التزامات الحكومة نحو هؤلاء العاملين بأشكالها المختلفة،
والتي تمثل حاليا أهم مكونات الإنفاق العام،
على سبيل المثال
تمثل مرتبات العاملين في الدولة وما في حكمها نحو نصف الإنفاق العام المتوقع في 2013/2014 لدولة الكويت،
كما يقلص من التزامات الدولة نحو إنتاج السلع وتقديم الخدمات العامة،
وهو ما يساعد حكومات دول المجلس على السيطرة على نمو إنفاقها العام
والحد من المخاطر المالية لاستمرار الإنفاق العام عند مستوياته الحالية.