السبت، 12 أكتوبر 2013

المخاطر الكامنة لعدم رفع سقف الدين الأمريكي

المخاطر الكامنة لعدم رفع سقف الدين الأمريكي


أ.د. محمد إبراهيم السقا


لم يحدث أن أعلنت الولايات المتحدة توقفها عن خدمة دينها العام، 

ولذلك لا يمكن الحديث بشيء من الواقعية عن المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها العالم

 إذا ما فشل الكونجرس في رفع سقف الدين،

وخلت الخزانة الأمريكية سوى من إيرادات الضرائب والرسوم العامة، 

وتوقفت أمريكا عن سداد فوائد السندات في مواعيدها أو دفع قيمة ما يستحق من تلك السندات.

 للأمانة لا يمكننا تقييم استجابة أسواق الدين لفشل أكبر دولة مدينة في العالم في خدمة ديونها بدقة، 

وكيف يؤثر ذلك على أسواق الديون الأخرى في العالم.

 فمن المؤكد أنها ستتوقف عن العمل على المستوى العالمي،

 ومن المؤكد أن الدولار سيتراجع،

 وسترتفع معدلات الفائدة على السندات الأمريكية،

 وستنطلق من الولايات المتحدة صدمة مالية تهز العالم أجمع، 

ربما تتجاوز في تأثيرها صدمة سوق المساكن الأمريكي التي أدت إلى انطلاق أكبر أزمة مالية عرفها 

العالم منذ الكساد العالمي العظيم في نهاية العشرينيات من القرن الماضي.

لم يحدث أن تجرأ الكونجرس منذ أن تم تعديل الدستور الأمريكي بفرض ضرورة الحصول على موافقة 

مجلس النواب قبل أي عملية لرفع الحد الأقصى المسموح للحكومة الأمريكية بالاقتراض في نطاقه

 أن تم رفض رفع سقف الدين،

وكانت موافقة الكونجرس على رفع سقف الدين تمر في أغلب الأحوال على نحو شبه أوتوماتيكي،

حتى جاء موعد رفع سقف الدين الأمريكي السابق في أغسطس 2011،

 حيث تم تأجيل الموافقة على رفع سقف الدين حتى آخر لحظة قبل أن يقر الكونجرس رفع سقف الدين 

والسماح للحكومة الأمريكية بالاقتراض حتى سقف 16.7 تريليون دولار الذي ستصله الخزانة 

الأمريكية في 17 تشرين الأول (أكتوبر) القادم.

على الرغم من رفع سقف الدين في موعده،

إلا أنه في خضم الخلافات العميقة التي حدثت بين الحزبين 

أضربت الأسواق المالية في العالم، 

وتراجعت ثقة المستهلكين وقطاع الأعمال الأمريكي بصورة كبيرة، 

وارتفعت معدلات البطالة بسبب تراجع النمو في الوظائف في سوق العمل الأمريكي،

 وجاءت ثالثة الأثافي عندما تم تخفيض تصنيف الدين الأمريكي من جانب مؤسسة ستاندارد آند بورز 

لأول مرة لتفقد الولايات المتحدة تصنيفها الممتاز لأول مرة في تاريخها،

 واستمر التأثير السلبي لما حدث لعدة أشهر 

حتى استعادت ثقة المستهلكين وقطاع الأعمال مستوياتها قبل محادثات رفع سقف الدين.

وفقا لدراسة لمكتب الميزانية الأمريكية في الكونجرس عن سقف الدين الأمريكي،

 امتدت آثار تعثر محادثات رفع سقف الدين في آب (أغسطس) 2011 حتى عام 2012، على الرغم من 

رفع سقف الدين قبل انتهاء الموعد المحدد،

 وذلك نتيجة

لتراجع ثقة المستهلكين وقطاع الأعمال،

 وانخفاض أسعار الأسهم 

وارتفاع تكلفة الاقتراض بشكل عام في الولايات المتحدة في ذلك الوقت، 

وقد أشارت بيانات مؤشر ستاندارد آند بورز 500، إلى أن أسعار الأسهم الأمريكية تراجعت بنسبة 17 

في المائة في الفترة التي حدث فيها النزاع حول رفع سقف الدين في أغسطس 2011،

 ولم يسترد المؤشر خسائره حتى النصف الأول من 2012،

وهو ما أدى الى تراجع ثروة القطاع العائلي في الولايات المتحدة بنحو 2.4 تريليون دولار،

 الأمر الذي أثر سلبا على الإنفاق الاستهلاكي الذي يحتل أهمية استثنائية في الإنفاق الكلي في 

الولايات المتحدة.

لسوء الحظ فإن رفع سقف الدين يتزامن هذه المرة مع رفض الكونجرس تمرير الميزانية الأمريكية للعام 

المالي 2013/2014،

 وأصبحت المصالح الحكومية الأمريكية بلا اعتمادات مالية لدفع رواتب العاملين فيها،

ومن المتوقع أنه إذا استمر الإغلاق لفترة طويلة أن تتعثر جهود استعادة النشاط ويواجه الاقتصاد 

الأمريكي كسادا مزدوجاDouble dip، بعد أن كان قد تهيأ للخروج من الأزمة 

وأخذ الاحتياطي الفيدرالي يلمح بأنه سيخفض من عمليات شراء السندات الأمريكية وإنهاء سياسات 

التوسع النقدي المطبقة منذ بداية الأزمة المعروفة بسياسات التيسير الكمي.

من المؤكد أن هذه الاضطرابات سيترتب عليها تأثر ''وول ستريت'' وأسواق المال في العالم،

والملاحظ حاليا أن جميع أسواق المال في العالم تتأثر بصورة أو بأخرى باستمرار الأزمة الدائرة حاليا، 

ومثل هذه المخاطر تؤثر بشكل سلبي على خطط قطاع الأعمال الخاص

ويترتب عليها تراجع في مستويات الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري ومن ثم معدلات النمو.

إذا ما رفض الكونجرس رفع سقف الدين

فسوف تقتصر السيولة المتاحة في الخزانة الأمريكية على إيرادات الضرائب والرسوم العامة والإيرادات 

الأخرى،

 وستتوقف معها مدفوعات المساعدات الاجتماعية وبرامج الرفاه.

مع الأسف فإن من يقرأ تصريحات الجمهوريين ربما يصل إلى قناعة بأنهم ماضون في رفض رفع 

سقف الدين مثلما أغلقوا الحكومة الأمريكية بالأمس، 

على سبيل المثال يلمح جون بونرفي لقاء له مع بلومبرج

 بأن على الحكومة الأمريكية أن تعيد ترتيب أولويات الإنفاق،

حيث تدفع الفائدة المستحقة على ديونها في موعدها وبهذا الشكل تظهر التزامها لحاملي السندات وتتفادى 

إعلان توقفها عن خدمة ديونها،

وهو بلا شك كلام غير مسؤول،

أولا لأن عملية إعادة ترتيب الأولويات مسألة لن تتم بين يوم وليلة، ولا شك أنها ستستغرق وقتا 

والأسواق لا تملك رفاهة الانتظار، 

وثانيا لأنه يتجاهل الأثر المدمر لفقدان الثقة بقدرة الاقتصاد الأمريكي على خدمة ديونه على الأسواق 

والنشاط الاقتصادي العالميين،

وهناك تخوف من أن تزداد عمليات بيع السندات الأمريكية قبل 17 تشرين الأول (أكتوبر) 

المقبل مع تزايد مخاطر عدم رفع سقف الدين، 

وهو ما سيرفع معدلات الفائدة على نحو يهدد تعافي الاقتصاد الأمريكي.

غير أنني ما زلت أعتقد أن الكونجرس سيقر رفع سقف الدين،

أو أن الرئيس الأمريكي سيجد مخرجا لتجاوز رفع سقف الدين،

 فبعض المراقبين يرون أن للقضية بعدا قانونيا، 

حيث إن الحكومة الأمريكية لديها التزام تعاقدي بدفع التزاماتها عندما يحل موعد هذه الالتزامات،

 ولذلك يرى البعض أنه إذا رفض الكونجرس رفع سقف الدين

 فلا بد أن يبحث الرئيس عن مخرج قانوني لإيجاد موارد مالية للخزانة الأمريكية

حتى تتمكن الحكومة الأمريكية من سداد التزاماتها القانونية

 بما في ذلك تلك الخاصة بمدفوعات خدمة الدين، 

وقد أشارت الـ ''نيويورك تايمز'' إلى أن الخبراء يؤكدون أنه أمام الرئيس الأمريكي عدة سبل لتجاوز 

رفض رفع سقف الدين، 

مشيرين إلى الجزء الرابع من التعديل الرابع عشر للدستور والأجزاء الأخرى

 التي تسمح له بأن يفعل ذلك.

 فهل سيواجه العالم هذه المخاطر الكامنة؟

 مع الأسف علينا الانتظار حتى 17 تشرين الأول (أكتوبر) القادم حتى نعرف.