الأربعاء، 4 سبتمبر، 2013

قضية البنك المركزي العراقي: 2009-2012


موفق حسن محمود *:

– نشر في 03/09/2013


 قضية البنك المركزي: 2009-2012

لعل من النادر ان تتعرض قضية عامة 

مثلما تعرضت له قضية البنك المركزي منذ تفجرها ودخول رئاسة مجلس النواب على الخط

 دون إحاطة بجوانب القضية إحاطة مهنية مجردة عن المصالح 

الأمر الذي حرفها عن مسارها الموضوعي وإدخلها في دهاليز المساومات والمصالح السياسية الآنية .


ولو استعرضنا شريط الاحداث التي رافقت القضية منذ بدايتها 

لوجدنا ان السيد رئيس المجلس النيابي يبادر الى تشكيل لجنة نيابية بقرار من عنده لا بقرار يتخذه 

المجلس وفقا لنظامه الداخلي للتحقيق في ما زعم من مخالفات وفساد يحيطان بعمل البنك المركزي

 ولعل الانكى والادهى

ان اللجنة شكلت من أشخاص ، مع كامل الاحترام لأشخاصهم وإختصاصاتهم ، لا خبرة لهم ولا معرفة 

بأصول العمل المصرفي ولا حتى باولياته

الامر الذي انعكس على نتائج التحقيق التي ظهرت باستنتاجات وأحكام مسبقة  لهث التقرير لإثباتها.

ومرة ثانية خرق السيد رئيس مجلس النواب النظام الداخلي للمجلس 

وإستعجل إحالة التقرير الى هيئة النزاهة دون عرضه على المجلس ليرى رأيه فيه

 قبل إحالته الى أية جهة أخرى وفقا للنظام الداخلي.

وليت الامر وقف عند هذا الحد 

بل توالت المعالجات في وسائل الاعلام من قبل أعضاء اللجنة النيابية التحقيقية

ومن غيرها من أعضاء المجلس النيابي ومن صحفيين ومعنيين بالامور العامة 

ومن كل من وجد فرصة يغتنمها ليظهر بمظهر المستميت حرصا على المال العام لإنقاذه من هيمنة 

الفاسدين والمفسدين.

ولا نريد هنا ان نستبعد فسادا في نطاق عمل ما

 كان يعرف خطأ بمزاد العملة وبعمل اللجنة المشرفة عليه 

في ظرف إستفحال الفساد في كل مرفق من مرافق الدولة 

ونرى إن القول الفصل بهذا الشأن هو من إختصاص القضاء وحده هذا من جهة،

 ولا نريد، من الجهة الثانية، نفي بعض القصور هنا أو هناك

في معالجات البنك المركزي والتعليمات والضوابط التي تصدر عنه 

ولكن الأمر برمته كان قابلا للمعالجة وفق المعطيات وقواعد العمل المهنية

 لو لم تتحكم به الاحكام الجاهزة و لو لم يكن الاستهداف شاخصا.

لقد تمحورت قضية البنك المركزي بجوانب ; أهمها الاتي:

1- إرتفاع سعر الدولار في السوق الموازي والمنتفعين من الفروقات بين السعرين .
2- المصارف التي استحوذت على مبيعات الدولار .
3- مستوى المبيعات اليومية من الدولار وتأثر إحتياطيات البنك المركزي وتهريبه الى خارج العراق 

وتمويل الإرهاب.
4- الوثائق المزورة.
بدءا لابد أن نبين أن الدفاع عن سعر صرف الدينار العراقي , لديمومة الاستقرار النقدي ، 

هو المهمة الرئيسية للبنك المركزي

نظرا لكون هذا السعر عاملا مهما من العوامل المؤثرة في معدل التضخم، ما يعرف بالتضخم المستورد،

إن لم يكن الاكثر أهمية في إقتصاد مفتوح كليا على الخارج يستورد كل احتياجاته،

 اقتصاد يتسم بأحادية الجانب وبريعية مفرطة.

وبقدر تعلق الامر بالسعر وبفارق السعر

فلا نرى حلا سهلا طالما كان الطلب الكلي على الدولار يفوق العرض الكلي

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى نرى أن الإستقرار النقدي

لا يمكن إنجازه بدون التضحية بقدر من احتياطيات البنك المركزي من العملات الاجنبية وربما الذهب 

لتلبية اكبر قدر ممكن من الطلب على العملة الاجنبية

ولكي تتم السيطرة على حركة سوق العملات 

 بما يحافظ على الفارق بين السعرين مستقرا بحدود مقبولة

وهذا ما يعرف في علم الاقتصاد بتعارض الأهداف conflict of objectives 

وبالطبع سنجد مؤيدين ومعارضين لهذا الهدف او ذاك وسيبقى السجال قائما.
ونلاحظ هنا

 أن منتقدي سياسة البنك المركزي سابقا ولاحقا 

ينتقدون ارتفاع سعر صرف الدولار أو هبوط سعر الدينار

وينتقدون بذات الوقت توسع البنك المركزي ببيع الدولار 

وهو نقد يتناقض مع نفسه

 إذ أن من بديهيات علم الأقتصاد أن الدفاع عن سعر صرف الدينار في ظروف الاقتصاد العراقي الحالية 

لا يتحقق بغير التوسع بعرض الدولار،

 ولو لم يتمسك البنك المركزي بدفاعه عن الدينار لشهد سعر الصرف هذا تدهورا خطيرا

ولارتفعت بالنتيجة معدلات التضخم الى مستويات الفترة 2004-2007 

في ظل التآكل المفجع في الطاقات الانتاجية في كافة القطاعات الحقيقية .

وليس من شك ان بعض المصارف والمتحكمين بسياساتها قد انتفع بشكل او بآخر من فارق السعر هذا 

ولا نريد هنا ان نستبعد فسادا في اروقة اللجنة المشرفة على المبيعات 

والامر متروك كما اسلفنا الى القضاء.

ولابد من الملاحظة ان الفارق هذا لم يتقلص في بعد اقالة محافظ البنك المركزي ان لم يتفاقم.

 والمراقب المتفحص يلاحظ ذلك 

ولا نريد من هذا التشكيك بإدارة البنك المركزي الجديدة 

بقدر ما نريد التأكيد على ان فارق السعر هذا امر يفرضه قانون العرض والطلب

وسيظل كذلك لأجل غير معلوم 

لأن القوانين الاقتصادية تفعل فعلها لوحدها ولن تغير من سطوتها القرارات الإدارية.

 ولنا ان نزعم

 ان سعر الصرف الحالي للدولار مقابل الدينار 

هو سعر بعيد عن السعر التعادلي الذي ينجم عن تقاطع منحني العرض والطلب

وعليه نرى 

ان المشكلة ستظل قائمة طالما كان الفرق بين السعرين قائما.

اما القول بأن البنك المركزي قد أهدر مليارات الدولار بل تسبب بحريق بها، 

كما عبر أحد المعنيين بعد اشتعال الأزمة،

فأنه قول لا يريد أن يلتفت الى كميات السلع والخدمات

التي دخلت العراق منذ سقوط النظام السابق في نيسان 2003 ،

ولا يريد أن يبين لنا كيف تسدد أقيام هذه الاستيرادات دون تدفق مقابل من العملات الأجنبية.

ولا نريد بهذا ان نستبعد تسرب مبالغ كبيرة أو صغيرة من العملات الأجنبية 

دون دخول سلع وخدمات مقابلها

ولكن مراقبة الظاهرة ومعالجتها 

تستوجب تدخل أكثر من جهة ووزارة لتنسيق سياساتها 

وبخاصة وزارة التجارة فيما يتعلق بإجازات الاستيراد وكذلك الملحقيات التجارية ودوائر الكمارك

 وهذا ما لم يحصل منذ سقوط النظام في 2003.

ولعل الافتقار الى المهنية

يتجلى بشكل واضح في تشكيل اللجنة او اللجان التي كلفت بالتحقيق بهذه القضية ،

فلقد ذكرت التقارير أن اللجان اكتشفت قوائم تجارية ومستندات مزورة 

وحملت البنك المركزي مسؤولية قبولها لتحويل أقيامها الى الخارج على انها تمثل بضائع دخلت أو 

ستدخل الى العراق خلافا للحقيقة.

وهنا لابد من التنبيه الى حقيقة مهمة يعرفها العاملون في المصارف بل هي من مبادئ العمل المصرفي

وهي ان المصارف التجارية تقبل المستندات المتعلقة بتمويل التجارة بما فيها القوائم التجارية وبوالص 

الشحن وشهادات المنشأ وغيرها

 كما تبدوا في ظاهرها سليمة وهذا ما جاءت به الاعراف الدولية المنظمة

للأعتمادات المستنديةUniform Customs and Practices التي تصدر عن غرفة التجارة الدولية

إذ يتعذر على المصارف التحقق من صحة الوثائق المذكورة ،

ولا نريد التوسع في هذا الأمر لكونه من مسلمات العمل المصرفي.

 وإذا كان هذا صحيحا بالنسبة للمصارف التجارية وهو كذلك حتما 

فمن باب أولى ان يكون كذلك للبنوك المركزية التي ليس من شأنها التحقق من صحة الوثائق

و إذا ظن كائن من يكون ان لديه الوسيلة التي تمكن المصارف من التحقق من صحة المستندات المذكورة  
فليسعفنا بها لكي نمنع التزوير ونحفظ اموال العراق من السراق والمزورين.

وإذ نقول بعدم مسؤولية المصارف عن صحة المستندات

فأن ذلك لا يمنعها بل يفرض عليها رفض ما لا يقبله عقل ولا يبرره مبرر

كأن يأتي مستورد بقائمة تجارية أولية Pro-forma Invoice لاستيراد بضاعة ما بكميات مفرطة

لا يقبلها العقل ولا يبررها الفحص المتأني 

ولعل هذه واحدة من الجوانب التي غفلت عنها أو أهملتها لجنة بيع الدولار بنية فاسدة او عن جهل

 فضلا عن كونها من واجبات المصرف التجاري المعني أيضا.

 وهنا أيضا نترك الامر للقضاء ليرى رأيه.
ولي ان أزعم ثانية

 أن المصرف التجاري بإمكانه ان يبذل جهدا معقولا للتحقق من صحة القوائم التجارية 

الاولية Pro-forma invoice المثيرة للريبة التي يتقدم بها زبونه المستورد من حيث مبلغلها او من 

حيث كمية البضاعة او سعر الوحدة الواحدة .
ختاما لا مفر من القول 

ان قضية البنك المركزي ليست بنت اليوم بل هي قضية لها جذور تعود الى عام 2009

ظلت تتفاعل حتى فجرها من أراد لها التفجير وأختار لها الوقت الذي يناسبه .

 *) مصرفي عراقي
**) ورقة قدمت في الملتقى العلمي الأول لشبكة الاقتصاديين العراقيين، بيروت 30 آذار-1 نيسان 2013