الخميس، 8 أغسطس، 2013

سيكولوجية الجماهير- غوستاف لوبون - د.حنان هلسة / دكتوراه علم نفس

سيكولوجية الجماهير- غوستاف لوبون - د.حنان هلسة / دكتوراه علم نفس

حنان هلسة

د.حنان هلسة / دكتوراه علم نفس

تحتل الجماهير في التاريخ البشري موقعا أساسيا

 لجهة الادوار التي لعبتها ولا تزال على مسرح التغيرات السياسية والاجتماعية.

 وهي ادوار منها

 ما اتسم بالسلبية عبر الدعم الذي اعطته لقوى استبدادية او لايديولوجيات فاشية واوصلتها الى سدة

الحكم،

 او عبر التضحيات العظيمة في سبيل قضايا وطنية واجتماعية،

 مما يجعلها تجمع بين القدرة على التدمير والقدرة على التضحية الكبرى في آن واحد.

 لقد شكلت الجماهير القاعدة

التي تستند اليها الاحزاب السياسية والنقابات العمالية في عمليات التعبئة من اجل تحقيق مطالبها.

 توسعت الدراسات خلال القرن العشرين في بحث ظاهرة الجماهير من جميع الجوانب،

 واحتل علم النفس موقعا مهما في هذه الدراسات حتى بات هناك علم قائم في ذاته هو علم نفس الجماهير،

 يهدف الى دراسة الشروط التي تجعل انبثاق ظاهرة الجماهير ممكنة في هذا البلد او ذاك،

 وفي الظروف التي تجعل الجماهير

 عنصرا في الوصول الى حكم ديموقراطي او الى اشكال اخرى من الحكم الاستبدادي.

 في هذا السياق فإن كتاب غوستاف لوبون "سيكولوجية الجماهير"،

الذي صدر اواخر القرن التاسع عشر،

 لا يزال يحتل موقعه في دراسة نفسية الجماهير، بوصفه مرجعا لا غنى عنه لكل باحث في هذا الميدان.


يلخص لوبون نظريته حول الجمهور بجملة مسائل تتناوله بصفته ظاهرة اجتماعية،

 تفسر عملية التحريض التي يخضع لها بأنها عملية انحلال الافراد في الجمهور والذوبان الكلي فيه.

 من هنا يمكن تفسير

الدور الذي يلعبه القائد في تحريك الجماهيرحيث يقوم بالدور اياه الذي يقوم به التنويم المغناطيسي،

 على غرار ما يقوم به الطبيب النفسي في علاجه لمريضه.

 اثبتت معاينة الحركات الجماهيرية وقائع عدة

 في مقدمتها أن هذا الجمهور يمتلك وحدة ذهنية، ويتحرك بشكل لا واع.

يرى لوبون ان للجماهير خصائص تميزها عن الافراد،

 حيث تتناول الخاصية الاولى ذوبان الشخصية الواعية للافراد وتوجيه المشاعر والافكار في اتجاه واحد.

 الجمهور النفسي

"ايا تكن نوعية الافراد الذين يشكلونه، وايا تكن نوعية الافراد الذين يشكلونه، وايا يكن نمط حياتهم

متشابها او مختلفا، وكذلك اهتماماتهم ومزاجهم او ذكاؤهم،

 فإن مجرد تحولهم جمهوراً يزودهم نوعاً من الروح الجماعية، هذه الروح تجعلهم يحسون ويتحركون 

بطريقة مختلفة تماما عن الطريقة التي كان سيحس بها ويفكر كل فرد منهم لو كان معزولا".

 في حالة الجمهور تتلاشى الشخصية الواعية للفرد وتصبح شخصيته اللاواعية في حالة من الهياج، 

ويخضع الجميع لقوة التحريض وتصيبهم عدوى انفلات العواطف، بحيث تلغى شخصية الفرد المستقل 

ويصبح عبارة عن انسان آلي ابتعدت ارادته عن القدرة على قيادته.

من هذه الخصائص أيضاً،(الثانية) سرعة انفعال الجماهير وخفتها،

 فالجمهور يقوده اللاوعي كليا تقريبا، فهو عبد للتحريضات التي يتلقاها،

 والجمهور كالانسان الهمجي لا يعبأ بأي عقبة تقف بين رغبته وتحقيق هذه الرغبة.

والجمهور سريع التأثر وساذج في الوقت نفسه وقابل لتصديق كل شيء،

 وهو "يشرد باستمرار على حدود اللاشعور ويتلقى بطيبة خاطر كل الاقتراحات والاوامر"،

 كما يمتلئ الجمهور بنوع من المشاعر الخاصة بكائنات لا تستطيع الاحتكام الى العقل او القادرة على

اتباع روح نقدية.

 كما ان العواطف التي يعبر عنها الجمهور سواء اكانت طيبة ام شريرة،

 تحوي تناقضا لجهة التضخيم او لجهة التبسيط،

 حيث "يتحرر الأبله والجاهل والمسود

 من الاحساس بدونيتهم وعدم كفاءتهم وعجزهم، ويصبحون مجيشين بقوة عنيفة وعابرة، ولكن هائلة".

وتتميز الجماهير ايضا (ثالثا) بالتعصب والاستبدادية والنزعة المحافظة،

 وهو امر ناجم عن كونها لا تعرف سوى العواطف البسيطة والمتطرفة،

 مما يجعلها تقبل الافكار والعقائد او ترفضها دفعة واحدة. 

والجماهير غير مهيأة لاحترام النزعات الاخلاقية لكونها صاحبة نزوات وغرائز شديدة الهيجان.

 لكن هذا الجمهور القادر على القتل والتدمير في ظروف معينة وحالات محددة،

 هو نفسه الجمهور القادر على القيام بأفعال تتسم بالتضحية والنزاهة والبطولة في سبيل قضايا اجتماعية

ووطنية.

 فتعاطف الجماهير مع حدث ما قد يتحول نوعاً من العبادة،

 كما أن النفور من شيء قد يتحول مباشرة حقداً.

 يشار هنا الى انّ مؤسسي العقائد الدينية او السياسية

 كانوا مدركين أهمية فرض عواطف التعصب الديني على الجماهير وسيلة ايمانية تدفع بمعتنقيها الى 

التضحية غير المحدودة في سبيلها.

 من هنا تبدو احدى السمات العامة للعقائد، الدينية منها وغير الدينية،

 ان شرط ترسخها في معتنقيها مرهون باكتسابها حلة دينية ذات توجه ايماني مطلق بما يمنع عنها 

المناقشة في مدى صحتها.

يشير لوبون الى الجماهير الانتخابية خلال مواسم الانتخابات،

 فيرى انها غير متجانسة، ومن خصائصها ضعف قابلية التفكير العقلاني، وانعدام الروح النقدية لديها، 

واتسامها بالنزق وسرعة الغضب، والسذاجة وسرعة التصديق، اضافة الى تبسيط الامور واستسهال

 اطلاق الاتهامات يمينا ويسارا.

 فالناخب عليه واجب تملق المرشح واستخدام الموسم الانتخابي لتحقيق رغباته واطماعه،

والمرشح في الفترة نفسها ملزم ان يغمر الناخب بالتزلف والتملق وتوزيع الوعود عليه والاستجابة 

الكلامية لطلباته

على رغم ان كتاب لوبون يعكس الحياة السياسية للمجتمع الفرنسي في القرن التاسع عشر،

ومعاينته للاضطرابات التي عرفتها فرنسا منذ ثورتها الكبرى عام 1789

 وما تبعها من تحولات دراماتيكية خلال القرن التالي،

 الا ان ما اثاره من قضايا في شأن تحليل نفسية الفرد عندما يدخل في الجمهور،

 لا تزال تحظى باهتمام كبير في الزمن المعاصر

 في ظل استخدام الجماهير في الحياة السياسية العربية بما يخدم بشكل رئيسي اليوم صعود الحركات 

الاصولية المتطرفة واستخدامها الجماهير في اثارة المشاعر وتجييش الاحقاد والكراهية ضد الاخر.

 من هنا يحتل كتاب غوستاف لوبون موقعه بوصفه واحدا من الكتب القديمة - الحديثة

 في فهم قضية الجماهير وكيفية التعامل معها لجهة توظيفها بما يخدم هذه الجماهير نفسها.


دينامية العلاقة بين الجماهير والسلطة:

حين تكون السلطة منطقية وشرعية وقائمة على الديمقراطية وحرية الكلمة وملتزمة بها ،

 وحين تكون الجماهير على درجة جيدة من التعليم والثقافة ولديها ملكة التفكير النقدي

 يصبح الأمر علاقة سلطة ناضجة بجماهير ناضجة

 فيسود العقل وتحتل الموضوعية مساحة كبيرة في العلاقة بين الطرفين

 فلا تتحول إلى حب حتى التقديس والاستلاب أو إلى كراهية حتى التدمير.

 ونتاج ذلك منظومة سياسية واجتماعية تتسم بالسلام وارتفاع معدلات الإنتاج والنمو والإبداع.

أما حين تكون السلطة غير منطقية، أو غير شرعية، أو استبدادية، أو فرعونية ،

 حينئذ تسود ديناميات مرضية مثل الكذب والخداع والنفاق والعدوان السلبي واللامبالاة من جانب 

الجماهير،

 بينما تتعامل السلطة مع الجماهير بازدراء وشك وتوجس،

 وترى أنها غير جديرة بالتحاور والتشاور وإنما تساق بالعصا.

 وإذا وصفنا نمط هذه العلاقة بمصطلحات علم النفس

 نقول

 بأنها علاقة بين والد ناقد مستبد وطفل يميل إلى العدوان السلبي.

 وهذا الطفل العدواني السلبي

 ينتظر اللحظة المناسبة لينقض على الوالد الناقد المستبد ليتحول بذلك إلى طفل متمرد.

وبالتعبير الشعبي الدارج نصف هذه العلاقة بأنها علاقة القط والفأر.

هذان هما القطبان المتضادان على متصل العلاقة بين السلطة والجماهير

 وبينهما درجات عديدة من أشكال العلاقات حسب نوعية السلطة وطبيعة الجماهير.

تزييف الوعي:
 
ولكي تتمكن السلطة من قيادة الجماهير دون مواجهات أو مشكلات أو اضطرار للحل الأمني بكثرة

 فإنها تقوم بتشكيل وعي الجماهير بما يتفق مع مصالح السلطة،

 وهى تلح طول الوقت بأن ما تفعله هو في صالح الجماهير ،

 وقد تتمادى السلطة في تشكيل الوعي الجماهيري حتى تصل إلى تزييف ذلك الوعي

 خاصة حين تكون أهداف السلطة غير مشروعة وغير أخلاقية،

 لذلك فهي تقوم بتزييف وعي الجماهير

 حتى يرى تلك الأهداف الذاتية غير الأخلاقية أهدافا عظيمة ومشروعة

ويخيل إليه أن السلطة تسعى لصالحه.

 وبالطبع فإن هذا العمل يتطلب مهارات عالية

 لذلك يختار أصحاب السلطة ذوي الكفاءات في الإعلام الموجه

 للإلحاح ليل نهار على حواس الجمهور من خلال الصحيفة والإذاعة والتليفزيون لإقناعه بما تراه السلطة.

وقد يتم التزييف من خلال شخصية كاريزمية في السلطة أو في المجتمع

يتم من خلالها تسويق أفكار السلطة إلى الجماهير

التي تتقبل هذه الأفكار بناء على تقبلها وحبها للشخصية الكاريزمية.

وهذا التزييف لوعي الجماهير وبالتالي لخياراتهم

 يحدث في الأنظمة المستبدة والأنظمة الديمقراطية على السواء،

 ولكن تختلف وسائله وأساليبه ودرجة فجاجته أو وقاحته من مجتمع لآخر

 فبينما يحدث في الأنظمة المستبدة بشكل سلطوي غاشم يمجد إرادة الفرد ويرفعه إلى مصاف الآلهة

 نجده في الدول الديمقراطية يحدث من خلال آلة إعلامية هائلة التأثير

 تقوم بعمل غسيل مخ للفرد وتوجهه إلى حيث تريد من خلال التأثير على أفكاره ورؤاه.

والجماهير بعد تزييف وعيها تصبح كائنا انفعاليا غير منطقي

 يميل إلى التحيز على أساس عاطفي وحماسي ،

 ويميل إلى الاندفاع في الاتجاه الذي يحدده له من قاموا بتزييف وعيه.

 وهذا السلوك الجماهيري يستمر على هذا النحو إلى أن تكتشف الجماهير

 أنها قد غرر بها أو خدعت، وحينئذ يتغير مسارها وتنقض بلا رحمة على من غرروا بها أو خدعوها ،

 وقد يحدث هذا التحول بسبب كارثة كبرى تقع

(هزيمة عسكرية ساحقة أو انهيار اقتصادي يهدد لقمة العيش)

 أو بسبب تراكم جرعات الوعي التي يبثها بعض المصلحون من أبناء الشعب.

الخصائص العامة للجماهير العربية:

1 - السلبية:

ربما يدهش بعض المراقبين تلك السلبية الشعبية غير المسبوقة تجاه الأحداث الساخنة ،

 والحقيقة أن هذه السلبية ليست حالة طبيعية

 وإنما هي نتيجة جهود حثيثة عملت على مدى سنوات طويلة

 على خلق حالة من السلبية الفردية وإعلاء قيم المصلحة الذاتية،

وإعاقة أي بادرة للتجميع أو الفعل، والهدف في النهاية هو التأكيد على بقاء الوضع القائم برضا الجميع.

وقد تحدثنا للتو عن تأثير أجهزة التليفزيون والكومبيوتر على الوعي العام،

وهنا سنزيد من رؤية هذا التأثير بطريقة كمية ونوعية،

 فلو حسبنا الساعات التي يقضيها الناس أمام هذه الأجهزة لوجدناها بالملايين،

 أي أن هناك ملايين الناس يقضون ملايين الساعات أمام الشاشة.

 والأمر لا يقتصر على استهلاك طاقة ملايين الأجساد وإنما يمتد إلى عقولهم،

 فكثير من البرامج تقتل ملكة التفكير النقدي وتدع الشخص في حالة تلقي سلبي

 لكل ما يراه على الشاشة أو معظمه

 ويشاهد برامج مبلدة للعقول ومخدرة للتفكير النقدي الواعي

ومحشوة بالتفكير الخرافي أو الاستهلاكي وقاتلة لأي قدرة على الفعل الاجتماعي الجاد والمؤثر.

وهذا النوع من المشاهدة السلبية يعود المشاهد على أن دوره لا يتعدى حالة المشاهدة

 فهو كل يوم يرى في نشرات الأخبار من يقتلون أو يدمرون أو يزورون

 وهو لا يبرح مكانه أمام الشاشة

 ومن هنا تتكون لديه عادة الاكتفاء بالمشاهدة 

و في أقصى تقدير التحسر على ما يحدث والدعاء على من يفعلون والغضب ممن يسكتون وفقط.

 وربما يفسر لنا هذا سلبية الناس أمام أحداث كانت تحركهم لأقصى درجات التحريك

 فمثلا حدثت حالات اغتصاب أو محاولات اغتصاب في بعض الميادين العامة

 دون أن يحدث التدخل الشعبي المتوقع،

وحدثت عمليات قتل وبلطجة في كثير من الأحداث دون أن تكون هناك استجابة مكافئة لذلك

وكأن الناس تعودوا على المشاهدة دون الفعل

 من خلال ملايين ساعات المشاهدة التليفزيونية أو الكومبيوترية.

وما يتبقى من الوعي يتم تسكينه أو تخديره

بواسطة السينما أو الإذاعة أو الصحف أو المباريات الرياضية أو الانتخابات الشكلية

 أو الحوارات الإلهائية أو الوعود الزئبقية ،

 وكلها تساهم في امتصاص طاقة رد الفعل الإنساني.

 وقد يقول قائل إن هذا تجن على وسائل الإعلام والوسائط التكنولوجية الحديثة ،

فهي وسائل تنوير وإيقاظ للوعي وتحريك للمشاعر ودفع نحو التغيير ،

 وهذا صحيح ولكن في حدود ضيقة تجعل هذه التأثيرات الإيجابية

 في حكم الاستثناءات في كثير من دول العالم

 خاصة دول العالم الثالث التي تبقى يقظة للحيلولة دون تجاوز البرامج الجادة حد الخطورة أو التأثير ،

 فهي لا تمانع في وجود بعض من هذه البرامج الموقظة للوعي أو الكاشفة للحقيقة

 ولكن في حدود تجعلها مجرد تزيين للصورة العامة ودرء للاتهام بالتزييف الشامل ،

 وتحسين الصورة في الخارج والداخل ،

 مع الإبقاء على التفوق النوعي والكمي لبرامج وفعاليات غسيل العقول وتخدير الهمم وتزييف الوعي 

والحيلولة دون انتصاب الفعل الإنساني في اتجاهات التغيير الحقيقي.

 فالناس تعرف الكثير

عن نجوم الكرة ونجوم الغناء وفاتنات السينما وملكات الجمال ومواعيد المسلسلات ومفتى الفضائيات

 أكثر مما يعرفون عن زعماء الإصلاح وجماعات الضغط من أجل التغيير.

ولا يغيب استعمال الدين في عمليات التخدير هذه

من خلال برامج دينية تكرس للتفكير الخرافي وتكرس للاعتمادية السلبية

 من خلال مفتون يشغلون الناس بقضايا هامشية

ومشاهدون وطالبي فتاوى وتفسير أحلام

 أدمنوا التلقي السلبي والاعتمادية الطفيلية الساذجة على ما يقوله المفتون ،

وباعوا قلوبهم وعقولهم لنجوم الإفتاء كما باعوها قبل ذلك لنجوم الكرة والفن.

ويتعلم الناس مزيدا من السلبية من خلال انتخابات تزور إرادتهم

ومن خلال بقاء أوضاع يرفضونها لسنوات طويلة

ومن خلال إجهاض المحاولات التغييرية أو الإصلاحية المتكررة

 أو من خلال فشل الحملات الصحفية الكاشفة للفساد

 ومن ثم فشل كل هذه المحاولات في إحداث أي تغيير ملموس ،

 أو من خلال الملاحقات الأمنية المستمرة والضاغطة ،

 كل هذا يحمل الجماهير على الرضوخ للأمر الواقع

 والاعتقاد في أن الوضع الراهن قدر لا يمكن تغييره إلا بقدر آخر لا دخل لهم فيه.


2 - القابلية للإيحاء والاستهواء والاستلاب:

هذه إحدى الخصائص الهامة في الجماهير خاصة حين يتدنى مستواها التعليمي والثقافي

 فتصبح فريسة لأي شخصية قادرة على اللعب على مشاعرها وتصوراتها واحتياجاتها

 فتندفع بلا عقل إلى التصديق والإتباع دون تثبت أو تحقق

ويساعد على ذلك غريزة القطيع التي تشكل نوعا من الضغط الجماعي على الناس

 فيندفعون إلى اتجاه معين لا لشيء إلا لأن غيرهم مندفعين أو مساقين إلى نفس الاتجاه .

وهذه الخاصية يلعب عليها كثيرا السياسيون أصحاب الشخصيات الكاريزمية

 حيث يمتلكون القدرة على إلهاب حماس الجماهير وتوجيههم إلى حيث يريدون ،

 وفعلا تستجيب تلك الجماهير وهى مغمضة الأعين وتسلم قيادها إلى من تثق به ثقة عمياء

 دون أن تسأل إلى أين؟.

وفي انتخابات العالم الثالث

غالبا لا تطرح برامج حقيقية للمرشحين

وإنما ترفع شعارات رنانة تحرك المشاعر ولا تقنع العقول فالعقول هنا لا تعمل ولا تفند أو تنتقد.

ويلعب الإعلام الموجه دورا كبيرا في تسهيل عمليات الإيحاء والاستلاب والاستهواء

 للجماهير الجاهلة الغريرة ،

 ويزيفون وعيهم ويحتلون إدراكهم ويوجهونه لخدمة مصالح معينة

بعيدة غالبا عن مصالح الجماهير المخدوعة.

ويستطيع الإعلام أن يقوم بهذا الدور حتى في الدول الديمقراطية

 حيث يستغل أدواته المؤثرة في صياغة الرأي العام وصناعته

 والتأثير في خيارات الناخب وتوجهاته من خلال الإلحاح والتزييف

وتسليط الأضواء على أشياء بعينها وإطفاء الأضواء في مناطق ومساحات أخرى

 بهدف خلق الصورة المطلوبة لتزييف الوعي وتوجيه الإرادة.

ولا ينجو من هذا التأثير إلا قلة من المثقفين المستنيرين

 الذين يحتفظون بقدرتهم على الرؤية من خارج إطار القطيع

 ولديهم القدرة على الاحتفاظ بإدراكهم دون تلوث أو تشويه أو تزييف

 ولديهم القدرة على التفكير النقدي وتنبيه الجماهير الساذجة المخدوعة.

ولهذا يتعرض هؤلاء لمصاعب كثيرة

خاصة في النظم الاستبدادية فتلفق لهم القضايا ويزج بهم في السجون ويستبعدون من مواقع التأثير.

3 - أخلاق العبيد:

حين يعيش شعب من الشعوب تحت أنظمة استبدادية لفترات طويلة في تاريخه

 دون أن يتمكن من تغيير هذه الأنظمة

 فإن أفراد هذا الشعب يكتسبون صفات العبيد ،

 فيتعاملون مع كل صاحب سلطة بالخضوع والخنوع والاستسلام ،

 ويرون أنهم غير جديرين بالحياة الكريمة ،

 ويرضون بالفتات الذي يلقى إليهم من يد السيد صاحب السلطة والسطوة.

 وشيئا فشيئا تذوب الكرامة وتنمحي النخوة والعزة والرجولة

 وتسود صفات الانتهازية والنذالة والجبن والتسول المهين ،

 وينطبق على الناس في هذه الحالة ما قاله الشاعر: 

خمسون عاما أنحنى 

مذ كنت يوما سيدي طفلا رضيعا
 
واليوم تأمرني لأرفع هامتي 

فبكل أسفي سيدي لا استطيعا


4 - السادوماسوشية:

ومع الوقت يتعود الناس على القهر والإذلال، بل ويصبح مطلبا نفسيا لهم ،

 إذ يستعذبون الشعور بالظلم

 وخاصة حين تسود ثقافة "يا بخت من بات مظلوم ولا بات ظالم"

 فالناس حينئذ ينقسمون إلى ظالم ومظلوم ،

 فيختار أغلبهم موقع المظلوم الذي ينتظر إنصافه في الآخرة من الظالم ،

 وهذه هي بذور الماسوشية في سلوك الجماهير.

 وعلى الرغم من هذا الخضوع الماسوشي من الجماهير تجاه كل من يملك سلطة عليهم

 إلا أننا نجد في المقابل حالة من السادية تجاه من هو تحتهم ،

 بمعنى أننا نجد الموظف يقبل حذاء رئيسه في العمل ،

 ثم حين يتعامل مع بقية الناس من الجمهور الذي يتردد عليه لقضاء مصالحه

 نجده يذيقهم أشد العذاب ويوقف مصالحهم ويذلهم ويبتزهم بوعي أو بغير وعى ،

 وحين يذهب هذا الموظف إلى البيت

 إما أن تجده زوجا جبارا مستبدا

 أو تجده خاضعا مستسلما منسحبا

وذلك طبقا لموازين القوى بينه وبين زوجته.

 أي أن الناس في هذه الظروف المشوهة

 تتعامل بماسوشية (خضوع واستسلام وتلذذ بذلك) مع الأعلى

 وتتعامل بسادية (قهر وتعذيب واستغلال وتلذذ بذلك) مع الأدنى ،

 وتغيب في هذا الجو العلاقات السوية الناضجة بين أغلب الناس.


سيكولوجية الجماهير: الكتلة الحرجة

على الرغم من إمكانية خداع الجماهير واستلابها واستغلالها وقهرها ،

 وربما يستمر هذا لفترات قد تطول

إلا أن قوانين النفس وقوانين الجماعات تؤدى لا محالة إلى حالة من اليقظة والإفاقة

تؤدى إلى غضبة الجماهير ،

 وهى حين تغضب تتحرك كديناصور ضخم يفيق من نومه شيئا فشيئا

 وتبدو حركته بطيئة في البداية ثم يتجه إلى من أذاه فيدهسه بلا رحمة

 وربما دمر أشياء أخرى كثيرة في طريقه.

 وهذه الهبّة الجماهيرية وما يتبعها من حركة في اتجاه التغيير

 تحتاج لتجمع إرادة نسبة معينة من الناس في اتجاه واحد ، وهذا ما يسمى بالكتلة الحرجة ،

وهذه الكتلة الحرجة يمكن أن تتكون بإحدى طريقتين:
 
1 - التراكم :
وذلك بالزيادة الكمية على فترات طويلة نسبيا من الزمن حتى تصل إلى مستوى يؤدى حتما إلى التغيير.
 
2 - الطفرة :
وتحدث حين تستفز مشاعر الجماهير بشكل مؤثر ومفاجئ خاصة فيما يمس لقمة عيشها أو مشاعرها 

الدينية أو كرامتها الوطنية.

ولهذا تعمل الأنظمة الاستبدادية بوجه خاص على منع تكون الكتلة الجماهيرية الحرجة

 وذلك من خلال بعض أو كل الآليات التالية:
 
1- التفتيت:
وذلك بتجريم التجمعات وسلب حق التظاهر أو اشتراط تصريحات يصعب الحصول عليها ،

 أو التفجير من الداخل بواسطة العملاء المندسين في أحزاب المعارضة أو في التجمعات الجماهيرية 

خاصة الطلاب والعمال لتفجيرها وقت اللزوم من خلال إثارة الخلافات والصراعات.

2- الإجهاض:
ويتم من خلال المتابعة الدقيقة واللصيقة لأي بادرة تجمع جماهيري أو إثارة من أي شخص أو جماعة

 فيتم إجهاضها قبل أن تبلغ مرادها.

 ومع تكرار عمليات الإجهاض تسود لدى قوى التغيير حالة من اليأس والإحباط ،

 فإما أن ينصرفوا عما هم فيه

وإما أن يتجهوا إلى العمل السري أو العنف

وبهذا يعطوا مبررات لاجتثاثهم بدعاوى جنائية تحرمهم من شرف البطولة الشعبية.

3- الترغيب والترهيب:
حيث يتم احتواء بعض القيادات المؤثرة من خلال الإغراء بالمناصب أو المكاسب أو المكانة الاجتماعية 

ومن لا تنجح معه هذه الوسائل تكفيه العصا الغليظة تهوى على رأسه فتردعه وتردع غيره ممن 

تساورهم أنفسهم بالتفكير فيما فكر هو فيه.

4- الرقابة:
وهى عين ساهرة ترصد بدقة أي بادرة تفكير أو نية تغيير فتتعامل معها بأي طريقة من الطرق السابقة.

 والرقابة تستدعى عيونا في كل مكان لرصد أفكار واتجاهات ومشاعر الجماهير ،

 وقد تتم من خلال أفراد سريين أو من خلال أجهزة وتنظيمات أو من خلال مؤسسات شبه علمية.

5- الإبعاد:
وهو طريقة للحفاظ على مراكز الرأي والتأثير خالية من أي بادرة تفكير أو تغيير لا يخدم المصالح 

القائمة ، فتوضع اشتراطات ولوائح معينة تحول دون وصول المعارضين للمراكز أو المناصب المؤثرة. 

وفى بعض الدول التي تقوم على النظام الطائفي يوضع في الاعتبار أن مستويات معينة من الوظائف لا 

يتقلدها أبناء طائفة معينة حتى تظل السيطرة في يد الطائفة الأكثر سيطرة.

سلوك الحشد:

اهتم علماء النفس بسلوك البشر حين يتجمعون في أعداد كبيرة حيث اتضح اختلاف سلوكهم في هذه 

الحالة عن سلوكهم في حالاتهم الفردية ،

 وكأن الحشد (التجمع) يأخذ أبعادا نفسية تتجاوز مجموع اتجاهات وآراء الأشخاص منفردين ،

 وكأن تغيرا نوعيا يطرأ يساعد على خروج أفكار ومشاعر لم تكن متاحة لوعى الفرد في حالته الفردية

 أو في التجمعات الصغيرة (عدة أفراد) ،

 وهذه هي خطورة سلوك الحشد ،

 وهذا هو السبب وراء حرص السلطة (أي سلطة) على تجنب المواقف الحاشدة للجماهير خاصة حين

 تكون غاضبة أو تكون ممنوعة من التعبير لفترات طويلة حيث تصبح إمكانات الانفجار المدمر أكثر 

احتمالا.

ويصف جوستاف لوبون الجماهير في حالة احتشادها وانفعالها واندفاعها وغضبها

 بأنها

 " أبعد ما تكون عن التفكير العقلاني المنطقي ،

 وكما أن روح الفرد تخضع لتحريضات المنوم المغناطيسي الذي يجعل شخصا ما يغطس في النوم

 فإن روح الجماهير تخضع لتحريضات وإيعازات أحد المحركين أو القادة

 الذي يعرف كيف يفرض إرادته عليها ،

وفى مثل هذه الحالة من الارتعاد والذعر

 فإن كل شخص منخرط في الجمهور يبتدئ بتنفيذ الأعمال الاستثنائية

 التي ما كان مستعدا إطلاقا لتنفيذها لو كان في حالته الفردية الواعية والمتعقلة.

 فالقائد أو الزعيم إذ يستخدم الصور الموحية والشعارات البهيجة بدلا من الأفكار المنطقية والواقعية 

يستملك روح الجماهير".

ويمكن تفسير سلوك الحشد

على أنه خروج للمشاعر المكبوتة بعد إزالة عوامل الكبت والقمع

 مع الإحساس بالأمان في وسط المجموع

ومع هدير أصوات الشعارات الجماعية

وبتيسير من قائد يعرف ما يعتمل بطبقات الوعي الأعمق للجماهير فيناديها ويحركها ،

 أي أن القائد الجماهيري هنا لا يستلب الجماهير ولا ينشئ موقفا جديدا

وإنما ييسر خروج مشاعر مكبوتة لديهم ويوجهها إلى حيث يريد بموافقة الجماهير.

 وفى حالات التجمع والحشد يتكون ما يسمى بالجمهور النفسي ، وهو كيان نفسي اجتماعي مؤقت يقوم 

بدور مطلوب من قبل هذا الكيان.

ويصف لوبون هذا الجمهور النفسي بقوله:

 "الظاهرة التي تدهشنا أكثر في الجمهور النفسي هي التالية:

 أيا تكن نوعية الأفراد الذين يشكلونه

وأيا يكن نمط حياتهم متشابها أو مختلفا ،

وكذلك اهتماماتهم ومزاجهم أو ذكاءهم

فإن مجرد تحولهم إلى جمهور يزودهم بنوع من الروح الجماعية ،

وهذه الروح تجعلهم يحسون ويفكرون ويتحركون بطريقة مختلفة تماما

عن الطريقة التي كان سيحس بها ويفكر ويتحرك كل فرد منهم لو كان معزولا ،

وبعض الأفكار والعواطف لا تنبثق أو لا تتحول إلى فعل

 إلا لدى الأفراد المنضوين في صفوف الجماهير"...

"إن الجمهور النفسي هو عبارة عن كائن مؤقت مؤلف من عناصر متنافرة

 ولكنهم متراصوا الصفوف للحظة من الزمن ،

إنهم يشبهون بالضبط خلايا الجسد الحي

التي تشكل عن طريق تجمعها وتوحدها كائنا جديدا

يتحلى بخصائص جديدة مختلفة جدا عن الخصائص التى تملكها كل خلية".....

وفى حالة الذوبان هذه يحدث "تلاشى الشخصية الواعية ، وهيمنة الشخصية اللاواعية ،

 وتوجه الجميع ضمن نفس الخط بواسطة التحريض والعدوى للعواطف والأفكار ،

والميل إلى تحويل الأفكار المحرض عليها إلى فعل وممارسة مباشرة ،

وهكذا لا يعود الفرد هو نفسه ، وإنما يصبح عبارة عن إنسان إلى ما عادت إرادته بقادرة على أن تقوده" 

.... ولذلك يرى لوبون

 أن "الجمهور دائما أدنى مرتبة من الإنسان الفرد ، 

فيما يخص الناحية العقلية الفكرية ،

 ولكن من وجهة نظر العواطف والأعمال التي تثيرها هذه العواطف

 فإنه يمكن لهذا الجمهور أن يسير نحو الأفضل أو نحو الأسوأ -

وكل شيء يعتمد على الطريقة التي يتم تحريضه أو تحريكه بها".

والسلطة تعرف بفطرتها كما تعرف بمفكريها وعلمائها كل هذه الحقائق

 عن سيكولوجية الحشد وطبيعة الجماهير أثناء المظاهرات أو التجمعات الهائلة

 لذلك تحول قدر الإمكان دون تكون هذا الكائن الخطر ،

 وإذا حدث وتكون فإنها تحاول حرمانه من قائد يوجه حركته ضدها ،

 أو تدفع هي بقائد يوجه حركة الجمهور في صالحها ،

 أو تحاول تملق هذه الجماهير بإظهار احترامها وتقديرها

 في الوقت الذي تنظر فيه السلطة إلى الجماهير بأنها لا عقلانية ولا منطقية

وكأنها تتعامل مع طفل صغير تريد استرضاءه حتى يهدأ ثم تفعل هي ما تشاء بعد ذلك.

وفي حالة السلطة الطاغية المستبدة

يكون الحل هو قمع هذه الجماهير أو تفريقها بقوات الشرطة وإذا استدعى الأمر قوات الجيش ،

وقد تفشل هذه الجهود أو تنجح بناءا على موازين القوى بين السلطة والجماهير

 والتي كثيرا ما تتغير بتعاطف أو انضمام قطاعات من السلطة إلى صفوف الجماهير

 خاصة حين تكتشف تلك القطاعات أن فردا يريد استخدامها لسحق الجماهير لصالحه

 وأنه لا يدرك عواقب ما يفعله ،

 خاصة وأن قوى الشرطة والجيش في لحظات حرجة في المواجهة

 تتذكر أنها منتمية إلى هذه الجماهير انتماء قرابة وانتماء مصير ،

 وهنا تتمرد على رأس السلطة (خاصة إذا كان فردا) وتنحاز إلى الجماهير

 فتنقلب موازين القوى بسرعة وتنتصر إرادة الجماهير.

وفي وسط الحشد يشعر الفرد بالأمان لأنه الآن جزء من كيان ضخم يصعب عقابه أو مساءلته ،

 ويتمركز الشخص حول هذا الكيان الضخم أكثر من تمركزه حول ذاته ،

 ويضعف التزامه بالقيود السياسية أو الاجتماعية أو الأمنية أو الأخلاقية ،

 ويتوحد مع الجموع الهائجة في حركة أقرب ما تكون إلى حركة القطيع ،

 وتصبح العواطف الملتهبة هنا هي سيدة الموقف

 فتتحرك الجموع بمشاعر الحرمان أو الرغبة أو الظلم أو القمع أو الإحباط أو الغضب.

وسلوك الحشد من الناحية النفسية أشبه ما يكون بالهستيريا الجماعية

حيث يبدأ الحشد بفرد أو مجموعة من الأفراد يظهرون حماسا معينا بشكل مؤثر

 فينتقل هذا الحماس بما يشبه العدوى إلى الأفراد المحيطين بهم

 ثم تتسع دائرة العدوى بسرعة

تتوقف على قدرة المحركين للحماس

وعلى الحالة الانفعالية لبقية الجموع وكل هذا يحدث بشكل غير واع. 

ولكي يحدث هذا

 لابد من وجود أرضية مشتركة تدعم انتقال هذا الحماس وتصاعده بشكل تلقائي وسريع ،

كأن يكون تحمسا وحبا لفريق كرة معين

 أو كرها وغضبا تجاه شخص أو نظام معين ،

 أو استجابة لشائعة أو فكرة تجد لها في اللاوعي مقابلا يدعمها ،

 كل هذا يوفر أرضية مشتركة للتحرك الجماعي غير الواعي

والذي يفجر طاقات طال كبتها في اللاوعي الفردي والجمعي على السواء.

وسلوك الحشد

 لا يقتصر على المواقف السياسية التي نراها في المظاهرات ،

وإنما نراه أيضا في مباريات كرة القدم حيث تندفع الجماهير في حماس طاغ نحو تأييد فريق معين

 أو الغضب من قرار الحكم فينفلت عيارها وتندفع في خطورة بلا ضابط أو رادع ،

وقد يؤدى ذلك إلى كارثة يموت فيها الكثيرون أو يصابون.

مراجع الدراسة: 

* جوستاف لوبون. سيكولوجية الجماهير. ترجمة هاشم صالح ، الطبعة 19 ، دار الساقي بيروت ، 1991م 

* سالم القمودي ( 1999 م). سيكولوجية السلطة (بحث في الخصائص النفسية المشتركة للسلطة). الطبعة الأولى ، مكتبة مدبولي ، القاهرة 

* عزالدين العلام (2006). الآداب السلطانية. عالم المعرفة ، 324 ، الكويت .

* هربرت شيللر (1999). المتلاعبون بالعقول. ترجمة عبد السلام رضوان ، عالم المعرفة 243 ، الكويت