الجمعة، 19 يوليو، 2013

أثر المساعدات الخليجية في الاقتصاد المصري

أثر المساعدات الخليجية في الاقتصاد المصري


أ.د. محمد إبراهيم السقا


حتى وقت قصير،

وفيما عدا العرض القطري بشراء ثلاثة مليارات دولار من السندات المصرية 

لمساعدة الاقتصاد المصري على اجتياز أزمة السيولة التي أخذت تشتد

معرضة الجنيه المصري لمخاطر الانهيار 

كانت احتياطيات مصر من النقد الأجنبي تتراجع على نحو سريع،

وأخذ معدل صرف الجنيه المصري بالنسبة للدولار في التراجع من ستة جنيهات قبل الثورة،

 ثم تخطى حاجز السبعة جنيهات،

 وبدا من الواضح أنه يتجه بسرعة نحو حاجز الثمانية جنيهات وهلم جرا.

 كنت أتوقع أن ينتهي العام والدولار الأمريكي يدق حاجز العشرة جنيهات،

 فأزمة السيولة في النقد الأجنبي بالفعل خانقة،

وأية محاولات يقوم بها البنك المركزي من خلال تحرير كميات من النقد الأجنبي

 للتخفيف من الضغوط القائمة على الجنيه يختفي أثرها سريعا مخلفة أثرا محدودا على قيمة الجنيه،

 الذي يتراجع مع أي تراجع يحدث في الاحتياطيات من النقد الأجنبي

 التي تمثل خط الدفاع الأول عن معدل صرفه أمام العملات الأجنبية.

ما إن تم عزل الرئيس محمد مرسي،

 حتى انهالت المساعدات الخليجية على مصر في صورة حزم بلغت قيمتها نحو 12 مليار دولار.

 توزعت الحزمة السعودية،

بين مليار دولار منحة نقدية لا ترد،

 وملياري دولار منحة عينية تتمثل في منتجات بترولية وغاز،

إضافة إلى ملياري دولار وديعة لدى البنك المركزي المصري دون مصاريف تمويل،

بينما توزعت الحزمة الإماراتية

في تقديم منحة نقدية لا ترد بقيمة مليار دولار،

 ووديعة بدون فائدة بملياري دولار في البنك المركزي المصري،

 في الوقت الذي توزعت فيه المساعدات الكويتية 

في صورة منحة نقدية لا ترد بقيمة مليار دولار،

 ووديعة بقيمة ملياري دولار لدى البنك المركزي،

إضافة إلى منحة عينية تتمثل في نفط ومشتقات نفطية بقيمة مليار دولار.

بهذا الشكل ستؤدي المساعدات الخليجية إلى رفع احتياطي النقد الأجنبي في البنك المركزي المصري

 بمقدار تسعة مليارات دولار،

وهو بلا شك رقم كاف للتخفيف من آثار أزمة السيولة الحادة التي يتعرض لها الاقتصاد المصري في 

الأجل القصير،

 والتي ترتب عليها تراجع الجنيه المصري على النحو الذي أشرنا إليه مسبقا،

 فضلا عن تخفيف الضغوط على هذه الاحتياطيات بقيمة ثلاثة مليارات دولار لتمويل الواردات النفطية

 التي ستقدم لمصر في صورة منحة عينية.

يفترض أن تؤدي هذه المساعدات إلى تخفيف الضغوط على الجنيه المصري في سوق النقد الأجنبي،

 بل يتوقع في ظل هذا النمو في الاحتياطيات أن يأخذ الجنيه المصري في الارتفاع مرة أخرى

 ليعوض جانبا من الانخفاض في قيمته بعد ثورة يناير،

 ومن الطبيعي أن يصاحب ذلك

 بعض التراجع في الضغوط التضخمية مع ارتفاع القوة الشرائية للجنيه المصري،

 خصوصا بالنسبة للضغوط التضخمية المستوردة من الخارج.

يتوقع أيضا أن تؤدي هذه المساعدات إلى تدعيم الثقة في الدين المصري الخارجي،

 وأن نشهد ارتفاعا في التقييم الائتماني لمصر أو على الأقل استقرارا للتصنيفات الائتمانية الحالية،

وربما مع نظرة مستقبلية مستقرة،

وذلك بعد أن شهدت الأشهر الأخيرة تخفيضات متتالية في درجة التصنيف الائتماني لمصر،

حيث أصبحت سندات الدين المصري وفقا لآخر التصنيفات

سندات غير مرغوب الاستثمار فيها Junk Bonds.

 وقد بدأت بالفعل ملامح هذا التحول في الظهور،

حيث بدأت علاوات التأمين على السندات المصرية في الانخفاض بصورة واضحة في الأيام الأخيرة،

 كما انخفض معدل العائد المطلوب على هذه السندات في أعقاب الإعلان عن هذه المساعدات.

هذا بالنسبة للآثار المالية والنقدية للمساعدات الخليجية،

اما بالنسبة للآثار على الاقتصاد الحقيقي،

فإن ذلك سوف يعتمد أساسا على مقدار الثقة التي تضفيها هذه المساعدات على الاقتصاد المصري،

 وما تسهم به من تشجيع لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الذي يدعم الجهاز الإنتاجي في مصر،

غير أنه ليس من المتوقع أن تحدث المساعدات هذه الآثار على المديين المتوسط والطويل،

 حيث تظل تدفقات الاستثمار الأجنبي تعتمد أساسا على فرص الاستثمار الحقيقية المتاحة في مصر،

وهي كثيرة،

ولكنها ستطلب لاستغلالها استقرارا سياسيا وأمنيا فضلا عن تحسين بيئة الأعمال للمستثمرين الأجانب،

 بصفة خاصة على صعيد التشريعات وهيكل الحوافز المختلفة والإعفاءات المختلفة،

 بصفة خاصة الضريبية،

 التي ستقدمها مصر لتدفقات الاستثمار الأجنبي،

ومثل هذه التغيرات تتطلب من صانع السياسة أن يوليها أولوية أولى،

فمصر اليوم في حاجة إلى الاستثمار الأجنبي المباشر أكثر من أي وقت مضى في تاريخها المعاصر.

الآثار الإيجابية للمساعدات ستظل إذن آثارا قصيرة المدى،

 سرعان ما سيتلاشى أثرها إذا ما لم يحدث تحول جوهري في أداء الاقتصاد المصري وقدراته التنافسية

 على تعبئة الكميات الكافية من النقد الأجنبي لمجابهة النمو المتزايد في الطلب عليه،

 وبشكل عام تتمثل أهم مصادر النقد الأجنبي في مصر في إيرادات السياحة،

 وتحويلات المصريين العاملين في الخارج ورسوم المرور في قناة السويس،

 للأسف أكبر هذه المصادر، وهو إيرادات السياحة مرهون بالاستقرار السياسي وبالتطورات الأمنية في 

الشارع المصري وهذه تفتقدها مصر في الوقت الحالي.

 بينما نجد أن رسوم المرور في قناة السويس وتحويلات المصريين العاملين في الخارج تمثل أكثر هذه

 المصادر استقرارا،

 وإن كان الأخير من الممكن أن يتعرض للتراجع مع استمرار عدم الاستقرار السياسي والأمني في

 مصر.

على المديين المتوسط والطويل

 إذا لم ترتفع قدرة الاقتصاد المصري على تعبئة النقد الأجنبي من مصادره المختلفة،

فإن أثر هذه المساعدات سيذوب سريعا،

حيث سيتم التهام هذه الزيادات في الاحتياطيات من خلال الفجوة الكبيرة بين الطلب على النقد الأجنبي 

والعرض منه،

 لتعود الضغوط مرة أخرى على الجنيه المصري نحو الانخفاض.

لذلك أعتقد أن التحدي الرئيس أمام الاقتصاد المصري اليوم

 هو تجاوز المرحلة الانتقالية الحالية بأمان تتمكن من خلاله مصر من استعادة الأمن في الشارع 

المصري،

 وتهيئ الفرصة أمام القطاع السياحي في الانتعاش مرة أخرى،

وأن تبدأ برنامجا جادا لتطوير بنيتها التحتية على النحو الذي يؤهلها لجذب المزيد من الاستثمار الأجنبي،

 خصوصا في المجالات كثيفة الاستخدام لعنصر العمل

حتى تتمكن من رفع مستويات النمو والدخول والتوظيف،

وهو ما يحتاج إلى توافق وطني بين القوى السياسية المتصارعة في مصر حاليا

وتمكين الحكومة من إحكام سيطرتها الإدارية،

 ذلك أن مفتاح الحلول لمشكلات الاقتصاد المصري

يكمن حاليا في استقرار الساحة السياسية قبل أن تبدأ المعالجات الفنية لتلك المشكلات،

 وإلى أن يتم ذلك 

فإن المساعدات العربية، على الرغم من أهميتها،

 ستكون بمثابة حقنة مسكنة للاقتصاد المصري.

http://www.aleqt.com/2013/07/19/article_771520.html