الثلاثاء، 25 يونيو، 2013

جدلية العقل و الوحي

جدلية العقل و الوحي

محمد فيصل يغان

الحوار المتمدن

-العدد: 3684 - 2012 / 3 / 31 - 23:36


كل التقاليد تحيى بفضل التأويل
بول ريكور

محدودية المعرفة البشرية تكفي لأن تنزع منا البراءة و لكنها لا تكفي لأن توصلنا إلى الحكمة.

من هنا تنشأ الريبية و اللاأدرية و العدمية كظواهر تبقى مرافقة للفكر البشري طيلة مسيرته,

 و لا خلاص من هذه اللاأدرية و الحيرة إلا بالمزيد من المعرفة المؤدية نحو الحكمة,

 أو العودة الرومانسية لمرحلة البراءة من خلال رفض ما حققته المعرفة البشرية على مدى مسيرتها,

 فالراحة لا تكون إلٌا في حال البراءة أو حال الحكمة.

مسيرة المعرفة البشرية تتخللها انقطاعات تسود خلالها اللاعقلانية

 نتيجة تشكل مؤسسات اجتماعية (سياسية, دينية أو فكرية) في أشكال لاعقلانية تعمل على تقييد العقل البشري وتسخيره

 لتبرير أوضاع قائمة لصالح طبقة أو فئة من طبقات و فئات المجتمع,

 مما يعمق من أثر إشكالية المعرفة-الحكمة المذكورة و يضاعف من أهمية تجاوزها و استئناف مسيرة الفكر و المعرفة

 تجنباً للنكوص الرومانسي إلى الماضي بحثاً عن البراءة.

و ليس هنا مجال البحث في العوامل التاريخية؛ الاقتصادية و الاجتماعية المؤدية لظهور هذه المؤسسات

و إنما البحث في علاقة العقل البشري بإحدى هذه المؤسسات و التي تقوم بالأساس على احتكار الوحي

و إلغاء العلاقة الأصيلة ما بينه و بين العقل.

 نقصد هنا الوحي بمفهومه الأوسع 

و الذي عبر عنه أركون على النحو التالي

 "و تحديدنا الخاص الذي نقدمه عن الوحي يمتاز بخصيصة فريدة,

 هو أنه يستوعب بوذا و كونفوشيوس و الحكماء الأفارقة,

 و كل الأصوات الكبرى التي جسٌدت التجربة الجماعية لفئة بشرية ما من أجل إدخالها في قدر تاريخي جديد

و اغناء التجربة البشرية عن الإلهي"

 (محمد أركون, الفكر الإسلامي, نقد و اجتهاد ص.84),

 و المؤسسات المحتكرة للعقل و للحقيقة المقصودة في هذا المقال

 ليست محصورة هي الأخرى بالمؤسسات الدينية, بل تتعداها إلى أي مؤسسة قائمة على لاهوت,

 سواء (لاهوت عقلي) محض من مثل الأحزاب الشمولية و التيارات الفكرية الدوغمائية

 أو لاهوت ديني و التي تحجر على العقل و توظفه في خدمة دوغمائيتها.

المقولة الرئيسة في هذا البحث

هي أن السبيل الوحيد المتاح للإنسان للوصول إلى الحقيقة هو العقل.

 و الوحي هو وعي لهذه الحقيقة اي حقيقة ( أن السبيل الوحيد المتاح للإنسان للوصول إلى الحقيقة هو العقل.)

و تذكير للإنسان بها,

 و دعوة للعودة إلى العقل حين تسود لاعقلانية المؤسسات الاجتماعية و محاصرة هذه المؤسسات للعقل و تحجيمها له.

 فكما نعلم, يتفق غالبية المفكرين و الفلاسفة على أن المسائل الكبرى في الإيمان من مثل وجود الله و الخلود و العقاب و الثواب

 يمكن التوصل إلى حلول لها بواسطة العقل وحده دون الحاجة إلى مصدر مفارق للعقل,

 بهذه الحالة

 ألا يجدر بالوحي أن يكون بدايةً دعوة للعودة إلى العقل؟

 و إن كان العقل قادراً على الحسم في هذه الأمور المفارقة,

 أو ليس من الأولى به

 أن يحسم في الأمور الدنيوية

مبطلاً بذلك المؤسسات و الترتيبات الدنيوية المشوهة السائدة و المخالفة لأحكام العقل؟

من هنا تزامن ظهور الوحي (بأشكاله المختلفة) مع سيادة اللامعقول في حياة المجتمعات البشرية

من خلال تفشي و سيادة تشوهات مؤسسية بنيوية و علائقية.

التساؤل و البحث عن إجابات صفة محصورة بالبشر, و الملكات التي تؤدي هذه الوظيفة نسميها العقل البشري.

 أي أن العقل هو القدرة على التساؤل و الإجابة ,

 و التساؤل بحد ذاته و بذاته, يعني تجاوز الواقع المعطى بالزمان و المكان الآنيين إلى واقع مفارق برسم الممكن,

 فالتساؤل حول شيئ ما يبعث به الحياة فجأة, و يصبح له تاريخاً و مستقبلاً و فعلاً,

 فالجبل الذي تراه يومياً من نافذة منزلك يبقى شيئاً ميتاً حتى تطرح حوله سؤالاً فتدب فيه الحياة بلحظة

 وتمتثل في ذهنك كل التغيرات الجيولوجية و المناخية التي قد تكون مرت و أدت إلى تشكله في شكله الحالي

و تتمثل في ذهنك أيضاً تصورات حول مستقبل و مصير هذا الجبل.

 و كذا الأشخاص الذين تصادفهم في الطريق,

 فهم أشياء تتحرك بلا معنى بالنسبة لك حتى تطرح سؤالك حول أحدهم

فتدب فيه الحياة فجأة و تترائ لك من الاحتمالات ما لا يحصى.

 العقل إذن بطبيعته معني بالمفارق و خالق له,

 و إذا كان الفكر الموزون يحلل و يستقرئ و يستنبط من الواقع القائم,

 فإن الحدس يتجاوز هذا الواقع من خلال إنشاء (احتمالات واقع) مفارق.

 إذن لا سبيل إلى هذا الواقع المفارق سواء كان لاهوتاً أو ميتافيزيقا أو أسطورة أو حتى سحرياً سوى العقل,

 فطرح السؤال إذن ينقل الذات المتسائلة من واقع معاش إلى واقع افتراضي متعدد الاحتمالات,

 و عند الظفر بالإجابة, (تنهار موجة الاحتمالات كما يقال في الفيزياء الكمية) إلى واقع جديد تعايشه ذات المتسائل الجديدةً أيضاً,

 حيث يتبدى الفهم للعقل المثالي (ليس بوصفه دُرجة للمعرفة, و لكن بوصفه دُرجة للكينونة),

 (بول ريكور, صراع التأويلات, ص.36).

 لو تسائل العقل مثلاً بخصوص نص ما,

 فالتأويلات المحتملة لهذا النص هي عوالم افتراضية برسم التحقق,

 و حين يركن العقل إلى إحدى هذه التأويلات فأن عالماً جديداً ينشأ أمام العقل يكون التأويل المعتمد جزءاً أساسياً منه,

 و تعدد التأويلات و تجاوز بعضها للبعض الآخر لا يعني انتفاء أصل موضوعي واحد مشترك و مؤسس لها جميعاً,

 و الدليل بقاء كل هذه التأويلات ضمن دائرة واحدة يحددها هذا الأصل الموضوعي,

 و هو في مثالنا هذا النص المؤول,

 فكما يقال, إن الثمرة لا تسقط بعيداً عن الشجرة.

 و نشير هنا إلى حقيقة أن التأويلات المحتملة ليست محمولة في ذات النص,

 بل هي محمولة في الأسئلة التي يطرحها عقل المؤول على النص مطالباً إياه بالإجابة

 بناءً على قناعة العقل بقدرات النص السحرية و المكتسبة من مرجعية النص المقدسة.

الإجابة العقلية تكاد لا تسكت سؤالاً حتى تثير غيره,

 و اللامعقول في هذه الحالة هو عدم تناسب الجواب مع السؤال,

 و أشبه بعدم تناسب البنية مع الوظيفة,

 فالتناسب يتحدد اما في إطار التجربة أو في إطار الغاية

 (مثال عدم تناسب عقوبة غايتها الانتقام مع غاية الإصلاح لنفس الجريمة).

 التفاعل مع الواقع يؤدي لا محالة إلى تجارب جديدة تثبت عدم التناسب فتتطلب تبديل الجواب,

 و الغاية تتبدل (تبدل الغاية من العقوبة من الانتقام إلى الإصلاح)

 فيتبدل تناسب الجواب مع السؤال و يتحول المعقول الى لا معقول,

 فلا بد إذن من العودة إلى العقل,

 أي إلى طرح السؤال و الإجابة عنه مرة أخرى 

و عندما تصبح هذه العودة ملحة يظهر الوحي.

عموماً فإن الدورة التاريخية الكبرى للمجتمع البشري,

 يحكمها جدل المعقول و اللامعقول و الانتقال الدوري بين هذين القطبين,

 و المعقول هو حضور العقل

 و اللامعقول هو غيابه,

و الوحي هو الدعوة إلى العودة للعقل حين بسود اللامعقول

و هذه سمة كل الحركات الإصلاحية أو الثورية الفكرية و السياسية,

 و المعقول هو ممارسة العقل لحقه في طرح كل الأسئلة في كل الاتجاهات,

 في اتجاه الماضي و المستقبل و عالم الطبيعة و عالم المثل,

 و اللامعقول هو فرض القيود على العقل في طرح الأسئلة و إيجاد الأجوبة عليها

و توجيهها في اتجاه واحد إما إلى الماضي دون المستقبل أو العكس, و إما إلى الطبيعة دون المثل أو العكس,

 هكذا تتنوع اللاعقلانية من دينية إلى علمانية

 (انظر بخصوص اللاعقلانية العلمانية فصل الاسلام المعاصر أمام تراثه و العولمة, أركون, قضايا في نقد العقل الديني).

المشكلة:

 ماذا لو كانت الغاية هي حفظ الوضع على ما هو عليه, باعتبار ان الغاية النهائية تحققت؟

 وجب عند إذن بالضرورة تحييد العقل وعدم السماح له بطرح اسئلة جديدة و لا البحث عن أجوبة جديدة.

 و المشكلة الأدهى

 ماذا لو كانت الغاية هي العودة إلى وضع سبق تجاوزه و إثبات لامعقوليته؟

 وجب في هذه الحالة إرغام العقل على التنكر لمنجزاته التي حققها منذ تجاوز ذاك الوضع السابق, أي وجب على العقل انكار ذاته.

 ألم يجبر غاليليو على إنكار دوران الأرض حول الشمس؟

 من هنا ضرورة مناقشة العقل و العقلانية في اطار التاريخ و المجتمع لا في إطار محض فلسفي متعالي.

قيل في البداية كان الكلمة, أو اللوغوس, و قيل النوس أو النفس و قيل العقل أو RATIO و قيل حدس أو INTELLECT

و من مرحلة تاريخية إلى أخرى و من حركة ترجمة و نقل إلى أخرى و من مدرسة فكرية إلى أخرى أيضاً

تم تقاذف هذا المفهوم بصورة شوشت المقاصد الأصلية لأصحابها و خلقت خلطاً في أذهان الجمهور المتلقي.

 في خضم هذا التلاطم للمفاهيم التي ظهرت و سادت في الماضي (و اليوم أيضاً في كثير من الحالات)

 نستطيع أن نشير إلى عامل مشترك أول يقبع في الخلفية المشتركة لهذه المفاهيم و مستخدميها

 ألا وهو أن العقل بمترادفاته المختلفة هو من طبيعة لا مادية و مفارقة (كانعكاس للعالم المفارق الذي أنتجه العقل ذاته)

 و هذا انطباع مبرر

 أولاً بسطحية المعرفة البشرية في الطبيعة المادية ومنها الطبيعة التشريحية و النفسية للإنسان في فجر الحضارة,

 و العمق المفقود في هذه العلاقة أي العلاقة مع الجزء الفاعل الغير مرئي (ولكن المحسوس بقوة) من الوجود أي ما وراء الطبيعة,

 الميتافيزيقا, الله, و انفصام هذا العالم المفارق عن أصوله الواقعية, و الذي كان الشغل الشاغل للعقل البشري.

 وكون العقل الموزون لا يتعامل سوى مع المعطى المحسوس (وهو كما بينٌا محدود بسطحية التجربة العلمية) أو العقلي,

 تاركاً الريادة للعقل الحدسي و أدواته في سبر هذا العمق و إغناء عالم المعطيات العقلية,

 و ترك مهمة حل تناقضات المحسوس و العقلي للعقل الموزون المكبل اليدين بمحدودية وسائل التجريب و التفاعل مع الطبيعة,

 و بالتالي فالعقل لا بد هو من الله و إلى الله,.

 و ثانياً بكون العقل البشري لم يكتفي يوماً بالحقيقة المباشرة البسيطة المجزأة و المعنى البسيط للوجود المستبط منها,

 و كان حسب وصف راندال لنظرة العقل في القرون الوسطى:

"كان العالم رمزاً كبيراً سره الأساسي معناه لا حوادثه أو أسبابها"

(جون هرمان راندال, تكوين العقل الحديث, ص. 86).

 و العقل بقدرته على الحدس كان دائم التواصل مع حقيقة مخفية خلف الظاهر,

 حقيقة كلية جامعة تؤسس للمعنى الأعمق أو معنى المعنى,

 و تاريخ تطور مفهوم العقل ما هو إلٌا انعكاس لتطور تصور الإنسان لهذه الحقيقة الأعمق وانعكاساتها في الطبيعة و في الإنسان,

 ولا يشذ عن هذه القاعدة كما سنرى,

 إلا مفهوم العقل الذي تشكل في الغرب أبان القرن التاسع عشر

بُعيد و بالتوازي مع الداروينية و الماركسية و الكومتية و ظهور وتعظيم العلوم الإجتماعية,

 هذه المدارس الفكرية (المادية و الوضعية المنطقية عموماً) التي أدارت مفهوم العقل بمائة و ثمانين درجة

 ليصبح من الطبيعة وإلى الطبيعة,

 وأصبح دوره محصوراً في النظر في الجزئيات و الاكتفاء بالبحث عن المعنى فيها,

 و بالتالي تبخيس قدرة العقل على الحدس

و بالنتيجة, اختزال الإنسان في بعد واحد أو في أفضل الأحوال تمزيقه من خلال قطبية ثنائية للعقل.

 و كردة فعل على هذا الاكتفاء بالمعنى المباشر,

 ظهرت الدعوة-الوحي للعودة إلى العقل بصفته الباحث عن معنى المعنى

(هندسة المعنى, المعنى المضاعف, المعنى المتعدد أو الرمز حسب تسميات ريكور),

 (بول ريكور, صراع التأويلات, ص.43)

 بالركون مرة أخرى على قدرات الحدس العقلية, فكان التيار الظاهراتي و التيار الهيرمينوطيقي (تيارات ما بعد الحداثة عموماً).
 
العقلانية

 (ما قبل الحداثة, مع ملاحظة أن التقسيمات الزمنية هذه عمومية)

 كانت تعني النظر إلى العقل على أنه طريق ووسيلة البشر الوحيدة للتواصل مع الله,

 أو بالأصح لتواصل الله مع البشر (بحكم طبيعة العقل الإلهية) و تحقيق الإرادة الإلهية على الأرض و في المجتمع,

 و الوحي بذلك ليس سوى دعوة لإيقاظ هذا العقل وتحفيزه للقيام بما خلق لأجله.

ولم ينازع هذه الوسيلة –العقل وظيفتها سوى مؤسسة الوحي,

 المؤسسة الدينية-السياسية التي احتكرت الوحي و حرفته عن هدفه الأول بالإضافة حيناً و بالتزوير أحياناً,

 المؤسسة التي حولت الوحي من نداء للعقل إلى قيد له,

 و فرضت نفسها كوسيلة لتوصيل الحقيقة المطلقة

بحجة أنها لم تتلوث بالشوائب و أشكال القصور المادية المتعلقة بالعقل بحكم تواجده مع المادة و فيها

( كما في قول ابن تيمية :

قد تدبرت عامة ما يذكر المتفلسفة والمتكلمة، والدلائل العقلية فوجدت دلائل الكتاب والسنة تأتي بخلاصته الصافية عن الكدر "

التسويد من لدينا"،

 وتأتي بأشياء لم يهتدوا إليها، وتحذف ما وقع منهم من الشبهات والأباطيل مع كثرتها واضطرابها.

 الفتاوى 19/232,)

 و مؤسسة الوحي لم تكن لتنافس العقل بصفته الموزونة (اللوغوس, RATIO)

بمعنى ملكات الاستنتاج و الاستنباط و الاستقراء و التحليل و التركيب,

 بل وظفت هذه الملكات لخدمة حقيقتها (منطق أرسطو في خدمة اللاهوت المسيحي و المسلم),

 إنما نافست العقل بمعناه الآخر, الحدسي (النوس, INTELLECT) أي القدرة على رؤية الحقيقة,

 فهم الحقيقة و التوحد مع الحقيقة,

 أي بمعنى آخر مصدر الحقائق الأزلية و المنطلقات الأولية, أي العالم المفارق.

 فلا غرو إذن أن تكون أول جبهات الصراع ما بين فكر المؤسسة الدينية و الفكر العلمي هي علوم الفلك,

 فالفكر الديني كان قد أسس مقولاته على أن الأفلاك هي مسكن الأرواح و الآلهة و ذات طبيعة مفارقة,

 فما أن تجرأ الفكر العلمي على افتراض نظام مغاير (النظام الشمسي الكوبرنيكي بدلاً من النظام الشمسي البطليمي)

حتى أشهرت المؤسسة الدينية (الكاثوليكية و البروتستانتية على السواء كما يعلِمنا برتراند راسل) كافة أسلحتها لمقاومة هذا الغزو,

 و المواجهة المعروفة ما بين الكنيسة و غاليليو (و كوبرنيكوس بأثر رجعي) لم تكن الأولى,

 بل سبقتها مواجهة مماثلة و حول نفس الموضوع في القرن الثالث قبل الميلاد

حين قال أريستاكوس من ساموس (قبل بطليموس بأكثر من أربعمائة سنة) بمركزية الشمس و دوران الأرض

 (أنظر في برتراند رسل, الدين و العلم, ص.15).

لغرض المناقشة الحالية,

 يكون الفكر الموزون هو محاولة العقل رفع المفهوم (عموماً) الهلامي إلى مستوى المصطلح الصلب,

 في حين يكون الحدس هو البحث عن المدى (الحقل الدلالي) الذي يمكن للمفاهيم الهلامية أن تصل إليه.

وأهم هذه المنطلقات الأولية و التي يقف الفكر الموزون أمامها على النقيض من الحدس

هي فكرة الله, الموجود المطلق العلم و الإرادة,

 وهي فكرة إن بُنيت فقط على معطيات ملاحظة الفكر الموزون العقلية للأشياء,

 شابها تناقض الكلي الإلهي مع الجزئي الإنساني المتمثل في إرادة و علم البشر,

 و هذا التناقض أوضح ما يتجسد بأحجية الجبر و الحرية, التخيير و التسيير, و معضلة السببية و الغائية,

 وليس سوى الحدس بقادر على تصور عالم آخر تسمح أبعاده بجمع النقيضين لا على أساس جدلي بل على أساس حدسي

"أن التناقض ينفي المنطق و ليس التفكير"

 (ج.طرابيشي, المثقفون العرب و التراث, التحليل النفسي لعصاب جماعي, ص.136),

 كشكل من أشكال تجاوز المعرفة بالواقع الحاصل إلى الممكن الحصول الذاتي,

 و ليس سوى الحدس بقادر على استيعاب هذه (الحقيقة) و الدخول في جدل مع الفكر الموزون لتجاوز التناقض

كما تجسدت جزئياً في النقاشات التي دارت و تدور حول اكتشافات الفيزياء من الميكانيكا النيوتونية ألى النسبية و أخيراً ميكانيكا الكم,

 و الهدف دوماً هو أن تكون أفعالنا ضمن نطاق علم و إرادة الله و نكون بنفس الوقت مسؤولين عنها

و بالتالي توفير المرجعية الأخلاقية للقوانين المسيرة لحياة المجتمع.

و العقدة هنا

في كون الفكرة الحدسية بصفتها تصور عن الحقيقة قابلة بطبيعتها للتغير و التطور

من خلال علاقتها الجدلية مع الفكر الموزون و تفاعله مع الواقع القائم فعلاً,

 في حين أن الفكرة المفروضة من المؤسسة الدينية المحتكرة للوحي و بالتالي للحقيقة, محصنة من التغيير,

 و ترفض التجادل مع الفكر الموزون, و ليست سوى موقف عرفاني

 (كما يقول غارودي "الجذر العرفاني للمثالية هو عزل إحدى لحظات المعرفة واعتبارها كل المعرفة".

روجيه غارودي, النظرية المادية في المعرفة, ص.62)

 تم توظيفه كصيغة لتبرير وضع قائم و إدامته.

وليس هناك مثال أوضح من جدلية الفكر الموزون و الفكر الحدسي من تلك التي نجدها لدى كبلر كما قدمها راندال:

 (ونجد أن إيمان كبلر ببساطة النظام الكوني, وانسجامه, ونظامه الرياضي يمثل نزعة فيثاغورية, بصوفيتها, تمثيلاً كليًا.

 فهو في كتابه الأول "سر العالم" يسعى إلى اكتشاف العلاقات الرياضية المحددة الدقيقة في العالم, التي هي من وحي الروح الإلهي .

 والكون هو صورة للثالوث المقدس.

 فالشمس المركزية هي الأب.

 والكرة المحيطة هي الابن.

 والعلاقات الهندسية بينها وبين الكواكب والأفلاك هي الروح القدس...

وكان كلما تقدم في عملية التثبت من صحة نظرياته بالملاحظة الدقيقة أخذ اهتمامه الديني يتضاءل

قال – كبلر, م. ي.-

"اعتقدت في ما مضى أنَّ القوة التي تحرك الكواكب هي نفس حقيقية .

 لكنني أظهرت في بحثي عن المريخ أنه لا توجد نفس مثل هذه .

واستنتجت أن هذه القوة يجب أن تكون قوة مادية"),

 (جون هرمان راندال, تكوين العقل الحديث).

هذا و قد أبان العروي (في ما نرى) في كتابه مفهوم العقل

مثالاً عن الإغلاق الفكري الذي تفرضه المؤسسة من خلال استيلائها على دور الحدس,

 و ذلك بمثال ابن خلدون المؤمن بأن (ما يستقبل هو من الغيب الذي لا يتم إلا بالكشف)

 و بأن (الذي ينبغي أن يكون نصب فكرك أن الغيوب لا تدرك بصناعة البتة

و لا سبيل إلى معرفتها إلا إلى الخواص من البشر المفطورين على الرجوع من عالم الحس إلى عالم الروح)

 (اقتباسات واردة في عبد الله العروي, مفهوم العقل, ص.214),

 وحسب عبد السلام بن عبد العالي في قراءته للكتاب المذكور

يقول

 (هذا الانسداد هو ما يجعل صاحب المقدمة عاجزا عن إقامة منطق حقيقي للفعل.

 ذلك أن الفعل لا يكون فعلا إلا إذا كان تجرؤا على أمر غير محقق.

 وهدف التوقع هو العمل وليس المعرفة المجردة)

 (مقال على الشبكة الدولية)

 بمعنى أن ابن خلدون لم يتجرأ على تجاوز التصور الذي فرضته المؤسسة الدينية كلياً,

 فأبقى على معرفة الوحي و الكشف كمعطى في المبادئ

و حاول التوفيق مع العقل التجريبي (الموزون)المؤسس للحياة الفعلية الواقعية أي مع دعوة الوحي الأصيلة للعودة إلى العقل,

 و حصر بالنتيجة العقل في الواقعات الحاصلة فقط,

و هذا مصدر شبهة الانفصام في موقف ابن خلدون من العقل

كما تتجلى في (المقدمة) عموماً و في دراسات الباحثين المتخصصين بفكر ابن خلدون.

و من هنا أيضاً تشتت الخلدونية ما بين علم الاجتماع و فلسفة التاريخ و عدم تشكل فكره في إطار علم واضح المعالم,

 فالتناقض ما بين المبادئ و المنهج لا ينتج علماً.

 و بالمقارنة مع فكرنا السائد في عصرنا الحالي بتناقضاته ما بين ادعاء منهج علمي و منطلقات غيبية,

 نجد تفسيراً لقولة أومليل

 " أن ابن خلدون بالنسبة للقراء العرب اليوم هو من يمثل أكثر من غيره العنصر العصري في الثقافة التقليدية.

فهو عندهم المبتكر لنظريات اخترقت الزمان، بل ما تزال قابلة للتطبيق على الواقع العربي،

 أو على الأقل على الواقع الحالي لبلدان المغرب"

 (علي أومليل, الخطاب التاريخي - دراسة لمنهجية ابن خلدون, ط3, ص.7) ,

 فتناقضاتنا (العصرية) هي تناقضات ابن خلدون, و بالتالي نراه (معاصراً) لنا,

 و أيضاً حسب لاكوست:

" ابن خلدون هو في الوقت ذاته مؤمن، تقليديّ المعتقد، صوفي، مفكر عقلاني جدّ عظيم. وهو يبدو كذلك أشبه بأعجوبة"

 (إيف لاكوست، العلاّمة ابن خلدون، ط. 2، ص. 247 ) 

و هذه أوصاف تنطبق على الغالبية العظمى من مفكرينا اليوم.

من هذه الزاوية لا نرى كبير اختلاف ما بين ابن خلدون و ابن رشد القائل:

" إن الحكماء من الفلاسفة ليس يجوز عندهم التكلم ولا الجدل فى مبادئ الشرائع مثل:

 هل الله تعالى موجود ؟ وهل السعادة موجودة ؟ وهل الفضائل موجودة ؟.

وفاعل ذلك عندهم محتاج إلى الأدب الشديد ، ولذلك وجب قتل الزنادقة..

فيجب على كل إنسان أن يسلم بمبادئ الشرائع ، لأن مبادئها أمور إلهية تفوق العقول الإنسانية ،

 وكيفية وجودها هو أمر معجز عن إدراك العقول الإنسانية ، فلابد أن يعترف بها مع جهل أسبابها.. "

 (و التسويد من لدينا)

(أنظر تهافت التهافت, ص. 121, 122, 125 أو موقع الأزهر الالكتروني باب شبهات المشككين),

 أو لم يرفض النبي ابراهيم عبادة الأصنام عقلاً كما في الآية:

( (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) الأنعام 74,

 ثم توصل إلى اليقين عقلاً أيضاً كما في الآية:

(وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) الأنعام 75,

من خلال إعمال عقله في المشاهدات كما في الآية:

(فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ) الأنعام 76؟

فكيف يدعو رمز العقلانية التراثية إلى الاعتراف بشيء مع جهل أسبابه؟

و هل من تفسير لهذا الموقف المناقض للعقل سوى التماهي مع المؤسسة القائمة أو في أحسن الأحوال اتقاء شرها و أذاها؟

مما سبق تتضح لنا طبيعة الصراع الخاصة في المجال الديني ما بين أنصار الفكر الديني-المؤسسة و أنصار العقل,

 أو الصراع حول علاقة العقل بالوحي

و بالأجمال, ما تعنيه العقلانية في الدين و ما تعنيه العقلانية المتدينة.

و هذه العلاقة التنافسية كانت دوماً مسرح الصراع السياسي داخل المؤسسة الدينية الرسمية و الفكرية

 نتيجة التناقض الحاصل مع مأسسة و تسييس الوحي.

يهدف الوحي أصلاً

إلى تفعيل العملية الفكرية الجدلية المتمثلة بإعادة طرح السؤال كلما تناقض الجواب مع واقعه,

 لا فرض القيد عليها,

 مما يدل على ثقة مصدر الوحي المطلقة بالعقل البشري على المدى الطويل في الوصول إلى الحقيقة,

و من هنا ما ذكرناه من تزامن معاودة ظهور الوحي بمسمياته المختلفة مع استفحال أللا معقول في الحياة البشرية.

و يشير أركون إلى هذه الظاهرة بقوله

"... ولا يبغي أن نخلط بينها (أي أشكال الوحي-م.ي.) و بين الأنظمة التيولوجية اللاهوتية التي أتت في ما بعد,

 أو مع التفاسير والقوانين القضائية (الأحكام) التي استخرجها مديرو شؤون التقديس منها في فترات مختلفة.

فهذه الأشياء كلها ليست إلٌا دلالات معيٌنة من جملة دلالات أخرى متضمنٌة, احتمالاً في الوحي

و الوحي يغذٌي التراث الحي الذي يتيح للأمة أن تعود للأصول وتمتح من معينها من حين إلى حين

من خلال البكارة الجذرية للرسالة الأولى,

وذلك كلما راح التقديس و التعالي يميلان لإفساد المقصد التحرري للوحي أو لتجميده"

 (أركون, الفكر الإسلامي, ص.83).

و نظرة أركون هذه تتعلق بجزئية هي إعمال العقل في مجال التراث و إعادة التأويل للنصوص الدينية,

فالأصول التي يشير إليها في نظرنا

ما هي إلٌا العقل, و البكارة الجذرية للرسالة الأولى أي للوحي,

هي الإقرار بأن لا طريق للإنسان سوى العقل ليتجاوز الشك إلى اليقين و العدمية إلى الحكمة 

و بالتالي إلى مفهوم أعمق للحقيقة المطلقة.

العامل المشترك الثاني هو أن العقل و مترادفاته لم يكن يُنظر إليها كمفاهيم تاريخية

تاريخية تعني ضمن أمور أخرى أنها فقدت صلاتها بجذورها المعجمية منذ القدم

و لا يمكن تضمينها بناءً على هذه الجذور محتواً مفاهيمياً قاراً على مدى الأزمنة و الأمكنة,

و أن اللجوء للإشتقاق المعجمي لتحديد ما بعنيه مفهوم العقل في ثقافة مجموعة بشرية ما و في معنى واحد

هي محاولة قاصرة للمصادرة على المطلوب من قبل الباحث).

 أن تاريخية مفهوم العقل لم تظهر إلٌا مع ظهور و نضوج الفكر التاريخي,

وبالذات خلال القرنين الثامن و التاسع عشر و في الغرب تحديداً.

هكذا نجد مثلاً قصر بعض الباحثين بحثهم عن مفهوم العقل في القرآن بزمان ومكان نزوله

على مشتقات لفظة (عقل) تحت تأثير ما تعنيه كلمة عقل لنا اليوم,

في حين أن ألفاظاً من مثل الصراط و السبيل و النجدين الواردة في القرآن, هي التي تمثل بشكل أصدق ما نسميه العقل في زماننا هذا.

و قد استغلت المؤسسة الدينية لاتاريخية الوحي بكونه دعوة للعقل قائمة عبر الزمان و المكان

لفرض (عقل) لاتاريخي من خلال عزل لحظة تاريخية واحدة في مسيرة العقل و فرضها على أنها العقل بشكله النهائي

و ذلك من خلال إستغلال و توظيف(الحقائق) المقدمة من الوحي.

و من المهم و الحاسم التمييز

 ما بين لاتاريخية الوحي (بأشكاله) بصفته دعوة دائمة لتحكيم و تفعيل العقل

و تاريخية (الحقائق) التي يقدمها الوحي كدليل على صحة المنهج العقلي,

فهذه (حقائق) بمعنى تطابقها مع العقل في لحظته التاريخية تلك و التي عاود فيها الوحي ظهوره,

و لو تجاوزت هذه (الحقائق) معطيات العقل في لحظته التاريخية تلك لما أثبتت صحة المنهج و الدعوة

و لكانت بالتالي لاعقلانية بمناقضتها لما ترمي إلى إثباته أصلاً.

فليس من (العقلانية) في شيء أن يفصل الوحي قبل آلاف السنين نظريات التطور كما هي في هذا الزمان

 في حين كانت فيه النظرات العقلانية و العلمية السائدة تتلخص في نظرية الخلق التوراتية.

و هذه (الحقائق هي التي يعنيها أركون في الاقتباس السابق حين يقول

(ليست إلٌا دلالات معيٌنة من جملة دلالات أخرى متضمنٌة, احتمالاً في الوحي ),

و ما نسخ آيات (أدلة, إثباتات) من القرآن بآيات (خير منها أو مثلها) إلا دليل على نسبية الدلائل العقلية و ثبات الدعوة.

فهل من العقل و من حسن الإيمان في شيئ الإدعاء في عصرنا هذا بأن الأرض مسطحة استناداً إلى نصوص من الوحي؟

 من هنا زيف توظيف (حقائق) الوحي لمناهضة العقل و كشوفاته

 التي تفضح لاعقلانية المؤسسات الدينية و تلك المتحالفة معها و العلاقات القائمة في المجتمع.
 
أما العامل الثالث,

 فهو أن الفلسفة كنتاج لعقل من الله وإلى الله ما كانت إلا دين بصفتها سعي نحو معنى المعنى,

و ليست مجرد نتاج فكري من أصول دينية أو صوفية,

و حتى في مرحلة سيادة مفهوم العقل من الطبيعة وإلى الطبيعة, حافظت الفلسفة على صبغة دينية قداسية,

 إذ كم من الأيديولوجيات القائمة على اسس عقلية تشكلت على غرار المؤسسة الدينية التقليدية,

 و في قمة تهميش الحدس نتيجة نزعة مادية ميكانيكية

 أو الشك في دور الفكر الموزون بمعطياته الحسية نتيجة نزعة مثالية رومانسية,

لا تصل الفلسفة إلى إلحاد, بل إلى لاأدرية قلقة (هيوم)

أو عودة لوضع براءة روحانية تامة (بيركلي).

و إن كان العلم المؤسس بشكل رئيسي على الفكر الموزون, لا يدعم فرضيات الحدس في لحظة من لحظات تطور المعرفة,

 إلا أن الإيمان المبني على الحدس يهيء العقل البشري لتقبل هذا التناقض و لو على هيئة مفارقة (PARADOX),

فالتناقض كما أسلفنا ينفي المنطق و ليس التفكير,

و من خلال الفلسفة يتم استبقاء هذا الوضع المتناقض في حقل التفكير,

فعلى سبيل المثال

 يتقبل الفكر الموزون فكرة أن الوعي البشري هو نتيجة تطور المادة إلى "مادة تعي نفسها"

مما يجعل نفس هذا الفكر الموزون يقف حائراً أمام تساؤل الحدس

حول إمكانية أن يعم هذا التطور الذي شهده جزء من الكون المادي الكون المادي كله لينتج "كوناً يعي نفسه"؟

 و إن كان هذا هو الحال,

 فما الذي يمنع من كون هذا الوعي الذي يحتمل أن يكون كامناً في الكون هو بالواقع وعي كلي متحقق

و أن جزئية الوعي البشري تمنعه من استيعاب هذه الكلية؟

و تساؤلات معلقة دون حسم كهذه تبقي الباب مفتوحاً على مصراعيه لكل التساؤلات الأخرى

(و مشاريع الأجوبة عليها) الميتافيزيقية المطروحة منذ القدم. 

و العامل الرابع

يتمثل بتعدد مستويات معقولية العالم و تعدد مستوى عمل النظم و ذلك بتعدد مستويات تمظهر العقل.

فالسببية مثلاً هي مستوى أول لعمل النظم ويعلو عليها ويسيرها مستوى غائي.

و قد تظاهر هذا المفهوم المثالي للعالم في كافة مراحل الفكر البشري,

حيث كان (عند الأشاعرة)

المستوى الأول (السببي) مجرد عادة يسيرها المستوى الثاني (الغائي) و الذي يمثل حضور الله الدائم في الطبيعة,

و الشيئ نفسه نجده لدى الفلاسفة التجريبيين الغربيين,

و في العصر الحديث نجد رودلف كارناب يبقي الباب موارباً للغائية عند بحثه في السببية

(رودلف كارناب, مدخل إلى فلسفة العلوم, ص.215),

و في الفلسفة المثالية الألمانية مع (فيخته)

نجد أن المستوى الأول هو نظام وقائع لا يمدنا سوى بالمعنى المباشر للموجودات و يسيره من فوقه مستوى نظام القوانين

و الذي إن أدركناه أدركنا (معنى المعنى) أي غاية الخالق المتخللة للطبيعة,

و من بعده تلميذه شلنغ و الذي يؤكد على ما بين يدي أستاذه

و يزاود على صوفيته بحلولية تجعل من الطبيعة تجسداً للروح و ماهية للإله بدلاً من درجة في سلم الارتقاء الصوفي.

أما ثالثهم و كبيرهم, هيغل,

فهو يستصغر الطبيعة على الإله فيسكنه التاريخ حيث يصبح المعنى في سببيات عناصر الحدث التاريخي,

أما معنى المعنى أو (مكر الروح) فهي المستوى الثاني المسير للأول حتى يحقق فكرته.

لو ابتدئنا من حيث يبدأ مؤرخو الفلسفة عموما,

 أما يجب أن نتساءل 

هل كان (الفلاسفة الطبيعيون) الأوائل يبحثون في الطبيعة لذاتها,

أم كانوا يبحثون عن العقل (بصفته المطلق) في الطبيعة؟

هل كان بحثهم عن (أصل مادي لكل الأشياء) هو بهدف فهم الطبيعة و تطويعها,

أم كان مدفوعاً بهدف اكتشاف مصدر و ضمانة هذه الوحدة في الطبيعة بتتبع أثره فيها,

بمعنى اكتشاف العقل الذي هندس التنوع في الطبيعة على مبدأ أو نسق واحد,

و الذي تجلى (أي المبدأ) لعقل هؤلاء الفلاسفة ضمن تفاعلهم السطحي إلى حينهم مع الطبيعة,

تجلى على شكل عنصر مادي بسيط يتكرر و يتراكب مشكلاً نظماً مركبة؟

ألم ينسب لأولهم (طاليس) القول بأن (كل شيئ مليء بإله) وهو قول لم يتوقف عنده كثيراً مؤرخو الفلسفة؟

 ألم ينسب لأحدهم (هيراقليطس) القول بأن (الله هو النهار و الليل, الصيف و الشتاء,...)

ثم برروا (شبهة أيمانه بخالق) بأنه استخدم مصطلح لوغوس أيضاً بما يحمله هذا المصطلح من اسقاطات عصرية؟

ألم تجلو الكثير من الأبحاث الحيادية في تاريخ الفلسفة أن الكثير من الإسقاطات الوصفية على فكر اليونان

(ومن حولها و حسبوا عليها) ما هي إلا إسقاطات لمفاهيم و رغبات معاصرة

 بهدف بناء هوية حضارية غربية متميزة و متفوقة على (الآخر)؟

 أو ليست كل القراءات للتاريخ بحضور الآخر هي أصلاً قراءات إسقاطية تهدف لخلق سردية كبرى تنبني عليها الهوية الذاتية؟

 ألا يدعم هذا الموقف المتشكك الكم الكبير من القراءات الإستشراقية للتاريخ عموماً و التاريخ العربي الإسلامي خصوصاً

و التي فندها باحثون عرب و غير عرب؟

في زمن هؤلاء الفلاسفة الطبيعيين,

و الذين استقر نظام الحكم السياسي في زمانهم , وتناغم فيه مع المؤسسة الدينية بآلهتها المتعددة (المؤسسة على وحي الملاحم),

و مع نظام الإنتاج و التوزبع العبودي و الغنائمي,

في زمن هؤلاء انتفت الفرصة و الحاجة إلى ظهور دعوة دينية جديدة موحِدة بالشكل التقليدي المعروف بحالة الديانات الكتابية,

و بالتالي ما كان للوحي بشكله التقليدي أن يكون الدعوة للعودة إلى العقل طريقاً للتواصل مع الخالق

فكان على هؤلاء الفلاسفة حمل مهمة الوحي في وجه المؤسسة الأسطورية-الملحمية.

و نتيجة لظروف القرن الخامس قبل الميلاد السياسية, خرج العقل من عقاله و تحول إلى عقل تبريري سياسي مع السفسطائية,

و كما قال أحد أعلامها, أن الإنسان يستطيع أن يقول شيئين متعارضين بالنسبة إلى شيئ واحد,

و تمظهر خروج العقل هذا من عقاله و نسيانه لبعده الإلهي في ظهور قطبية الإنسان و الطبيعة

و تناقض الحرية و العدالة اللتين لا تتوحدان إلٌا في ظل وحدة العقل الكوني.

و على ذلك انقسمت المواقف مابين أيهما خير و أيهما شر, قوانين الإنسان-العدالة, أم قوانين الطبيعة-الحرية

(مما يعيد إلى الأذهان فلسفة نتيشة لاحقاً),

فكان أن عاد الوحي مع سقراط (الذي ادعى بسماع صوت إلهي بداخله), و تلخصت دعوة سقراط في دعوة الوحي بعمومه,

أي بإيقاظ العقل و تفعيله نحو اكتشاف الحقيقة-الإله في الكون, ووسيلته في هذا كانت مسائلة العقل.

فتحفز العقل من جديد مع أفلاطون و أرسطو للتواصل مع الله,

ومن هذا المنطلق يظهر أتباع أفلاطون و أرسطو بدور من قاموا بمأسسة وحي سقراط على أسس مقولات الأخيرين,

و أصبحت ثنائيات المادة و الروح أو الانسان و الطبيعة شكليات و فرعيات أمام وحدة مصدر العقل-الله (الرواقية),

و أصبح بالإمكان موازنة العدالة و الحرية و القيم و المتعة (الأبيقورية)

و ما هي إلٌا مسألة وقت حتى أدخلوا عقل من الله و إليه في دورة جديدة من الصراع مع مؤسسة الوحي ممثلة بالأفلاطونية المحدثة.

 ثم تبدأ دورة جديدة بعودة الوحي لتحرير عقل من الله وإلى الله على يد بولص الرسول في بدايات القرن الأول الميلادي,

و كان وحيه جامعاً لفكرة الإله المتعالي رب السماوات و الأرض و أنصاف الآلهة الإغريق من خلال امكانية تجسد الإله كبشر.

و من جديد, تمأسس الوحي مع اعتراف الأميراطورية بهذه الديانة و تشكيل الكنيسة و قوننة الإيمان

من خلال مراسيم المجمعات المسكونية و التي أقصت الوحي إلى الأطراف الهامشية كالآيروسية و النسطورية تحت تهمة الهرطقة.

و بعد أن انهار صرح الإمبراطورية الرومانية الغربية في القرن الخامس و لم يتبق منه سوى عامود الكنيسة في روما,

استمر ظلام و ظلال هذه المؤسسة قائماً طيلة ما سمي القرون الوسطى في الغرب المسيحي,

و كانت المؤسسة الوحيدة القادرة على فرض نوع من النظام الاجتماعي في الغرب,

و بقيت هذه المؤسسة و بفضل أوغسطين منتعلة خف الأفلاطونية المحدثة.

لنقف قليلاً هنا لتوضيح الفرق الأساسي ما بين الوحي و مؤسسة الوحي,

في ظل الوحي النقي يكون الخلاص أو الاتصال و التواصل مع الله عموماً متاحاً للجميع من ابناء البشر,

و ذلك عن طريق القبس من العقل الإلهي الموجود في كل نفس بشرية (هداية البشر للصراط المستقيم).

أما في ظل مؤسسة الوحي, فالعقل ليس ضمانة كافية للخلاص بل هناك شروط,

و اكتمال هذه الشروط لا يتم إلٌا بمصادقة المؤسسة على اكتمالها.

فأوغسطين يقول أن الخلاص هو للفئة المختارة من الله و كل ما نستطيع فعله هو أن نتمنى أن نكون من هذه الفئة,

أما توماس الأقويني أبو الكنيسة الكاثوليكية فتعليماته حسب ما لخصها توينبي تقول:

" و مفاد هذه العقيدة أن بعض حقائق الدين المسيحي الجوهرية

يمكن إثباتها عن طريق استخدام العقل وحده دون الاستعانة بالوحي أو التنزيل.

و من بين هذه الحقائق وجود خالق قادر على كل شيئ و تسع رحمته كل شيئ.

و نستنتج من قدرته و رحمته أنه لن يترك مخلوقاته أوامره و نواهيه بشكل يحول بينها و بين طاعة إرادته.

و يستتبع ذلك أنه لا بد من وجود تنزيل إلهي من الواضح أن الكتاب المقدس يحتويه كما تحتويه القرارات التي تتخذها الكنيسة

 (التسويد من لدينا),

(أرنولد توينبي, الدين و العلم, دار الهلال, ص.8) ,

و أية طمأنينة في هذه الحالة أكبر من تلك التي تسبغها عليك المؤسسة بكونها راضية عنك.

و كذا ابن رشد إذ يحتكر العقل الإلهي (العقل النظري) للقلة المختارة, أما الآخرين فليس لهم إلٌا اتباع مؤسسة الوحي.

ألم تكن صلوات الكنيسة الكاثوليكية تتم باللاتينية القديمة

و الكتاب المقدس مكتوب باللاتينية القديمة التي لا يجيدها إلٌا أبناء المؤسسة الدينية و قلة محظوظة,

ألم تكن صكوك الغفران تعبيراً فجاً عن هذا الإحتكار لسبل معرفة الله و الاتصال معه؟

ألم يغلق باب الاجتهاد في الإسلام؟

فكيف الخلاص للعموم إذن خارج جناح وواسطة مؤسسة الوحي؟

حتى ديكارت أبو العقلانية, 

يرى أن ملكة المعرفة (العقل في لغة ديكارت) هي هبة من الله لنا و هي "النور الفطري"

 و لكنها غير كافية لفهم الحقائق التي يقدمها الوحي

و التي هي "فوق فهمنا.... و أن محاولة امتحانها امتحاناً موفقاً تحتاج لأن يُمد الإنسان من السماء بمدد غير عادي

و أن يكون في مرتبة فوق البشر"

(مقال عن المنهج ص. 116).

ردع العقل لا يكون إلا بنقيضه: الهوى.

 أي بمصلحة أيديولوجية طبقية سياسية تهدف لتبرير اللامعقول للحفاظ على المصلحة القائمة,

و كم من مرة حذرت النصوص المقدسة و حِكم الفلاسفة من مغبة إتباع الهوى؟

و هنا تفرض مؤسسة الوحي و مدرسيتها نفسها بديلا للعقل بكونها تجسيداً لهوى الفئة السائدة.

لقد تنقلت الحقيقة (فترة الفلاسفة الطبيعيين)

ما بين تصورات الحدس لما بعد الطبيعة و موازنة العقل الموزون لها بالقليل الذي يمتلكه من تفاعله السطحي مع الطبيعة,

من تصور عنصر واحد كالماء أو الهواء كأصل لكل الأشياء إلى تعدد العناصر الأربعة إلى مفهوم الجزيئ ثم مفهوم الذرة و هكذا,

و بقي الدافع هو التواصل مع خالق الطبيعة بتقفي أثره فيها.

و النتيجة الطبيعية لجدلية الحدس و الفكر الموزون

هو تجاوز حالة تناقض اللامعقول الذي يفرضه واقع مأسسة الوحي بمعقول جديد يمثل درجة أرقى من التجريد لمفهوم العقل الإلهي

و انعكاسه في الطبيعة و في النفس البشرية,

إلا أن هذا الترقي بالتجريد لم يتجاوز النظرة الإحيائية البدائية للطبيعة

من مثل تقرير هيراقليطس أن الشمس لا تجرؤ على الخروج عن المسار المرسوم لها

إذ ستشي بها جنيات الإنتقام الثلاث إلى (دايك) إله العدالة

(رودولف كارناب, مدخل إلى فلسفة العلوم, ص.222)

 و هذه النظرة استمرت بشكل واضح حتى ما بعد أرسطو مروراً بأفلاطون

الذي كان يعتقد بأن الكون حي و بأن موجودات الطبيعة بما فيها الإنسان هي ظلال لهذه الحياة العاقلة.

و هذه النظرة الإحيائية هي التي حصٌنت الفكر القديم ضد السقوط في الذاتية المثالية من جهة,

ومنعته من جهة أخرى أن يصل بالتجريد إلى الإله المفارق للطبيعة,

 وهي الخطوة الحاسمة التي أنجزها الوحي في الإسلام 

و مثلت أعظم مساهمة له في تاريخ تقدم الوعي البشري

 (بقيت التصورات اليهودية و المسيحية تعاني من رواسب الوثنية و الإحيائية,

 إذ كان إله اليهود أشبه بالحاكم المستبد المزاجي والمتواجد مع قبيلته و ساكناً أو متقمصاً في معبدها أو خيمتها,

و كذلك كريستولوجيا المسيحية القائمة على تساكن الإله مع الإنسان في جسد واحد).

نستطيع القول بأن الإسلام قد جاء بمفهوم جديد للإله تجاوز بتجريده المرحلة الإحيائية إلى مرحلة التنزيه المطلق

(بالأخص مع المعتزلة, إذ يبدو الأشاعرة و السلفيون أكثر تأثراً بالإحيائية التي سادت بداوة الجزيرة

و هذا من الأعراض المرافقة الرغبة في التوكيد على الهوية العربية-البدوية في مقابل الهوية العربية-الحضرية "

حسب ما نراها اليوم" لأهل الهلال الخصيب الذين شكلوا "في تلك الحقبة" الآخر مصدر التهديد),

 أما العقل في الإسلام فهو هدي من الخالق لكل من شاء هدايته,

و يقول ابن الأثير في اسم الهادي من الأسماء الحسنى:

(هو الذي بَصَّرَ عِبادَه وعرَّفَهم طَريقَ معرفته حتى أَقرُّوا برُبُوبيَّته، وهَدى كل مخلوق إِلى ما لا بُدَّ له منه في بَقائه ودَوام وجُوده). 

(التوكيد من لدينا).

و الهداية لغة هي الإمالة,

و الله من المنظور الإسلامي, يهدى جميع المخلوقات الى جلب مصالحها ودفع مضارها والى ما فيه صلاحهم فى معاشهم "

و هذا بمعنى العقل, م.ي.",

و الهدي ضد الغواية و التي هي انقياد للهوى, أي للرغبات ضد العقل

و بذلك تكون مفردات الصراط و النجد في القرآن أقرب إلى ما نذهب إليه اليوم بلفظة العقل.

 إذن فالله قد منح الإنسان العقل و قرره سبيلاً له للوصول إلى الحق من جهة و تسيير أموره الحياتية من جهة أخرى.

 و هذا الأصل الإلهي للعقل مشترك بين كافة علماء المسلمين من المتكلمين و غيرهم

و الذين يلخص الغزالي رسمهم للعقل عامة:

" العقل هو التصورات و التصديقات الحاصلة للنفس بالفطرة"

و يقول أيضاً "و سائر العقول ذكرها الفلاسفة في كتاب النفس"

(العروي, مفهوم العقل),

و الأدلة لا تحصى على كون مفهوم العقل في الإسلام عموماً هو هبة من الله كخاصية للنفس

و التي هي من طبيعة غير مادية و أقرب إلى الروح.

فقد ورد لفظ النفس في القرآن مائتين وخمساً وتسعين مرة،

وقد وردت بعدة معان، منها الروح، و منها العقل (كما سيرد) و أيضاً بمعنى الغيب.

و لم يجري ربطها في السياق القرآني بأي عضو من أعضاء الجسد,

و ما المناظرات حول مكان العقل في الجسد في ما بعد فترة صدر الإسلام في نظرنا, إلا تأثراً بالعلوم الجديدة الوافدة.

فلفظة قلب مثلاً تأتي بمعنى الجوف و أخص ما في الشيئ أو الإنسان,

ففي لسان العرب أن القَلْبُ: "قلب الإنسان وغيره، سمِّي لأنَّه أخْلصُ شيء فيه وأرفَعُه ,

و في القاموس المحيط: والقَلْبُ: الفُؤادُ، أو أخَصُّ منه، والعَقْلُ، ومَحْضُ كلِّ شيءٍ".

و يجري على لفظة لب ما جرى على لفظة القلب,

ففي لسان العرب جاء أيضاً أن "لُبُّ كلِّ شيءٍ، ولُبابُه: خالِصُه وخِـيارُه، و كذلك لُبُّ الرَّجُل: ما جُعِل في قَلْبه من العَقْل".

هكذا نجد أن العقل هو ما يعتمر في داخل جسد الإنسان, في الجزء اللامادي منه أي النفس,

و بخصوص لفظة النفس

نجد في لسان العرب كذلك:

1-قال أَبو إِسحق:

 النَّفْس في كلام العرب يجري على ضربين: أَحدهما قولك خَرَجَتْ نَفْس فلان أَي رُوحُه، وفي نفس فلان أَن يفعل كذا وكذا أَي في رُوعِه،

2- قال ابن بري:

أَما النَّفْس الرُّوحُ والنَّفْسُ ما يكون به التمييز فَشاهِدُهُما قوله سبحانه: اللَّه يَتَوفَّى الأَنفُس حين مَوتِها،

 فالنَّفْس الأُولى هي التي تزول بزوال الحياة، والنَّفْس الثانية التي تزول بزوال العقل؛

3-والعرب قد تجعل النَّفْس التي يكون بها التمييز نَفْسَيْن، وذلك أَن النَّفْس قد تأْمره بالشيء وتنهى عنه،

وذلك عند الإِقدام على أَمر مكروه، فجعلوا التي تأْمره نَفْساً وجعلوا التي تنهاه كأَنها نفس أُخرى؛

4- روي عن ابن عباس أَنه قال: 

لكل إنسان نَفْسان: إِحداهما نفس العَقْل الذي يكون به التمييز، والأُخرى نَفْس الرُّوح الذي به الحياة.

5-وقال الزجاج:

 لكل إِنسان نَفْسان:

إِحداهما نَفْس التمييز وهي التي تفارقه إِذا نام فلا يعقل بها يتوفاها اللَّه كما قال اللَّه تعالى، 

والأُخرى نفس الحياة وإِذا زالت زال معها النَّفَسُ، والنائم يَتَنَفَّسُ، قال: وهذا الفرق بين تَوَفِّي نَفْس النائم في النوم وتَوفِّي نَفْس الحيّ.

و في القرآن تأتي معاني لفظة نفس في عدة مواقع بمعنى التمييز كما ذكرنا أو بمعنى العقل حسب ما توضحه الآيات التالية:

(لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا)(البقرة، الآية:233). 

و من البدهي أن لا يكلف إلا ذي عقل,

(وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ) (الزمر: 70). 

و أيضاً لا يُسائل إلا ذي عقل,

(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً) (الفجر: 27-28),

فقال مجاهد: (المطمئنة) التي أيقنت أن الله تعالى ربها وصبرت جأشا لأمره وطاعته،

 و اليقين أيضاً لا يكون إلا لعقل,

(وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) (يوسف: 53),

و لا يأمر إلا ذي عقل,

 أما (مَا رَحِمَ رَبِّي) 

فالرحمة تكون من خلال الهداية إلى صراط مستقيم, أي التفكير و التعقل بأسلوب سليم,

و نجد أيضاً أن كون الوحي هو دعوة إلى العودة للعقل السليم عند تفشي حالة اللامعقول في المجتمع الإنساني,

و أن لا صلاح إلا بهذه العودة إلى العقلانية في الآية:

 (إِن اللهَ لاَ يُغَيِرُ مَا بِقَومٍ حَتىَ يُغُيِروُا مَا بِأَنفُسِهِم){سورة الرعد 11}

أي أن يعودوا للعقل السليم الذي وهبه الله للبشر و أودعه في نفوسهم.

و علاقة الوحي بالعقل في الإسلام هي على نحو ما بينا أعلاه, هي دعوة للعودة إلى العقل في كل زمان ساد فيه اللامعقول,

و قد كتب الكثير حول دعوة الوحي في الإسلام إلى العقل كما وردت في القرآن و السنة,

و الخلافات في حدود العقل و تقييده لم تظهر إلا مع مأسسة الوحي و تسييسه,

فحسب الجابري مثلاً:

"ما نريد أن نخلص إليه هنا هو 

أن التأويل في الحقل المعرفي البياني لم يكن في أي و قت من الأوقات,

و لا لدي أي فرقة من فرق البيانيين, يتجاوز اللغة العربية كمحدد أساسي من محددات النظام المعرفي الذي يصدرون عنه....

وإذن فالتأويل البياني من هذه الزاوية, كان تشريعاً للعقل العربي و لم يكن, كما قد يعتقد, مجالاً لممارسة الفعالية العقلية),

 (محمد عابد الجابري, بنية العقل العربي, ص.67).

و نبين هنا أن الإلحاد كان دائماً مما يدخل في باب اللا معقول في نظر عقل من الله و إلى الله,

و يالتالي فحرية العقل من هذا المنظور تقود بالضرورة إلى الإيمان,

و لا حجية للحجر على العقل خوفاً من الإلحاد و لا حجة لمن شكك في خطر الحرية الفكرية على إيمان البشر

 (و التي تمركزت في الإسلام على حرية التفلسف) ,

و ما الخطورة المزعومة للعقل إلا من وجهة نظر المؤسسة لا الوحي الأصيل.

و قول المتكلمين عموما

 بأن الوحي أتى بالعلم (المعقول) و ما على العقل الا تعقله,

أي أن الوحي (كما صاغوه في مدرستهم)علم مطلق, ما هو إلا محاولة لدرء خطر الحرية الفكرية على المؤسسة,

و ما ممارسات هؤلاء في الحياة السياسية إلا دليل على صحة قولنا هذا (محنة خلق القرآن مثلاً).

 و إن كان المعتزلة مثلاً قد ادعوا التجاوب مع دعوة الوحي إلى العقل بداية,

 إلا أنهم حجروا لاحقاً و باسم العقل على عقول من كان خارج مؤسستهم التي أنشئوها.

و لا يشذ عن هذا الموقف الكلامي القديم حتى رموز الإصلاح في العصر الحديث,

فالأفغاني بدعوته لفتح باب الاجتهاد يقول:

"إن الفحول من الأئمة اجتهدوا و أحسنوا.

و لكن لا يصح أن نعتقد أنهم أحاطوا بكل أسرار القرآن, و اجتهادهم في ما حواه القرآن (التسويد من لدينا) ليس إلا قطرة,

 و الفضل بيد الله يؤتيه من شاء من عباده",

هنا نلاحظ دعوة خجولة لتفعيل المؤسسة أو لنقل تحديثها و (إصلاحها)

فمصدر الحقيقة الكلية الوحيد لديه هو الوحي

و ما بناه عليه الذين (اجتهدوا فأحسنوا)

و ما هذا إلا دعوة للعودة إلى مؤسسية الوحي, مؤسسة "الذين اجتهدوا فأحسنوا" و استمراريتها.

و عن هذه الظاهرة –ظاهرة التقيد طوعاً بتعليمات المؤسسة – يقول أركون:

"و لا تزال تلك المسلمات المعرفية الضمنية تؤثر تأثيراً كبيرً على كتابة المسلمين اليوم لتاريخ ما يسمونه ((الإسلام)),

دون أن يميزوا بين ما فرضه العقل الدوغمائي (مؤسسة الوحي-م.ي.)على تصوراتهم للماضي البعيد و القريب/

و بين ما يفتحه الخطاب القرآني من آفاق عديدة متجددة للتفكير و التأويل و المعاني الاحتمالية و الابداعات الرمزية),

(محمد أركون, قضايا في نقد العقل الديني, كيف نفهم الإسلام اليوم, ص.6).

و قد تكررت الدعوات الخجولة للعودة إلى الوحي و دعوته للعقل على مدار مسيرة الفكر في الإسلام

و كان لها لحظات من الجرأة نادرة 

مثل لحظة أبي بكر الرازي و لحظة المعري.

و تتضح حالة الانفصام التي يعانيها الفكر في ظل سلطة المؤسسة في محاولات تعريف عقل من الله و الى الله:

الحقائق المطلقة تأتي من الجزء الالهي العقل الفعال/الوحي/النبوة

أما الحقائق النسبية فهي من الجزء البشري العقل بالملكة و الذي تطور الى عقل عملي/تجريبي بالممارسة (ممارسة التلقي)

و الانفصام يؤدي الى ازمة موافقة الحقائق النسبية و التي اثبتت ضرورتها (رغماً عن نسبيتها) لمعاش الانسان

مع الحقائق التي تفرضها مؤسسة الوحي على انها المطلقة رغم تعارضها مع التجربة أو الغاية الانسانية كما ورد سابقاً.

قد يتبادر للبعض أن محاولات توظيف (مناهج) العقل في الصراع ما بين المؤسسات الدينية المختلفة في التراث الإسلامي

هو دليل على عقلانية هذه المؤسسات ,

في حين أن الواقع كان توظيف للعقل في اتجاه واحد, أي في اتجاه نقد و تسفيه الجانب اللاعقلاني لدى الآخر,

و أوضح الأمثلة على ذلك صراع أصحاب مدرسة الظاهر مع أصحاب مدرسة الباطن.

فالعقل هو سلاح بكل معنى الكلمة,

 نوجهه نحو نقاط ضعف أعدائنا, الى أساطيرهم و لا معقولهم

و إن حصل و أن وجهناه الى أساطيرنا و لا معقولنا كان انتحاراً.

وأخيراً فإن الدرس التاريخي يعلمنا بأن الدعوة للعودة إلى العقل لن تتوقف طالما سادت اللامعقولية,

 و أن مؤسسات احتكار الوحي و بالتالي العقل مصيرها أن تنهار أمام زحف العقلانية و تطور أشكالها.