السبت، 22 يونيو، 2013

ما الذي يخلق الثروة؟

ما الذي يخلق الثروة؟


هزال النظرية الاقتصادية 
(1/1)

فاروق العمري:

 
بيتر دراكر 

 
ترجمة: د. هاني عبيد
 
ما الذي يخلق الثروة؟

 فالاقتصاديون في آخر 450 سنة 

إما أهملوا السؤال، أو التمسوا إجابات سهلة أو تجاهلوا التخمينات السابقة.

ومع ذلك فلدينا شيء نتعلمه من كل تفسير. 

إن الجيل الأول من الاقتصاديين وهم التجار قالوا أن " الثروة هي القوة الشرائية".

وكان هدفهم يكمن في زيادة الثروة النقدية بجمع البلايين وخلق ميزان تجاري افضل.

وتقول نظرية أخرى بان الثروة لا يخلقها الإنسان بل الطبيعة – فالأرض هي التي تخلق الثروة. 

علاوة على ذلك يعزي مجموعة من النظريين الثروة للإنسان.

 فقد قالوا "بان العمل الإنساني هو الذي يخلق الثروة".

وهذه العقيدة أعطت إشارة البدء للاقتصاد كنظام لأنها ربطت الثروة بشيء يخلقه الإنسان.

ومع هذا فان ذلك لم يكن كليا مقبولا، لان ذلك لا يعطي إمكانية التنبوء أو التحليل للأشياء. 

وقبل مائة سنة أو اكثر انقسم مجال الاقتصاد إلى قسمين.


 فالتيار الرئيسي تخلى عن البحث في أي خلق للثروة،

 واصبح اقتصادا تحليليا صافيا وتوقف عن نسبة الاقتصاد لطبائع البشر.

فالاقتصاد كان نظاما يحكم سلوك السلع والبضائع.

ومن السخرية أن يصبح التحليل قوة عظيمة في الاقتصاد المعاصر،

ولكنه يفسر أيضا لماذا يشق الجمهور في الغالب طريقه بصعوبة في هذا المجال.

وليس لدينا شيئا نقوله لهم لانهم يفتقدون قاعدة للقيمة

وجواب آخر خاطئ 

لقد فهم كارل ماركس هذا النقص عندما اصطدم بنظرية قيمة العمل.

فالاقتصاد الماركسي متضارب في المصطلحات- فليس لديه التحليل وقوة التنبؤ-

ولكنه يتمتع بفتنة هائلة لانه مبني على أرضية صلبة وهي القيمة.

فهي التي تحدد صانعي الثروة – وهم الإنسان والعمل.

ونحن نعرف علاوة على ذلك بان هذا جواب خاطئ أيضا. 

ففي آخر مائة سنة،

اصبح لدينا خيار بين نظرية اقتصادية لها قوة تحليل كبيرة

ولكن لا تمتلك أرضية في القيمة ونظرية اقتصادية ليست اقتصادا على الإطلاق

ولكنها بيان مبني على الإنسان.

واليوم وصلنا أخيرا إلى نقطة نستطيع عندها أن نقصر هذه المعضلة،

حيث يمكننا البدء بفهم المدخل الصحيح إذا لم يكن الجواب الصحيح.

نحن نعرف الآن بان مصدر الثروة على وجه التخصيص هو إنساني: المعرفة.

فإذا استخدمنا المعرفة في مهمات نعرف عملها الآن، فإننا نسمي ذلك "إنتاجية".

أما إذا استخدمنا المعرفة في إنجاز مهمات جديدة ومختلفة، فإننا نسمي ذلك ابتكارا أو "تجديدا".

والمعرفة وحدها فقط تمكننا من إنجاز هذين الهدفين

تقاليد العمل
 
هذا لم يكن صحيحا دائما.

فقبل مائتي سنة وعندما كتب آدم سميث عن "تقاليد العمل"

فان امثلته كانت حول الناس في ما يسمى الآن وسط المانيا،

والذين بسبب الشتاء القاسي وكميات الثلج

تعلموا كيف يصبحون نجاريين محترفين في صناعة الساعات والآت الكمان.

لقد استغرق الأمر حوالي مائتي سنة لبناء مثل تلك التقاليد،

كتب سميث، ويشذ عن ذلك حالات نادرة حيث ادخل اللاجئون والمهاجرون مهاراتهم إلى المجتمع. 

بالتأكيد، كانت هذه حالة الولايات المتحدة عندما ربحت حرب الاستقلال.

فقد خصص لكل قنصل أمريكي صندوق خاص للرشوة (بحدود 180 دولارا)

لرشوة الفنيين الإنجليز وتزويدهم بأوراق مزورة للقدوم إلى أمريكا

لتعليم الأمريكيين كيفية بناء آلات النسيج وصباغة القطن.

وهذه هي الطريقة التي أصبحت بها نيوانجلند قوة صناعية في سنة 1810

وعلى أية حال، وخلال القرن التاسع عشر

اختصرت التلمذة الصناعية (وهي اختراع ألماني) 200 سنة إلى خمس سنوات،

وكذلك وخلال القرن العشرين،

أدى التدريب (وهو اختراع أمريكي) إلى اختصار الزمن من خمس سنوات إلى ستة شهور

واحيانا إلى تسعين يوما.

لقد اخترعنا التدريب خلال الحرب العالمية الأولى لأننا كنا نفتقر إلى تقاليد العمل.

وبعد الحرب العالمية الثانية، فقد انتشر اختراعنا في كل أنحاء العالم،

وهذا يفسر السبب في أن الأمم لا تستطيع المنافسة بعد الآن بالاعتماد فقط على تقاليد العمل بشكل منفرد. 

التعليم والمعرفة 

في الحقيقة وحتى عهد قريب

فان أسرع طريقة للشخص في دولة متقدمة في الحصول على دخل لائق

هو أن يصبح عاملا ميكانيكيا نصف ماهر.

وبعد ستة أسابيع فمن المحتمل أن يصبح اجره اكبر من اجر أستاذ مشارك في الجامعة

هذا بدون أن نتطرق إلى رواتب مساعدي العميد.

واليوم يستطيع أن يؤمن هذا الشخص دخلا كدخل الطبقة المتوسطة من خلال التعليم والمعرفة.

(علينا أن نتأمل في مسالة

بان كوريا قبل ثلاثين سنة كانت تفتقر إلى أية تقاليد في الحرف والمهارات،

 بسبب أن اليابان كانت لا تسمح لجيرانها باكتساب مثل هذه المهارات لمدة خمسين سنة.

والآن تستطيع كوريا تقريبا تصنيع أي منتج تماما كما تفعل الدول المتقدمة صناعيا، فشكرا للتدريب. 

(طبعا، فان أدراك أن المعرفة هي مصدر الثروة تترك دلالات في علم الاقتصاد

والذي هو اليوم في  نهاية مميتة.

فقد اعتاد الناس على النظر إلى علم الاقتصاد على انه تخصص ممتع لانه بسيط.

فعندما كان يسأل أحدهم في عام 1925 اقتصاديا سؤالا كان الجواب لا اعرف،

والذي هو في عدة نواحي جواب مهذب (على الأقل فانه جواب معتدل)،

ثم يردف قائلا 

"نحن لا نعرف ولذلك فان الشيء العقلاني هو أن نعمل بشيء قليل ونصلي.

خفض الضرائب والمصاريف ثم صلي.
 
فلسفة جديدة 

ولكن جيلي من الاقتصاديين اصبحوا متعجرفين،

ويعود ذلك بشكل كبير إلى الأداء غير المتوقع خلال الحرب العالمية الأولى.

ففي المفاهيم العسكرية كانت الحرب الأولى ذات أداء منخفض ولكن الإنجازات المدنية كانت غير معقولة.

 فقد أفلست كل دولة مع حلول شهر ديسمبر من عام 1914،

وحسب قواعد اللعبة التقليدية فكان على هذه الدول أن تنهي القتال،

ولكنهم استمروا في قتل أحدهم الآخر لمدة أربع سنوات أخرى

لان الإدارات المدنية كانت منافسة بشكل غير معقول.

وقد أفلست هذه المنافسة بعد أن أعطتنا وهم العظمة

وعندما حل عام 1929، كان هناك اعتقاد فضولي بان الحكومات يمكن أن تفعل شيئا في الاقتصاد.

وكان هذا في البداية غير مسموع، إلا انه أضحى مطلبا شعبيا،

 مشابها للسؤال

" إذا كنت تستطيع أن ترسل رجلا إلى القمر فلماذا لا تستطيع أن تفعل شيئا بالنسبة لمرض الإيدز؟"

وهكذا رأينا تطويرا للاقتصاد الذي يعرف الأجوبة. 

إن كينز يعرف الجواب - فقط خلق قوة شرائية.

لقد نقح هذا المفهوم ميلتون فريدمان، وهو على الأرجح آخر عضو من الجيل العظيم ما زال حيا،

حيث قال "حتى انك لست بحاجة لفعل هذا، كل ما عليك فعله أن تتأكد أن تزويد النقود يتعاظم".

وهذه عملية سهلة بالنسبة لمزودي النقود، فقط خفض الضرائب.

فهل هناك مظهر للعيان اكثر جمالا وإمتاعا؟
 
نهاية الشعور بالنشاط والخفة

عرف علم الاقتصاد في نهاية القرن التاسع عشر بأنه علم كئيب،

حيث يجبرنا دوما على دراسة خيارات عديدة

ويجبرنا أيضا أن لا نضيع أية فرصة.

وفجأة اصبح علما مفعما نشاطا وحيوية.

ولمدة خمسين سنة كان علما نشطا وصدقني فان هذا قد انتهى. 

فالاقتصاديون لم يعملوا، ومهما حاولوا فقد فشلوا.

 ماذا اكثر من هذا،

فالفرضيات الأساسية في نظريات علم الاقتصاد الحديث أصبحت غير معقولة وغير وصحيحة.

فكل النظريات تفترض أن الدولة المستقلة منفردة وتستطيع أن تتحكم بقدرها.

فإذا حاولت خمس أو ست دول صناعية رائدة

تسليم سياستها الاقتصادية إلى قيصر أو مفوض أو لجنة عامة

فان النظرية الاقتصادية ستعمل.

 أن الاحتمال في عدم حدوث هذا الأمر كبير،

 تماما كمقارنته مع حالة ربح مليون دولار في لآس فيجاس من آلات الحظ والذي نعتبره ضربا من المقامرة. 

يفترض معظم الاقتصاديين بان سرعة دوران النقود بأنها عادة اجتماعية وهي ثابتة-

وذلك خلاف كل الشواهد.

وعندما جربت الولايات المتحدة هذه النظرية في عام 1935

وقامت بضخ قدرة شرائية في جيوب الأمريكيين،

فإننا لم نقم بصرفها بل قمنا بادخارها

وانهار الاقتصاد في السنة التالية

وكان هذا الانهيار أسوأ مما حدث في عام 1930 أو 1931

لان الجمهور الأمريكي خرب السياسة الاقتصادية.

وحدث نفس الشيء في زمن كارتر وريغان.

 إن سرعة دوران النقود تعتبر حالة زئبقية مثلها مثل أزياء المراهقين حتى إنها اقل قابلية للتنبؤ. 

نظرية غير فعالة 

في الجوهر،

 لا تعتبر نظرية الاقتصاد الجارية قاعدة للسياسة الاقتصادية

 لان لا أحد يعرف ماذا سيحدث.

 لقد جاء ريغان إلى السلطة بعد أن وعد بتخفيض الضرائب،

ولكن النفقات الحكومية لم تنم بمثل هذه السرعة في أية دولة كما نمت في عهده.

انه لم يخن الثقة الممنوحة له، وسياسيا لم يكن لديه خيار.

ولا توجد عند السياسيين نظرية اقتصادية يمكن الثقة بها، وهذه حقيقة تجعل رجال الأعمال يهربون. 

ويجب أن يكون الاقتصاد قادرا غدا على فعل ما لم يستطع فعله الاقتصاديون اليوم؛

وذلك بتكامل العوالم المحلية والعالمية.

(لاحظ أننا استخدمنا كلمة عالمي World بدل كلمة دولي  International،

 فالدولي يتضمن اقتصادات خارج العالم المحلي،

 بينما العالمي يتضمن اقتصادات داخل العالم المحلي. 

)
كذلك يجب أن يجيب الاقتصاد المستقبلي على سؤال:

 كيف لنا أن نربط الطريقة التي ندير فيها المشاريع مع النتائج؟

 وما هي النتائج؟

إن الجواب التقليدي – الخط الأدنى- هو جواب غادر.

وضمن فلسفة الخط السفلي،

 فأننا لا نستطيع ربط قصير المدى مع طويل المدى،

إضافة إلى أن التوازن بين الاثنين يعتبر تجربة حاسمة في الإدارة. 

علامتان إرشاديتان
 
يجب أن تكون منارتا الإنتاجية والابتكار هما الدليل الإرشادي لنا.


إذا حققنا الأرباح على حساب تخفيض الإنتاجية أو الابتكار فلا يعد ذلك ربحا.

فنحن بذلك نستهلك رأسمال.

ومن ناحية أخرى،

 إذا واصلنا تحسين الإنتاجية لكل المصادر الرئيسية

وكذلك حسنا موقفنا الابتكاري

فإننا سنحقق الأرباح،

ليس اليوم وانما غدا.

إن إدراك مهمة التنظيم الاقتصادي

تكمن في النظر إلى المعرفة المستخدمة في العمل الإنساني كمصدر للثروة
. 
وللمرة الأولى لدينا مدخل في جعل الاقتصاد مجالا إنسانيا ويرتبط بالقيم الإنسانية،

نظرية تعطي المستثمر مقياسا معياريا

لبيان ما إذا كان يتحرك في الاتجاه الصحيح،

وما إذا كانت نتائج أعماله حقيقية أو زائفة.

نحن الآن على عتبة ما بعد النظرية الاقتصادية Post Economic Theory ،

المؤسسة على ما نعرف وما نفهمه عن توليد الثروة.