الاثنين، 16 يوليو، 2012

أسلوب العمل القياسي Standard Work -2

من تأليف سامح

أكتوبر 28, 2010


بدأتُ في المقالة السابقة في استعراض أسلوب العمل القياسي وفوائده.


في هذه المقالة نلقي الضوء على الموضوع فنناقش إعداد أسلوب العمل القياسي (إجراءات العمل القياسية) وتعديله، ومكان حفظه، وأدوات إعداده، ونناقش هل هو بيروقراطية أم لا؟
من الذي يعُدُّ أسلوب العمل القياسي ومن الذي يُعدِّله؟
هذا أمر غاية في الأهمية.
دعنا نعود للهدف من وضع خطوات عمل قياسية ألا وهو أن نجعل العمل يتم من خلال أسلوب ثابت – نراه الأفضل – في كل الأوقات وعن طريق كل الأفراد. 
ووصولا لهذا الهدف فإن علينا أن نصمم هذه الإجراءات بحيث تكون سهلة الفهم لمستخدمها، وأن نتمكن من تطبيقها في أرض الواقع وهذا يتطلب أن تكون مقبولة لمستخدمها.
لذلك فإن إعداد وتطبيق وتعديل إجراءات العمل القياسية يتم أساسا عن طريق مستخدميها -أو بمشاركة رئيسية لمستخدميها- فإجراءات العمل القياسية الخاصة بعمليات التصنيع والتجميع والصيانة يتم إعدادها عن طريق مهندسي التصنيع وعمال (فنيي) التصنيع.
هذا يعني أنها ستكتب بلغة يفهمها هؤلاء العمال وأنهم سيتقبلون فكرة تطبيقها لأنها لم تُفرض عليهم بل هي خلاصة خبراتهم.
فإجراءات العمل القياسية في نظام تويوتا الإنتاجي ليست مستندات نملؤها للحصول على شهادة جودة، وليست أمرا يصممه المدير ويقهر العمال على استخدامه، وليست وسيلة لتقييد الفكر وكبح الإبداع.
الأمر هنا مختلف عن الأنظمة التقليدية.
في كثير من الشركات تجد هذه الإجراءات القياسية في وادٍ وما يتم في موقع العمل في وادٍ آخر نتيجة لعدم قناعة العاملين بهذه الإجراءات.
وتجد هذه المشكلة حتى في بعض الشركات العالمية فتجد كتيب صيانة المعدات يصف طريقة تركيب وفك الأجزاء بخطوات محددة، ثم تجد خبيرا يأتيك من تلك الشركة فيعمل بطريقة مختلفة.
وقد صادفت حالة واحدة مختلفة تماما حيث وجدتُ كتيبَ التشغيل والصيانة مطابقا تماما لما يقوم به الفني المرسل من قبل الشركة، وقد لفت ذلك انتباهي فسألته عن ذلك، فقال لي أنهم كلما وجدوا طريقة أفضل أخبروا بها المسئول عن إعداد هذه الكتيبات فعدَّلَها.
لذلك يجب أن يكون تعديل أسلوب العمل القياسي – طبقا للمشاكل اليومية واقتراحات العمال أو المهندسين- أمرا سهلا لا يحتاج لمجهود كبير أو اعتمادات كثيرة.
فإذا تطلب كل تعديل موافقة سلسلة من المديرين فلن يحدث تطوير لأسلوب العمل القياسي.
هذا لا يعني أن كل شخص سيُعدِّل أسلوب العمل القياسي دون الرجوع للمشرفين أو المهندسين (في الصناعة أو الأطباء في المجال الصحي أو…).
الإجراءات القياسية (أسلوب العمل القياسي) يجب أن تكون مفصلة بدرجة تفي بأداء العمل بأسلوب ثابت، وهذا التفصيل يختلف حسب طبيعة الأعمال 
ففي الأعمال المحددة جدا مثل عملية تجميع المنتج فإن الإجراءات تكون مفصلة جدا 
وفي الحالات التي لا يمكن تحديدها مثل الأعمال غير المتكررة والتي قد يكون فيها بعض الاختلاف فإن الإجراءات القياسية تشرح الخطوات الرئيسية وتترك مجالا لتصرف الشخص المنفذ لهذه الإجراءات ليتخذ فيها قرارا حسب طبيعة الأمور.
هل إجراءات العمل القياسية هي أمر غير تقليدي؟
عندما تعرض فكرة العمل طبقا لإجراءات قياسية فإنك قد تقابل برفض وربما باستنكار كما لو كان هذا أمرٌ غير مألوف، ولكننا بالفعل نستخدم هذا الأسلوب في أمور نمارسها في حياتنا اليومية، 
فالصلاة نؤديها بأسلوب محدد وفقا لإجراءات قياسية مدونة في كتب الفقه، وعندما تشتري جهازا فإنك تقرأ كتيب التشغيل وتتبع الإجراءات القياسية المدونة فيه، 
وعندما تريد أن تعد طعاما فإنك تعمل طبقا لإجراءات قياسية محفوظة أو مكتوبة، 
وعندما تقود سيارتك فإنك تتبع إجراءات قياسية مدونة في قواعد المرور، وعندما أعطس وأقول الحمد لله فإنك تتبع إجراءات قياسية فتقول لي “يرحمكم الله” وأنا أرد عليك طبقا لإجراءات قياسية فأقول لك “يهديكم الله ويصلح بالكم”.
فتطبيق أسلوب موحد في أعمال محددة ليس أمرا غريبا بل هو جزء من حياتنا، وتطبيق الإجراءات القياسية في العمل لا يختلف كثيرا.
هل هي بيروقراطية بغيضة؟
نعم هي بيروقراطية ولكنها غير بغيضة.
فأنت عندما تتبع روتينا ثابتا كل صباح قبل الذهاب للعمل فإنك لا تعتبر اتباعك لهذا الأسلوب الثابت تصرفا أحمقا بل تعتبره عين الصواب، وعندما تقود سيارتك في الطريق طبقا لقواعد المرور فإنك تشعر أنك شخص محترم لا شخصا بيروقراطيا معقدا.
أسلوب العمل القياسي يكون أمرا بغيضا حين تُقهَر على استخدامه بدون أن تشارك في إعداده، وحين يستخدم كوسيلة لتقييد حرية الموظف، وحين لا يقبل التطوير ولا التعديل، وحين يكون مجرد حبر على ورق، وحين يكون وسيلة لتعقيد الأمور لا تيسيرها.
فعندما يتم تصميم أسلوب العمل القياسي بدون أخذ رأي القائمين بالعمل فإن هذا يُشعرهم بتجاهل خبراتهم ويجعلهم يكرهون هذا الأسلوب، وحين يتم إعداد أسلوب العمل القياسي ثم يحفظ في الأدراج ولا يكون له علاقة بالواقع فإن هذه تكون عين البيروقراطية البغيضة، وحين لا يُسمح للعامل باقتراح تعديل في أسلوب العمل القياسي فإن هذا يعتبر جمودا، وحين يكتب بطريقة تعرقل العمل أو تتسبب في المصادمات بين الأفراد أو الأقسام فهذا هو الأمر البغيض.

بول أدلر Paul Adler ناقش البيروقراطية في مقالة نشرها عام 1999 وقد لفت الأنظار إلى أن البيروقراطية ليست نوعا واحدا ولكنها أكثر من نوع.
فالبيروقراطية تتميز بوجود قواعد ونظم محددة جدا ولكن طريقة تطبيق ذلك تختلف فهناك بيروقراطية قهرية Coercive وهناك بيروقراطية تمكينية Enabling، ففي الأولى أي القهرية يتم وضع نظم جامدة كوسيلة للتحكم في العاملين ويتم وضعها عن طريق المستويات الأعلى وعلى المستويات الأدنى التنفيذ، أما في البيروقراطية التمكينية فهناك نظم وقواعد تحاول تطبيق أفضل وسيلة للعمل وهي قابلة للتحسين ويتم وضعها عن طريق المشاركين في تنفيذها، وهي وسيلة مساعدة للعاملين لا للتحكم والسيطرة عليهم.
والتمكين مصطلح غير مشهور يعني إعطاء بعض السلطات للآخرين (المستويات الأدنى في حالتنا هذه).
بول أدلر Paul Adler ناقش البيروقراطية
إضافة تسمية توضيحية
الشكل أعلاه يوضح تصور أدلر والذي يبين أربع أنواع من المؤسسات:
اثنان منهما بيروقراطيتان
والآخران هما: مؤسسة استبدادية، ومؤسسة عضوية. 
فالمؤسسة الاستبدادية لا تتميز بالبيروقراطية ولكنها تتميز باستبداد المدير بالقرارات بدون وجود نظم ولا قواعد كثيرة، فالمدير هو الذي يتخذ القرارات والمرؤوسين يعملون بناء على قراراته.
أما المؤسسة العضوية فهي مؤسسة تتميز بالمرونة الشديدة فلا يوجد نظم وقواعد مدونة ولا يوجد مدير مستبد ولكن العاملين لديهم سلطات كثيرة ليقوموا بأعمالهم حسبما يتراءى لهم وحسب عدد قليل من القواعد العامة. 
بهذا نستطيع أن نقول أن أسلوب العمل القياسي في نظام تويوتا الإنتاجي هو بيروقراطية تمكينية حيث هناك بيروقراطية عالية مع بعد اجتماعي عالي.
مجالات إجراءات العمل القياسية
في نظام تويوتا الإنتاجي لا يقتصر تطبيق إجراءات العمل القياسية على عمليات التصنيع بل يشمل كل الأعمال وصولا لأعمال المدير فإنه يوضع لها إجراءات قياسية تحدد الأعمال اليومية الرئيسية له مثل زيارة الموقع وعقد اجتماع يومي وعقد اجتماعات لدراسة المشاكل.
فالأمر يشمل كل الأعمال وكافة المستويات، فلا هي خاصة بالتصنيع دون الخدمات ولا بالعمال دون الإدارة.
ولكن أسلوب العمل القياسي يختلف من عملية لأخرى ففي بعض الأعمال المتكررة بلا تغيير فإن أسلوب العمل القياسي يكون محددا ومفصلا، وفي بعض الأعمال التي قد تختلف طبيعتها من مرة لأخرى فإن أسلوب العمل القياسي يكون أكثر مرونة وأقل تحديدا.
فعملية التجميع التي تتم ألف مرة في اليوم يجب أن تتم وفقا لحركات محددة لتحقيق أعلى كفاءة، أما العمليات المتغيرة مثل طلب إصلاح حاسوب فإنها يجب أن تتم وفقا لخطوات عامة محددة ومرنة فليس كل عطل مثل الآخر. 
فأسلوب العمل القياسي للمديرين لا يكون محددا تماما فهو يحدد بعض الأعمال التي يجب أن تتم يوميا أو أسبوعيا أو شهريا وقد يحدد وقتا عاما لكل نشاط مثل بداية اليوم وقد يترك تحديد وقت النشاط للمدير أو المشرف نفسه.
قد تسأ:ل
ما الفائدة من تطبيق هذا الأمر على المديرين والمشرفين على سبيل المثال، فقد نتفهم تطبيقها في حالة التجميع والتصنيع ولكن المدير يختار ما يفعله بدون نظام ثابت؟
إن تطبيق أسلوب العمل القياسي على أعمال المشرفين والمديرين هي وسيلة لضمان توزيع أوقاتهم بشكل سليم وهي وسيلة لتدريب المديرين على تغيير أسلوبهم في العمل من مواجهي مشاكل أو كما يقولون رجال إطفاء، ومن العمل من خلال المكتب، ومن التركيز على النتائج، إلى أسلوب مختلف يتمثل في التواجد في موقع العمل، معرفة الحقائق، التفكير العميق، التفكير الجماعي، التحسين المستمر، السلامة المهنية، التدريب وهكذا.
ومن منظور آخر فإن أسلوب العمل القياسي للمديرين يضمن أن يوازن كل منهم بين مهامه المختلفة وبين الأمور المهمة والعاجلة،
فأسلوب العمل القياسي سيجعل المدير يخصص وقتا للتدريب ووقتا بمتابعة تطبيق مبادئ السلامة ووقتا للتحدث عن التطوير ووقتا للقاء المرؤوسين والتحدث معهم ووقتا للأعمال الورقية.
أين يتم الاحتفاظ به؟
يجب أن يكون أسلوب العمل القياسي متاحا للعاملين وذلك بوضعه على لوحة في مكان ما قريب من مكان العمل بحيث يمكن الرجوع إليه بسرعة عند الحاجة.
وجدير بالتوضيح أنه يتم تدريب العاملين على أسلوب العمل القياسي بعد إعداده بحيث نتأكد من أن كل من سيقوم بهذه العملية يفهم ويستطيع أن يطبق هذا الأسلوب.
ونستفيد من نشر أسلوب العمل القياسي في موقع العمل أن المشرفين والمديرين يمكنهم التأكد من أن أسلوب العمل القياسي يُطبَّق بعناية. 
أدوات يمكن استخدامها لبناء وتحسين أسلوب العمل القياسي:
هناك أدوات كثيرة تساعدنا على اختيار أسلوب العمل الأفضل وعلى تحسين اسلوب العمل القياسي الحالي مثل: 
ومن الأدوات الأساسية أن تلاحظ نفسك وتلاحظ غيرك أثناء العمل، فمن المفيد جدا أن يقف المهندس أو مشرف العمال لكي يراقب ما يجري ويلاحظ أي صعوبات أي مصدر للأخطاء أي اوقات ضائعة.
ومن المعتاد أن نستخدم أسلوب دراسة الحركة والوقت لكي نجد أسرع طريقة لأداء العمل.
وإعداد أسلوب العمل القياسي يستوعب الكثير من عناصر وثقافة نظام تويوتا الإنتاجي مثل:
الموقع المرئي،
خمسة ت،
التخلص من الفواقد،
منع الخطأ، 
التبسيط،
احترام العاملين،
تقصير وقت ضبط الماكينات،
تقليل حجم الطلبية،
خلايا التصنيع.
فعند ملاحظة العمل وعند إعداد أسلوب العمل القياسي فإننا دائما نسأل أنفسنا عن كيفية منع حدوث خطأ في كل خطوة، فنصمم العمل بحيث نمنع خطا العامل أو خطأ الماكينة.
وكذلك نفكر دائما هل هناك فواقد في العملية، هل هناك مجهود زائد، هل هناك مخزون زائد، هل هناك أوقات انتظار لا داعي لها، هل هناك فواقد في الخامات؟
ونفكر كذلك في بيئة العمل:
هل هي مرتبة بشكل واضح وسهل،
هل العامل يستطيع أن يتحرك بدون مشاكل في السلامة،
هل يستطيع العامل أن يصل للأدوات والخامات بطريقة سريعة وغير مجهدة،
هل يمكن ابتكار طرق تحسن من تداول الأدوات والخامات؟
ونفكر كذلك في تبسيط العمل فنسأل أنفسنا
هل يمكن تبسيط العمل؟
هل العملية معقدة بدون فائدة؟ 
ونركز عل تصميم العمل بحيث نستطيع تقليل حجم الطلبية ونطبق أسلوب سحب الإنتاج.
ونبحث دائما عن سبل تقليل وقت ضبط الماكينات من خلال الأفكار الابتكارية ومن خلال خلايا التصنيع.
أدوات كثيرة ولكنها أدوات بسيطة ويمكن للمهندس أن يستخدمها ويمكن للطبيب أن يستخدمها ويمكن للعامل أن يستخدمها، وكلما اعتدنا عليها كلما صارت جزءا من تفكيرنا فنستخدمها من غير أن نبذل جهدا أو نتكلف تطبيقها. 
هذا يقودنا إلى أسلوب عمل يقلل الفواقد ويحسن الجودة ويقلل الوقت.
من مراجع المقالة:  
The Toyota Way, J. Likert, Mc Graw Hill, 2004
Competitive Manufacturing Management, J. Nicholas, Irwin McGraw Hill, 1998
http://samehar.wordpress.com/2010/10/28/standard-work-2/