الثلاثاء، 24 يوليو 2012

سياسة الاحتياط الفيدرالي وخطر التضخم



الأربعاء, 23 مايو 2012 الساعة 07:27
مارتن فيلدشتاين - أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد - ينشر بالتعاون مع بروجيكت سينديكيت




مارتن فيلدشتاين


خلال الأعوام الأربعة الماضية، أضاف بنك «الاحتياط الفيدرالي» الأمريكي قدراً هائلاً من السيولة إلى النظام المصرفي التجاري في الولايات المتحدة، وبالتالي للاقتصاد الأمريكي.


ويخشى العديد من المراقبين أن تؤدي هذه السيولة في المستقبل إلى زيادة سريعة في حجم الائتمان المصرف، وبالتالي ارتفاع سريع في المعروض من النقود، ومعدل التضخم لاحقاً.


الواقع أن الخطر حقيقي، ولكن تجنبه ممكن، لأن العلاقة بين الاحتياطات لدى «الاحتياط الفيدرالي» وما يترتب عليها من مخزون من النقود والائتمان لم تعد كما كانت عليه في ما مضى.


لم يتسبب انفجار الاحتياطات في تغذية التضخم حتى الآن، ومن الممكن من حيث المبدأ عكس اتجاه الضخم للاحتياطات في وقت لاحق.


ولكن عكس اتجاه هذه السيولة قد يكون صعباً على الصعيد السياسي، فضلاً عن صعوبته من الناحية الفنية.


إن كل من يهتم بالتضخم لا بد من أن يركز على حجم الاحتياطات التي أنشأها «الاحتياط الفيدرالي».


فتقليدياً، ازداد حجم الودائع المصرفية التي تشكل مجموع المعروض من النقود بما يتناسب مع كمية الاحتياطات التي تتيحها البنوك التجارية.


وأدت الزيادات في المخزون من المال عموماً وعلى فترات متعددة السنوات إلى زيادات في مستويات الأسعار.


ولهذا، أدى النمو الأسرع للاحتياطات إلى نمو أسرع للمعروض من المال، وإلى معدل تضخم أعلى.



ولقد سيطر «بنك الاحتياط الفيدرالي» فعلياً (أو فشل أحياناً في السيطرة) على التضخم، من خلال الحد من معدل نمو الاحتياطات.


بدأ البنك سياسة عدوانية من التيسير الكمي في صيف العام 2008 في أوج الأزمة الاقتصادية والمالية.


ظل الحجم الإجمالي للاحتياطات بلا تغيير تقريباً أثناء الأعوام العشرة السابقة، فتراوح بين 40 و50 مليار دولار.


ثم تضاعف أثناء الفترة من أغسطس إلى سبتمبر 2008، ثم انفجر إلى أكثر من 800 مليار دولار بعد عام.


وبحلول يونيو، بلغ حجم الاحتياطات 1.6 تريليون دولار، وظل ثابتاً على هذا المستوى منذ ذلك الوقت.


ولكن هذا الارتفاع لم يترجم إلى نمو سريع للودائع في البنوك التجارية، لأن «الاحتياط الفيدرالي» بدأ في أكتوبر 2008 سداد الفوائد على هذه الاحتياطات.


وبوسع البنوك التجارية أن تضع أرصدتها المالية الزائدة في ودائع بلا مجازفة لديه، بدلاً من إقراضها لمقترضين من القطاع الخاص.


ونتيجة لهذا، سجل المعروض من المال نمواً بنسبة 25 بالمئة فقط منذ العام 2008، على الرغم من الزيادة في الاحتياطات بنسبة أربعين ضعفاً منذ ذلك الوقت.


وخلال العام الماضي، زاد البنك من سيولة النظام المصرفي (والاقتصاد الأمريكي) بالاستعانة باستراتيجية أطلق عليها مسمى «عملية تويست»، والتي اشترى بموجبها أوراقاً مالية بلغت قيمتها 400 مليار دولار في مقابل سندات الخزانة قصيرة الأجل.


والبنوك التي تحتفظ بسندات الخزانة هذه تستطيع بيعها في أي وقت، واستخدام العائدات لتمويل الإقراض التجاري.


ونجح استبدال كميات هائلة من الاحتياطات بأوراق مالية أطول أجلاً أثناء فترة «التيسير الكمي»، وسندات الخزانة بالأوراق المالية طويلة الأجل في إطار «العملية تويست»، في خفض أسعار الفائدة طويلة الأجل.


كما نجح الجمع بين أسعار الفائدة المخفضة واستبدال الأوراق المالية قصيرة الأجل بأصول أطول أجلاً في رفع أسعار الأسهم.


ولكن من غير الواضح ما إذا كانت أسعار الفائدة الأقل وأسعار الأسهم الأعلى قد أثرت بأي قدر يُذكَر على النشاط الاقتصادي الحقيقي.


والشركات لديها قدر كبير من السيولة، وهي لا تعتمد على الاقتراض لزيادة الاستثمار في المصانع والمعدات.


ولم تنتعش حركة بناء المساكن، لأن أسعار المساكن لا تزال في انخفاض.


وزاد المستهلكون بشكل مؤقت من إنفاقهم في استجابة للزيادة في سوق الأوراق المالية بحلول نهاية العام 2010، ولكن الإنفاق تباطأ إلى حد كبير مؤخراً.


ومكمن الخطر هنا أن البنوك التجارية قد تقرر في أي وقت البدء في استخدام هذه الاحتياطات الزائدة، فتتخلى عن أسعار الفائدة المخفضة التي يدفعها «بنك الاحتياط الفيدرالي» على الودائع (0.25 بالمئة فقط)، وتقرض هذه الأرصدة للشركات والأسر.


وهذه القروض سوف تضيف إلى الودائع وتؤدي إلى زيادة المعروض من المال.


كما ستؤدي إلى زيادة الإنفاق من جانب المقترضين، فيضيف هذا بشكل مباشر على الضغوط التضخمية.


عندما يبدأ الاقتصاد في التعافي وتمتلك الشركات القدرة على رفع الأسعار، فإن البنوك التجارية سوف تكون في احتياج إلى زيادة القروض التي تمنحها.


وسوف يكون هذا موضع ترحيب، ما دام ليس أكثر أو أسرع مما ينبغي.


وسوف يحتاج «الاحتياط الفيدرالي» إلى الحد من توسع الإقراض المصرفي، وهذا هو ما تعود البنك الحديث عنه باعتباره «استراتيجية الخروج».


وفي الأساس، سوف يعني هذا زيادة أسعار الفائدة على الودائع لدى البنك، والسماح لأسعار الفائدة بشكل أكثر عموماً بالارتفاع.


وإذا تم هذا في الوقت المناسب وعلى نطاق كافٍ، فإن «الاحتياط الفيدرالي» سوف ينجح في منع السيولة الهائلة الحالية من توليد معدلات تضخم أعلى.


وما يقلقني هنا، هو أن هيكل البطالة في الولايات المتحدة يختلف في دورة الانحدار الحالية عما كان عليه في الماضي اختلافاً تاماً.


فما يقرب من نصف العاطلين خرجوا من سوق العمل لمدة ستة أشهر أو أكثر. وفي الماضي، كانت فترة البطالة المقابلة عشرة أسابيع فقط. 
هناك إذاً الخطر المتمثل في عودة العاملين الذين تعطلوا عن العمل لفترات طويلة إلى سوق العمل بشكل أبطأ كثيراً من الحال في فترات التعافي السابقة.


وإذا ظل معدل البطالة مرتفعاً للغاية عندما تبدأ أسواق المنتجات في التوتر، فإن الكونغرس الأمريكي سوف يطالب «الاحتياط الفيدرالي» بالسماح بنمو أكثر سرعة من أجل خفض معدل البطالة، على الرغم من خطر التضخم الناجم عن ذلك.


والبنك مسؤول من الناحية الفنية أمام الكونغرس، الذي قد يمارس ضغطاً عليه بالتهديد بالحد من استقلاله.


وهذا يعني أن التضخم يشكل خطراً، حتى لو لم يكن حتمياً. ذلك أن الحجم الهائل من الاحتياطات، إلى جانب السيولة التي خلقها التيسير الكمي وعملية «تويست»، يزيد من خطورة هذا التهديد.


وسوف يتطلب الأمر قدراً كبيراً من المهارة، فضلاً عن الشجاعة السياسية، حتى يتسنى لـ«الاحتياط الفيدرالي» أن يتجنب ارتفاع معدل التضخم الذي خلقته السيولة الحالية.




http://alrroya.com/node/197578