الاثنين، 30 يوليو، 2012

ثورة الإبداع العالمية

الإثنين, 4 يونيو 2012 الساعة 06:21
لورا تايسون 

رئيسة مجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأمريكي
 - ينشر بالتعاون مع بروجيكت سينديكيت


ثورة الإبداع العالمية

في حين تناضل الدول في مختلف أنحاء العالم من أجل إرساء الأسس اللازمة للنمو المستدام القوي مستقبلاً، فربما كان يجب عليها التركيز على السياسات التي تشجع الإبداع.

 فقد أكدت الدراسات التجريبية في العديد من بلدان العالم وفي مختلف العصور أن الإبداع يشكل المصدر الأساس للتغيير التكنولوجي ونمو الإنتاجية. 

ويشكل الاستثمار في مشاريع البحث والتطوير، إلى جانب الاستثمار في قوة العمل العلمية والهندسية التي يعتمد عليها البحث والتطوير، المحرك الحاسم للإبداع والقدرة التنافسية الوطنية.

قامت دراسة حديثة أجراها المجلس الوطني للعلوم، الهيئة الإدارية الحاكمة للمؤسسة الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة، بفحص اتجاهات مثل هذه الاستثمارات في بعض البلدان على حِدة وفي المناطق بشكل عام.

وتشير هذه الاتجاهات إلى أن المشهد العالمي للإبداع تغير على نحو ملحوظ في العقد الأخير.

ومن المرجح أن يطرأ المزيد من التغيير عليه في ظل حرص العديد من الاقتصادات الآسيوية، خصوصاً الصين وكوريا الجنوبية، على زيادة استثماراتها في البحث والتطوير والتعليم الهندسي والعلمي من أجل تأمين مكانتها كمراكز مهمة للإبداع.


ومن جهة أخرى، فإن أعباء الديون الساحقة قد ترغم الولايات المتحدة وأوروبا واليابان على الحد من استثماراتها في هذه المجالات.

وتظل الولايات المتحدة الدولة الرائدة على المستوى العالمي في مجالات البحث والتطوير، حيث أنفقت عليها ما يقدر بنحو 400 مليار دولار في العام 2009، وتعزز هذا الإجمالي بفضل حزمة التحفيز التي أقرها الرئيس باراك أوباما، وهو أعلى من مجموع إنفاق الصين واليابان وألمانيا.

وفي حديثنا عن الإنفاق على البحث والتطوير كحصة من الناتج المحلي الإجمالي، نجد أن الولايات المتحدة احتلت المرتبة الثامنة في العام 2009 (بنسبة 2.9 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي).

ولقد ظلت حصة الولايات المتحدة أعلى من المتوسط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ولكن هذا يرجع أساساً إلى الفوارق الوطنية في حجم الإنفاق على البحث والتطوير في المجالات الدفاعية.

والواقع أن المجالات الدفاعية شكلت 52 بالمئة من البحث والتطوير في الولايات المتحدة في العام 2009، وأكثر من 50 بالمئة خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية.


أما في الاتحاد الأوروبي واليابان فإن حصة المجالات الدفاعية في مشاريع البحث والتطوير كانت ولا تزال أدنى بشكل ملحوظ، أقل من 10 بالمئة في الاتحاد الأوروبي وأقل من 5 بالمئة في اليابان عام 2009 (لا تتوفر البيانات اللازمة لإضافة الصين وكوريا الجنوبية إلى المقارنة).

وعلى مدى العقد المقبل، فإن التخفيضات الكبيرة في الإنفاق الدفاعي كجزء من خفض العجز الإجمالي قد تعني انخفاضاً كبيراً في الاستثمار على مشاريع البحث والتطوير في الولايات المتحدة.

أثناء الفترة 1999-2009، سجل الإنفاق العالمي على البحث والتطوير معدل نمو سنوياً بلغ في المتوسط 7 بالمئة، ثم ارتفع إلى 8 بالمئة أثناء الأعوام الخمسة الأخيرة، على الرغم من الركود العالمي.

وخلال هذه الفترة بالكامل سجل الإنفاق على البحث والتطوير نمواً أسرع كثيراً من نمو الناتج العالمي، الأمر الذي يعكس زيادة الدعم الحكومي وارتفاع حصة الصناعات التي تعتمد على التكنولوجيا بكثافة في الإنتاج العالمي والتجارة.

ولكن هذه الأرقام الإجمالية تحجب الاختلافات بين الدول والمناطق.

فعلى مدى العقد الأخير، هبطت حصة الولايات المتحدة في البحث والتطوير على مستوى العالم من 38 بالمئة إلى31 بالمئة، كما هبطت حصة الاتحاد الأوروبي من 27 بالمئة إلى 23 بالمئة، في حين ارتفعت حصة آسيا من 24 بالمئة إلى 32 بالمئة.

وداخل آسيا، سجل الإنفاق على البحث والتطوير في الصين نمواً مذهلاً بلغ 20 بالمئة سنوياً، ضعف معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي هناك.

وبحلول العام 2009 كانت الصين قد تفوقت على اليابان لتصبح ثاني أكبر دولة مستثمرة في البحث والتطوير على مستوى العالم.

كما سجل الإنفاق على البحث والتطوير نمواً سريعاً أيضاً بنحو 10 بالمئة سنوياً في كوريا الجنوبية. وفي المقابل، سجل الإنفاق على البحث والتطوير نمواً بلغ 4 بالمئة في اليابان، و5 بالمئة في الولايات المتحدة، ونحو 6 بالمئة في أوروبا.

وفي مختلف أرجاء العالم، يظل قطاع الأعمال الممول الأساس للاستثمار في البحث والتطوير.

ففي العام 2009، موّل قطاع الأعمال نحو 75 بالمئة من مشاريع البحث والتطوير في اليابان، و73 بالمئة في كوريا الجنوبية، و72 بالمئة في الصين، و67 بالمئة في ألمانيا، و60 بالمئة في الولايات المتحدة التي تُعد شركاتها الأكبر استثماراً في البحث والتطوير من حيث القيمة الشرائية المطلقة، حيث تنفق أكثر من ضعف ما ينفقه قطاع الأعمال في اليابان. 

ولكن الاستثمارات التجارية كحصة من الناتج المحلي الإجمالي لم تتغير إلا قليلاً في الولايات المتحدة على مدار العقد الماضي، في حين ارتفعت بسرعة في العديد من الدول الأخرى، بما في ذلك الصين وسنغافورة وكوريا الجنوبية.

وتُعَد الشركات العالمية متعددة الجنسيات المستثمر الأكبر في البحث والتطوير من قطاع الأعمال في الولايات المتحدة وغيرها من الدول. 
على سبيل المثال، مثلت الشركات متعددة الجنسيات، سواء أكان مقرها في الولايات المتحدة أم غيرها، نحو 84 بالمئة من الاستثمار الخاص (غير المصرفي) في البحث والتطوير بالولايات المتحدة عام 2009، وهي النسبة نفسها تقريباً قبل عشرة أعوام.

ولا تزال الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات تدير نحو 84 بالمئة من أنشطة البحث والتطوير في الولايات المتحدة، وغالباً في مجموعات الإبداع والابتكار حول جامعات الأبحاث.

ولكن هذه الحصة انحدرت أثناء العقد الماضي مع نقل الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات بعض أنشطة البحث والتطوير من الولايات المتحدة وأوروبا إلى آسيا، في استجابة للأسواق سريعة النمو والمواهب العلمية والهندسية الوافرة وإعانات الدعم السخية.

ويرجح أن تشتد المنافسة العالمية في المستقبل على أنشطة البحث والتطوير في الشركات متعددة الجنسيات والفوائد المحلية التي تجلبها، حيث يقدم العديد من الدول بالفعل إعفاءات ضريبية كبيرة.

وكانت الاقتصادات الآسيوية بشكل خاص بالغة القوة في استخدام مثل هذه الحوافز.

وانطلاقاً من إدراكها لحقيقة مفادها أن توافر القوة العاملة التي تتمتع بالمهارات الضرورية يشكل عنصراً أساسياً في تحديد الشركات للمواقع التي تدير فيها مشاريعها في مجالات البحث والتطوير، فإن الكثير من دول العالم يعمل الآن على زيادة استثماراتها في التعليم العالي والتدريب بمجالات العلوم والهندسة والتكنولوجيا.

في الولايات المتحدة تشكل الهندسة 4 بالمئة فقط من كل درجات البكالوريوس مقارنة بنحو 19 بالمئة في آسيا، والتي تمثل الآن نصف درجات الهندسة، ونحو 33 بالمئة في الصين.

كما بدأت دول عديدة في تغيير قوانين الهجرة من أجل تيسير اجتذاب العمال ذوي المهارة العالية، وخصوصاً العلماء والمهندسين الذين أصبحوا قادرين على التنقل بشكل متزايد.

ومن جهة أخرى، تزيد سياسات الهجرة في الولايات المتحدة وأوروبا من صعوبة اجتذاب واستبقاء مثل هؤلاء العمال، الأمر الذي يرغم الشركات على نقل مشاريع البحث والتطوير إلى الخارج بحثاً عن المواهب التي تحتاج إليها.

ونتيجة لهذه التغييرات، تحول المشهد العالمي للإبداع والابتكار خلال العقد الماضي، وأصبح عالمنا اليوم مكاناً يحرص فيه العديد من دول الأسواق الناشئة على جعل التقدم في العلوم والتكنولوجيا على رأس أولوياتها، وحيث أصبحت الاستثمارات في مشاريع البحث والتطوير من قِبَل الشركات متعددة الجنسيات أكثر قدرة على التنقل.

ولكن مع شروع الولايات المتحدة وغيرها من الدول المتقدمة في تنفيذ خطط التقشف من أجل احتواء ديونها، فمن الأهمية بمكان أن تتنبه إلى هذه التغيرات الطارئة على مشهد الإبداع والابتكار وتعزز استثماراتها في مشاريع البحث والتطوير، وفي التعليم والهندسة والعلوم، وذلك على الرغم من التخفيضات المؤلمة التي تضطر إليها في مجالات أخرى.