الجمعة، 13 يوليو، 2012

هل نكرر خطأ السنهوري؟ الديمقراطية هى الحل

علاء الأسواني
الديمقراطية هى الحل.

هل نكرر خطأ السنهوري؟ علاء الأسواني
علاء الأسواني

Mon, 09/07/2012 - 21:45


الدكتور عبدالرزاق السنهورى «1895 - 1971» من أهم فقهاء القانون فى تاريخ مصر والعالم العربى، هو الذى وضع الدستور والقانون المدنى لبلاد عربية كثيرة منها ليبيا والعراق والسودان والكويت وسوريا والإمارات العربية المتحدة.


هذا الرجل العظيم ارتكب منذ ستين عاماً خطأ جسيماً مازلنا ندفع ثمنه حتى اليوم، فقد اشتهر السنهورى بخصومته الشديدة للوفد، حزب الأغلبية آنذاك.


فى عام 1952 قام الضباط الأحرار بانقلاب عسكرى «تحول فيما بعد إلى ثورة عندما أيدها الشعب»، وأجبر الضباط الملك فاروق على التنازل عن العرش لابنه الأمير الطفل أحمد فؤاد مما استوجب تشكيل مجلس الوصاية، وطبقاً لدستور 1923 كان يتوجب على مجلس الوصاية أن يؤدى القسم أمام البرلمان ذى الأغلبية الوفدية..
كان «عبدالناصر» فى رأيى زعيماً مخلصاً عظيماً لكنه أيضاً أول من أسس للحكم العسكرى فى مصر، ولأنه كان يدرك شعبية الوفد الطاغية ويخشاها فقد لجأ إلى السنهورى، الذى كان رئيساً لمجلس الدولة، ليستشيره.

كان السنهورى يكره الوفد لدرجة أعمته عن أى اعتبار آخر ولذلك فقد وجد مخرجاً قانونياً تمكن به عبدالناصر من استبعاد الوفد ثم سرعان ما أصدر عبدالناصر قراراً بحل الأحزاب جميعاً وإلغاء النظام النيابى نفسه..

عندئذ أدرك السنهورى خطأه: أنه عندما استبعد حزب الوفد ساهم بغير قصد فى تقويض النظام الديمقراطى ذاته.
حاول السنهورى استدراك الخطأ وراح يعارض عبدالناصر ويدافع عن الديمقراطية ويطالب بعودة الجيش إلى الثكنات لكن وقت إصلاح الخطأ كان قد فات.

فقد ضاق الضباط الأحرار بمعارضة السنهورى لهم فأرسلوا إليه متظاهرين مأجورين قاموا بالاعتداء عليه بالضرب المبرح فى مكتبه، ثم اتخذ مجلس قيادة الثورة قراراً بإلغاء مجلس الدولة من أساسه..

وقد أثرت هذه المعاملة المهينة فى السنهورى وعاش حزيناً حتى وفاته عام 1971..

هذه الواقعة لها مغزى: إن خصومتنا السياسية مع أى حزب أو جماعة لا يجب أبداً أن تعمينا عن الحقيقة.
يجب أن ندافع عن مبادئنا حتى لو استفاد من تحقيقها ألد خصومنا السياسيين.
فى مصر الآن صراع على أشده بين نظام مبارك الذى لايزال مسيطراً على الدولة والدكتور محمد مرسى أول رئيس مدنى منتخب.

 المشكلة أن هذا الرئيس ينتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين مما يجعل الكثيرين يناصبونه العداء قبل أن يفعل أى شىء ويعترضون على كلامه قبل أن ينطق.. 

كنت ومازلت أعارض الإخوان المسلمين نظرياً وعملياً..
نظرياً لأنهم يؤمنون بالخلافة الإسلامية وأنا أعتبرها نظاماً استبدادياً فاشياً أدى إلى سقوط مصر فى قبضة الاحتلال العثمانى كما أعارضهم لأنهم يعتقدون أن الإسلام دين ودولة، بينما أعتقد أن الإسلام لم يقدم نظاما محددا للحكم وإنما قدم مبادئ عامة وترك للمسلمين اختيار النظام السياسى الذى يحققها،
وعلى المستوى العملى أعارض سياسة الإخوان التى لا ترى الفرق بين مصلحة الجماعة ومصلحة الوطن، مما أوقعهم فى مواقف انتهازية كثيرة تحالفوا فيها مع السلطة المستبدة ضد إرادة الشعب، وأقرب مثال على ذلك تخلى الإخوان عن الثورة وتحالفهم مع المجلس العسكرى، الأمر الذى ضيع على مصر فرصة كتابة الدستور أولاً وأوقعنا فى هذا المأزق الذى نعيشه..


أما السلفيون فأنا أعارضهم لأنهم يحملون القراءة الوهابية السعودية للإسلام المناقضة للقراءة المصرية المعتدلة، كما أرفض تشدد بعض السلفيين وضيق أفقهم ومواقفهم المعادية للحريات وحقوق المرأة والفن والأدب..


علاقتى مع الإخوان والسلفيين، إذن، لم تكن قط على ما يرام بل إن بعض المنتسبين للتيار السلفى هاجموا عيادتى الخاصة مرتين وحاولوا الاعتداء علىّ عقاباً لى على آرائى فتقدمت ببلاغات ضدهم وأحيلوا إلى المحاكمة والقضية لاتزال منظورة..
هذه الخصومة العنيفة مع تيار الإسلام السياسى لا يجوز أبداً أن تمنعنى من تأييدهم إذا أصابوا أو من مساندتهم إذا خاضوا معركة مشروعة وطنية.


إن الصراع الآن بين طرفين: رئيس منتخب بإرادة الشعب ومجلس عسكرى يفرض إرادته علينا بقوة الدبابة.
هذا الصراع يشكل جوهر الثورة المصرية التى قامت بالأساس من أجل إنهاء الحكم العسكرى وإعادة السلطة إلى الشعب صاحبها الشرعى.
إن شعارات الثورة العظيمة «عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية» يستحيل أن تتحقق إلا إذا استرد الشعب سيادته على بلاده..
إن الرئيس مرسى يواجه الآن نظام مبارك بكل قدراته وطاقاته.
هذا النظام له مؤسسات رسمية معلنة وله تنظيم سرى بمعنى الكلمة متغلغل فى كل مفاصل الدولة المصرية.
هذا التنظيم السرى «الذى يسمى أحياناً بالدولة العميقة» هو المحرك الرئيس للأحداث فى مصر منذ سقوط مبارك.
إن نظام مبارك يعمل وفقا للمعادلة الآتية:
«لقد ثار المصريون ضد أوضاع ظالمة فلو أنهم وجدوا أنفسهم فى أوضاع أسوأ بكثير من التى ثاروا ضدها، يمكن عندئذ إعادة النظام القديم فى شكل جديد»..
هذه المعادلة تم تحقيقها بعشرات الوقائع التى دبرها نظام مبارك، بدءاً من القبطى الذى أذاعوا أن السلفيين قطعوا أذنه إلى إحراق الكنائس بواسطة بلطجية مأجورين بعد انسحاب أفراد الشرطة المدنية والعسكرية، إلى تشويه سمعة الثوريين بكل وسيلة، إلى اصطناع أزمات مستمرة فى كل مواد المعيشة..


هدف الخطة 
أن يكفر المصريون بالثورة ويعانوا من تدهور أوضاع المعيشة ثم يتم تقديم مرشح النظام القديم باعتباره البطل المخلص الذى سيستعيد الأمن ويرفع المعاناة عن المصريين.
حاول نظام مبارك ترشيح عمر سليمان لأداء هذا الدور لكن المعارضة الشعبية كانت من القوة بحيث اضطروا إلى سحبه بعد أيام ثم تقدموا بأحمد شفيق وسانده نظام مبارك بكل قوته:
انفتحت خزائن رجال الأعمال الموالين لمبارك وأغدقوا الملايين واحتشد حول شفيق لواءات الداخلية وأقطاب الحزب الوطنى وضباط أمن الدولة وإعلاميون مخبرون تربوا فى أروقة وزارة الداخلية، بالإضافة إلى أربعة ملايين اسم تمت إضافتها إلى الكشوف الانتخابية صوتت جميعاً لشفيق.
أضف إلى ذلك مثقفين انتهازيين تأكدوا أن شفيق قادم فقفزوا بسرعة من مركب الثورة وأعلنوا تأييدهم له.
كما أن ملايين المصريين نزلوا وصوتوا لمرسى ليس حبا فيه وإنما من أجل إسقاط شفيق ممثل النظام القديم.
وبالرغم من أن فوز مرسى تأكد من البداية فقد تأجل إعلان النتيجة لمدة أسبوع، وهناك مؤشرات على أن النية كانت متجهة لتغيير النتيجة لصالح شفيق «تعرض قناة الفراعين وثيقة صادرة من اللجنة العليا للانتخابات تفيد بفوز شفيق على مرسى، والغريب أن القضاة الموقعين عليها لم يتقدموا ببلاغ ضد القناة»..
تراجع نظام مبارك عن تغيير النتيجة وانسحب مؤقتاً أمام الرئيس المنتخب، وفى الوقت نفسه أصدر المجلس العسكرى إعلاناً دستورياً غير شرعى اغتصب به صلاحيات رئيس الجمهورية، ثم دارت الماكينة الجبارة لنظام مبارك من أجل إفشال الرئيس المنتخب وتشويه سمعته حتى قبل أن يبدأ ولايته.
نفس الطريقة القديمة:
انفلات أمنى متزايد يحدث أمام أعين رجال الشرطة وجنود الشرطة العسكرية فلا يتدخلون أبداً لحماية الأبرياء.
 ثم تتابعت وقائع الاعتداء على المواطنين من متطرفين إسلاميين، بعض هذه الوقائع حقيقى وبعضها أصابع الأمن واضحة فيه، لكنها فى كل الأحوال تجرى أمام أعين رجال الأمن فلا يتدخلون أبداً لحماية الناس ثم يتم تضخيمها فى وسائل الإعلام من أجل ترويع المواطنين.
 ألا يجب هنا أن ننسى علاقة أمن الدولة ببعض الجماعات المتطرفة التى اعترف بها الإسلاميون أنفسهم «ذكر المتحدث باسم حزب النور نادر بكار أربعة مشايخ مشهورين بالاسم وأكد أنهم عملاء لأمن الدولة»..
ما حقيقة جماعة الأمر المعروف والنهى عن المنكر التى تبرأت منها كل الأحزاب والجماعات الدينية ولماذا تظهر وتختفى دائما وفقاً للظروف السياسية؟!
إن قراءة بيانات هذه الجماعة الغامضة تكشف أن غرضها الأول الترويع، فهى تتحدث عن دوريات راكبة ليلية ونهارية وعصى خيزرانية وصواعق كهربائية وأسلحة نارية..
 لماذا لا يتابع المسؤولون فى الداخلية موقع هذه الجماعة على الإنترنت فيتم القبض على أعضائها خلال ساعات؟!.
 الإجابة أن نظام مبارك مستمر فى ترويع المصريين حتى تحين الخطوة التالية: ...
بالأمس صرحت مستشارة مقربة من المجلس العسكرى بأن الرئيس مرسى يجب أن يستقيل بمجرد كتابة الدستور.. هكذا يتضح المخطط.
سوف تستمر عمليات الترويع للمواطنين ويستمر تشويه الرئيس المنتخب حتى يجبره المجلس العسكرى على الاستقالة بعد كتابة الدستور فيحس المواطنون عندئذ براحة عميقة لأن شر الإخوان قد زال عنهم ثم تعاد الانتخابات ويحتشد نظام مبارك وراء مرشح قد يكون شفيق أو عمر سليمان أو أى عضو فى المؤسسة العسكرية..

هنا يجب أن نرتب أولوياتنا بطريقة صحيحة.
بعض المصريين تحولت خصومتهم السياسية للإخوان إلى عداء شديد يعميهم عن الحقيقة ويدفع بهم إلى الموافقة على الحكم العسكرى نكاية فى الإخوان، تماماً كما وقف السنهورى مع الضباط الأحرار ضد الوفد ثم ندم بشدة عندما سقط النظام الديمقراطى كله..
من ناحية أخرى فإن بعض المتشددين الإسلاميين عاجزون عن فهم ما يحدث، وهم يسعون لفرض أفكارهم المتزمتة عنوة فيساعدون بغير قصد نظام مبارك فى صراعه الباطل ضد الرئيس المنتخب.


يجب أن ندافع عن مبادئ الديمقراطية وأهداف الثورة بغض النظر عمن يستفيد منها.


عندما نرفض سيطرة المجلس العسكرى على الحكم ونطالب بصلاحيات كاملة لرئيس الجمهورية فنحن لا نفعل ذلك من أجل محمد مرسى ولا من أجل الإخوان ولكن من أجل الثورة ومن أجل مصر..
إن معركتنا الرئيسية الآن مع نظام مبارك الذى يكافح باستماتة من أجل إجهاض الثورة واستعادة الحكم كاملاً..
إذا كان الاختيار بين سلطة العسكر وسلطة الشعب فإن واجبنا قطعاً أن نساند الرئيس المنتخب حتى ولو كنا من أشد المعارضين له سياسياً..
على أن دعمنا للرئيس ليس مطلقاً وإنما محدد بشروط:
إذا أثبت أنه فعلاً رئيس للمصريين جميعاً وإذا نفذ وعوده وخاض معركة من أجل القضاء على نظام مبارك وإعادة السلطة للشعب، فإن واجبنا مساندته بقوة، أما إذا تغلب انتماؤه للإخوان على إخلاصه للشعب ودخل فى صفقات رخيصة من أجل مصالح الإخوان فسوف نتخلى عنه كما تخلى عن الثورة..
عندئذ سيكون قدر الثورة أن تواجه العسكر والإخوان معاً.
وفى كل الأحوال سوف تنتصر الثورة حتما بإذن الله وتحقق أهدافها لتبدأ مصر المستقبل الذى تستحقه.
الديمقراطية هى الحل.