الجمعة، 20 يوليو، 2012

الاقتصاد والتنمية... في الأمثال الشعبية

خليل علي حيدر


طالعت لبعض الوقت الكثير من الأمثلة العربية الشعبية في كتب متفرقة، فوجدت الكثير من التشابه بينها من المغرب إلى الكويت، وهذا بالطبع ما لاحظه كل من درس هذه الأمثال وكتب فيها.


غير أنني اخترت زاوية أتأمل منها هذه الأمثال، لا أدري إن كنت مسبوقاً إليها، ألا وهي المفاهيم الاقتصادية والتنموية، وقيم الادخار والاستثمار، وغير ذلك في هذه الأمثال.


ومن المعروف أن قيم وأفكار الأمثال الشعبية متعارضة ومتناقضة في العديد منها،
فبعضها يدعو للتسامح وأخرى للتشدد والانتقام، وبعضها يحث على صلة الرحم والبر بالأقارب وأخرى تحذر من الأقارب لأنهم في الواقع كالـ"عقارب"!


وهذا ما نراه كذلك في بحثنا المختصر هذا،
فمن الأمثال المعروفة "اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب"، وهي نصيحة إن عملت بها أي دولة لأصابتها مشاكل اقتصادية لا آخر لها!


ولكننا لحسن الحظ، نجد في التراث الشعبي أمثلة أخرى تحث على التفكير في المستقبل والتدبير للأيام الغائمة والسنوات العجاف وتفضيل العمل على البطالة.
ومن هذه الأمثال "تراب العمل ولا زعفران البطالة"، "خذ بيزة وحاسب البطال"، "ادّاين وازرع ولا تِدّاين وتبلع"، ازرع كل يوم تأكل كل يوم"، "شعرة من هنا وشعرة من هنا يعملوا ذقن"، "صاحب صنعة خير من صاحب قلعة"، "هات اليوم صوف وخذ بكرة خروف".



وتدعو هذه الأمثال الشعبية الناس كذلك إلى الاعتماد على النفس، فهي خطوة أساسية لإثبات الوجود والمنافسة مع الآخرين
ومن الأمثال هنا مثل طريف يقول "حمارتك العرجة ولا سؤال اللئيم"، ومثل آخر يقول، "تراب العيرة ما يدفّي".
 والمثل في بلاد المغرب "المكسَّي بلباس الناس عريان"،
 ومثل من دولة عربية أخرى يقول "حمارك الأعرج ولا جمل ابن عمك"،
ومثل ليبي "اللي يصرف ولا يحسب يفلِّس ولا يدري".


ومن أجمل الأمثال الشعبية في مجال الحرص على المال
بالمناسبة، مثل أفريقي من غانا يقول "المال كالخادم، إن أسأت معاملته فرّ منك"! 
فانظر عمق الحكمة الشعبية في هذا المثل!


ولهذا نجد في الأمثلة العربية تنبيهاً متصلاً وتحذيراً دائماً لتقدير أهمية المال وعدم تبديد الثروة، وبخاصة تحذير التجار من البيع بالسلف، أو "على الحساب" كما يقال!
ومن هذه الأمثال "السلف تلف"، و"السلف يربي العداوة"، و"الخسارة القريبة ولا المكسب البعيد"، و"خلّي العسل بجراره حتى تيجي أسعاره"، و"الخسارة المستعجلة ولا المكسب البطيء".
وشبيه هذا المثل من الموصل يقول "خبي العسل بجراره حتى تجي أسعاره"، ومثل من نجد يقول "قطر مع قطر يصير غدير".


وقد نتوقف هنا متأملين: هل مثل هذه النصائح والأمثال مفيدة في عصرنا الراهن وتتماشى مع الاقتصاد والاستثمار الحديث، وبخاصة الشركات والاستثمارات الكبرى؟
فالواقع أن معظم عمليات البيع والشراء قائمة اليوم على السلف والإقراض والفوائد المالية، وحتى الذين يتظاهرون بعدم أخذ الفائدة شهرياً، كإخوتنا "اللاربويين".. يأخذونها منك مقدماً ضمن سعر البضاعة!


كما أن التحذير بأن "الخسارة المستعجلة ولا المكسب البطيء"، مفيد في تصريف الفاكهة ومنتجات الألبان مثلاً في بقالة صغيرة، ولكنه غير عملي، إن لم يكن شديد الضرر في حالة تداول الأسهم والعقار.


ويضع الوعي الاستثماري الشعبي في أمثاله احتمالات الظروف الاقتصادية المعاكسة.
ومن أطرف الأمثال في هذا المجال مثل مأساوي ومضحك في الوقت نفسه، وشر البلية ما يضحك!
ويقول المثل "جا يتاجر في الحنّة كترت الأحزان وجا يتاجر في الكتّان ماتت النسوان".
فالحنّة، يقول أحد شارحي الأمثال، "تتخضب بها النساء في الأفراح، والكتان نسيج كانت تلبسه النساء.
ويضرب المثل فيمن يحاول أمراً فتكسد سوقه وتبور تجارته"
(وحدة الأمثال العامية، محمد قنديل البقلي، 1968، ص214).
وقرين هذا، مثل يبلغ في التشاؤم غايته، وهو مثل من الموصل في العراق، يقول "لو اتجرت بالأكفان ما مات أحد"!
ويقول مثل مغربي مماثل له في ندب سوء الحظ: "إلى عملنا سعدنا في الشواشي، كيخلقوا الناس بلا روس"
والشواشي هنا في القلانس أو القبعات، والمعنى: أننا لا نتمتع بأي حظ، فلو أتجرنا في الشواشي وُلد الناس من دون رؤوس"!


 وبعكس المثل الشعبي الذي يحث البائع على سرعة البيع خشية بوار البضاعة، يحثه مثل آخر على التمهل:
"الحاجة في السوق تقول نيني نيني، لما ييجي اللي يشتريني"!
ومثل هذا التضارب في "توجيهات" الأمثال الشعبية معروف ومألوف.


ويدرك العقل الشعبي كذلك قدرة المال المذهلة، ونفوذه السياسي الخارق، فيقول المثل:
"بفلوسك بنت السلطان عروسك". 
وهذا مثل يلخص دور المال في كل مجال!


كما أن هذا العقل ينتبه لدور مساعدة الآخرين بالمال والغذاء في اكتساب السمعة الحسنة والمكانة المتميزة،
فيقول المثل "تاكلوه يروح، تفرقوه يفوح"، فما تأكله يذهب ويضيع ويُنسى، وما تُطعمه يبقى ذكره في المجتمع.
وكذلك ربما ميزة المساعدات الدولية!


ولا ينظر المثل الشعبي في مجال التجارة والاستثمار بارتياح إلى كثرة المشاركين في المشروع الواحد،
فيقول المثل "فرخة بين أربعة ما منها منفعة"،
وهو يضرب في الشيء القليل يشترك فيه كثيرون، فتضيع فائدته لتفرقه بينهم.


ومن الأمثال الشعبية ما يحذر الناس، والتاجر من بينهم، من الاستعجال في عقد الصفقات والحكم على ظاهر الأمور.
فمن الأمثال "لا تذم ولا تشكر إلا بعد سنة وست أشهر"، وهو يُضرب فيمن يتسرع بالمدح قبل التجربة،
و"لا تقول فول حتى يصير بالمكيول" ومعنى المثل، لا تذكر الفول ولا تطمئن إلى أنه صار في حوزتك حتى يكون جاهزاً للكيل. 
فمن الخطأ الفادح أن ترى حقلاً مزروعاً بالفول فتظن أن ما تراه في الحقل ستراه في الأكياس و"الشوالات"!
 ويقول مثل عراقي مشابه "لا تقول عنب لما تصير بالسلة".
 أما المثل السوري فهو "حساب السوق ما انطبق على حساب الصندوق".


وينصح مثل نجدي بالقبول بما هو موجود في الحقل،
"خذ من الفلاح، ما لاح"،
ويقول محمد العبودي في كتابه عن الأمثال النجدية:
"إذا كان لك دين على فلاح، فخذ منه ما ظهر لك أنه سوف يدفعه، ولو كان أقل بكثير من حقك عليه أو مما تطمح نفسك منه إليه، ولا تتشدد فتطلب جميع ما عنده لك مرة واحدة، فيفوتك منه حتى ما أمكنك أن تحصل عليه منه فرفضته.
وذلك لأن الفلاحين -في الغالب- أكثرهم مُثقلون بالديون، ولا يطمع الدائن في استيفاء حقه كاملاً منهم".
ويشبه هذا مثل نجدي آخر يقول "راعي النصف سالم"
ومثل كويتي مأخوذ عنه يقول "راعي النصيفة سالم"،
بمعنى أن من حصل على نصف دَيْنه من الآخرين سلم على قدر لا بأس به من ماله، تعزية عن ذهاب النصف المفقود، وتذكيراً له بأن ماله قد سلم من الذهاب جملة.


ويدرك المثل الشعبي أهمية السوق والدعاية والنشاط الترويجي للبضاعة،
فيقول المثل المصري "حُسن السوق ولا حُسن البضاعة"، 
والمثل النجدي "جود السوق ولا جود البضاعة"،
بمعنى أن المعول في رواج السلع ليس بحسنها وجودتها ولكن بشدة الطلب عليها والدعاية لها.


ويقدم مثل نجدي حلاً لارتفاع أسعار البضائع إذا انطلقت من عقالها
ويقول "دوا الغالي تركه" أي عدم الإقبال على البضاعة الغالية.
ولكن هل يسهل هذا مع كل بضاعة وفي كل ظرف؟ بالطبع لا


ولا تؤمن الأمثال الشعبية بمخاطر تصدير العمالة وهجرة العقول على الاقتصاد الوطني،
فيقول مثل سوري "اترك بلادك تنول مرادك"، في الحث على الهجرة.
ويقول مثل من الجزيرة العربية "بلدك اللي تُرزق فيها، ما هيب اللي تولد فيها".
والمراد، يقول العبودي، "أن البلاد التي ينبغي أن تعتبرها بلدك بحق هي التي تصادف فيها رزقاً لك، وليست التي ولدت فيها. ويُضرب في الحث على التنقل في البلاد ابتغاء للرزق، وطلباً للمعرفة، والنهي عن أسف المرء على بلده إذا جفاه".


وفي الأمثال رغم هذا، نصائح مفيدة جداً في عصر العولمة والانفتاح والانتقال بين البلدان والقوانين والإدارات، والحاجة الماسة إلى معرفة متخذي القرارات ومنفذي القوانين. 
فيقول المثل "خُذ لك من كل بلد صاحب ولا تأخذ من كل بلد عدو".
أما المثل الثاني، فهو كما أراه، طريف جداً إذ يقول "عادي أمير ولا تعادي غفير".
فالحاكم قد يرحب بالمستثمر والوزير يعاديه، وقد يحبه الوزير ويعرقل الوكيل ورئيس القسم والموظف معاملاته!
فاحرص في قضاء حوائجك على مداراة كبار الموظفين خاصة.. ولا تهمل حتى الصغار!


وتحذر الأمثال الشعبية من المال السهل وأثرياء الحرب،
ويقول مثل شعبي "مال تجيبه الرياح تأخذه الزوابع".
وفي شبه جزيرة سيناء يقول "المال اللي يُجمع بالحلال يأخذ ابليس نصه، واللي يجمع بالحرام إبليس يأخذ صاحبه"!


ولكن المثل الشعبي، كما هو لا ينسجم في كل إرشاداته مع العولمة فإنه لا ينسجم كذلك مع الحملة الدولية ضد الفساد المالي ولصالح الشفافية.
فهو مثلاً يقول "إن سرقت اسرق جمل وإن عشقت اعشق قمر"، أي لا تفضح نفسك في صغائر الأمور!
وهو يشبه المثل القائل "إن أطعمت اشبِعْ وإن ضربت اوجع"!


ولا يكترث المثل الشعبي بدلالة الأرقام دائماً،
فيقول مثل مصري "تسعة وتسعين تبقى ميه"،
ومثل هذه المعادلة ستقلب مفاهيم التسعير في الأسواق الأميركية وأسواقنا حيث الرقم تسعة على كل بضاعة،
كما ستؤثر كذلك على نتائج الكثير من.. الانتخابات العربية!


و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.


المصدر:الإتحاد الإماراتية-16-9-2007 http://www.siironline.org/