الجمعة، 6 يوليو، 2012

الأصول المسمومة

الأصول المسمومة

د.فهد إبراهيم الشثري
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
د.فهد إبراهيم الشثري

عندما يتسمم جسم إنسان نتيجة لأكله وجبة غير نظيفة، فإن علاج ذلك إجراء غسيل كامل للمعدة. 
وعندما يتسمم دم الإنسان، فإن علاج ذلك أيضاً إجراء تنظيف كامل للدم من السموم لكيلا تؤثر في أعضاء الجسم الأخرى. 
أي أن العلاج في كل حالة التخلص من السموم لأثرها الضار والخطير في جسم الإنسان، إذ قد يؤدي بقاؤها إلى تعطل عمل أعضاء الجسم الأخرى. والاقتصاد شبيه بجسم الإنسان من حيث التركيب العضوي. 

فلكل اقتصاد قلب نابض يتمثل في قطاعه المالي والمصرفي الذي يعمل على ضخ الأموال (الدم) لقطاعات الاقتصاد الأخرى كالصناعة والخدمات بمختلف فروعهما. 
فإذا عجز هذا القلب (النظام المالي والمصرفي) عن ضخ التمويل الكافي لتلك القطاعات، فسيتراجع بالتالي أداؤها وستؤثر بشكل مباشر في أداء الاقتصاد الذي لن يكون قادراً على النمو بالقدر الكافي.

إذاً، طرق علاج مشكلات الاقتصاد قريبة إلى حد ما من طرق علاج الإنسان خصوصاً فيما يتعلق 
بالأصول المسمومة Toxic Assets التي تمثل مشتقات مالية مدعومة بأصول أخرى كسندات الرهن العقاري. 
وإطلاق وصف الأصول السامة عليها دلاله مهمة على أن هذه الأصول لا تملك قيمة حقيقية في ذاتها ولكن مما تشتقه من غيرها من مخاطر يتم تداولها بين المستثمرين. 
وهذا جعلها كالسم الزعاف الذي ما إن تشبع الاقتصاد به، حتى بدأت أعضاؤه (قطاعاته الأخرى) تتعطل الواحد تلو الآخر.

لذلك، فإن هناك جدلاً بين كثير من المسؤولين والاقتصاديين حول إعادة بعث الحياة في تلك الأصول التي فقدت تقريباً ميزتها كأصول ذات قيمة بسبب أن لا أحد يرغب في شرائها أو تداولها من ناحية، ومن ناحية أخرى أنها كما أشرت سابقاً لا تمثل أصلاً حقيقياً في ذاتها وإنما عملية تحويل وإعادة تدوير لمخاطر تتعلق بأصل آخر. أي أن قيمة تلك الأصول مرتبطة بشكل مباشر بثقة الناس بها، ومتى ما فقدت هذه الثقة، لم يعد لها أي قيمة تذكر.

وهذا جعل تلك الأصول، التي تضخمت قيمتها خلال السنوات العشر الأخيرة لتبلغ ما يقارب 60 تريليون دولار أمريكي، عبئا على القوائم المالية للمؤسسات المالية والمصرفية، 

مما جعل تلك المؤسسات أمام خياران لا ثالث لهما:
 إما إعدام تلك الأصول وإخراجها من قائمة المركز المالي واحتساب قيمتها كخسارة محققة، 
أو زيادة رأسمال تلك المؤسسات وإبقاء تلك الأصول في قائمة المركز المالي على أمل أن تعود الحياة إلى سوق تلك المشتقات ومن ثم تبدأ قيمتها في الارتفاع مرة أخرى.

لكن يبدو أن متخذي القرار الاقتصادي في الولايات المتحدة مجمعون على مبدأ بعث الحياة في تلك الأصول لكنهم مختلفون على الطريقة التي يمكن بها بعث الحياة فيها. 

ففريق يرى أن يتم ذلك من خلال شراء تلك الأصول بواسطة الحكومة الفيدرالية بطريقة المزايدة, مما سيمكن من عكس القيمة الضمنية لتلك الأصول على قوائم المركز المالي للشركة المالكة لها. وهذه الطريقة ستدعم المركز المالي لتلك المؤسسات المالية وستزيد من السيولة في سوق الائتمان ومن ثم إنعاشه مرة أخرى.

الفريق الآخر يرى أن بعث الحياة في تلك الأصول يتم بطريق غير مباشر من خلال ضخ سيولة نقدية في المؤسسات المالية المتعثرة مما سيشجعها على ضخ مزيد من التمويل في سوق الائتمان, الأمر الذي سينعش بشكل غير مباشر أسواق المشتقات المالية أو ما يسمى بالأصول المسمومة. 

أي أن فعالية كل طريقة تعتمد بشكل أساسي على أثرها النهائي في انتعاش حركة البيع والشراء في المشتقات المالية المدعومة بأصول الرهن العقاري.

لكن الشواهد الواقعية تؤكد أن أياً من الطريقتين: الشراء المباشر للأصول المسمومة أو ضخ السيولة في الشركات المالكة لتلك الأصول، لن يجدي نفعاً لسبب رئيسي هو الخوف (انعدام الثقة). 

ففي الحالة الأولى – الشراء المباشر من قبل الحكومة - التي لم تجرب حتى الآن يتوقع أن تقوم أسوأ المؤسسات المالية برمي ما لديها من أصول مسمومة في حضن الحكومة، ومن ثم من سيشترى تلك الأصول من الحكومة؟ لا أحد بالطبع، ولن يكون لذلك نتيجة سوى نقل عبء تلك الأصول من المراكز المالية للمؤسسات المالية إلى دافعي الضرائب.

أما الطريقة الثانية – ضخ السيولة – فقد أثبتت فشلها في الواقع بسبب الخوف كما ذكرت.
 إذ بدلاً من استخدام تلك السيولة في منح قروض جديدة ومن ثم إنعاش سوق الائتمان وتخفيض تكلفة الإقراض بين البنوك LIBOR وجعل الأصول المسمومة مربحة، تعمد المؤسسات المالية إلى استخدام السيولة الممنوحة لها في أغراض أخرى كتغطية خسائرها مثلاً أو الاحتفاظ بها أملاً في استخدامها لاقتناص فرص استثمارية حال انتعاش الاقتصاد.

ويبدو لي أنه لا يزال لدى صانع القرار الاقتصادي الأمريكي أمل في إعادة الانتعاش لسوق المشتقات المالية خصوصاً الـ CDO’ على الرغم من ترسخ القناعة لدى الجميع بضررها البالغ. لذلك، فإن إنعاش هذه الأصول لن يتم إلا بتغيير تلك القناعات وهي مهمة ليست بالسهلة. 

ومن ثم فإنني أرى أنه لا مناص للحكومة الأمريكية من الإذعان لقواعد السوق التي أبت إلا أن تعلن أن تلك الأصول أصول ضارة لا تستند إلى قيمة اقتصادية حقيقية ومن ثم يجب التخلص منها، وما كان مسموماً فسيظل مسموماً إلى الأبد.

http://www.aleqt.com/2009/01/24/article_187854.html