الجمعة، 27 يوليو، 2012

فضيحة الليبور 1

أ.د. محمد ابراهيم السقا













أ.د. محمد ابراهيم السقا
نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الثلاثاء 10/7/2012.

الليبور هو اختصار العبارة London Interbank Offered Rate (LIBOR)،

والتي تعني معدل الفائدة المعروض لقروض ما بين البنوك في سوق لندن النقدي، وهو معدل تقوم جمعية المصرفيين البريطانية على إصداره بصورة يومية، وهو يغطي معدلات الفائدة على 10 عملات أهمها الدولار واليورو والإسترليني والين واليورو دولار ولآجال متعددة تبدأ من ليلة واحدة،


ويعد الليبور أهم آلية لتحديد معدل الفائدة على المستوى الدولي ولعدد كبير من العقود المالية مثل المقايضات والخيارات والقروض والمستقبليات،
وقد بدأت جمعية المصرفيين البريطانية في إصدار معدل الفائدة الليبور في عام 1986 كاستجابة للحاجة نحو وجود معدل مرجعي للفائدة على القروض بين البنوك، وفي غضون سنوات قليلة، ونظرا للأهمية الدولية لسوق لندن النقدي، أصبح أكثر معدلات الفائدة استخداما في العالم.

يتحدد معدل الليبور يوميا للعملات الدولية



سواء تلك التي يتم إقراضها أو اقتراضها من جانب مجموعة من البنوك الرئيسة في سوق لندن النقدي والتي يتم اختيارها بواسطة جمعية المصرفيين البريطانية،


حيث يقوم كل بنك في المجموعة بعرض معدل الفائدة الذي يدفعه على القروض التي يقترضها وكذلك معدل الفائدة الذي يمكن أن يدفعه لكي يقترض من البنوك الأخرى لكل عملة ولـ 15 تاريخ استحقاق للجمعية،


ثم تقوم الجمعية بتجميع هذه البيانات وإرسالها إلى تومسون رويترز لكل تاريخ استحقاق في تمام الساعة الحادية عشر صباحا بتوقيت لندن،


والتي بدورها تقوم بحذف الربع الأعلى من هذه المعدلات وكذلك الربع الأدنى منها، وما يتبقى، أو ما يطلق عليه في علم الإحصاء المدى الربيعي Inter-quartile range، يتم أخذ متوسط له


والذي ينشر بالتبعية على أنه المعدل المعلن لليبور لكل عملة بتواريخ استحقاقاتها المختلفة لهذا اليوم، وذلك في تمام الساعة الحادية عشر والنصف صباحا بنفس التوقيت،


 وما إن يتم نشر معدلات الليبور حتى تصبح المعدلات المرجعية التي يمكن أن تقوم البنوك بالاقتراض أو الإقراض على أساسها في مختلف العقود في العالم، كما تمثل الأساس الذي تعمل عليه معظم أسواق السيولة في العالم.
هنا أود أن ألفت نظر القارئ إلى نقطة في غاية الأهمية.



لاحظ أن الليبور هو "معدل مقترح Offered"
والذي يشير إلى معدلات الفائدة التي يتوقع أن تقوم البنوك بالاقتراض على أساسها،
 أما عندما يتعلق الأمر بالإقراض فإن البنوك ليست مجبرة على أن تقوم بالإقراض على أساس هذه المعدلات،


 وهذه نقطة هامة جدا في فهم آلية التلاعب في الليبور ودوافعه،
 فعندما تقوم مجموعة من البنوك باقتراح معدلات منخفضة للفائدة فإنها في واقع الأمر تعلن أنها تتوقع، عندما تقوم بالاقتراض من البنوك الأخرى، أن تقترض على أساس هذه المعدلات المنخفضة وبالتالي سوف تدفع تكلفة منخفضة على القروض التي تقترضها،


ولكن هل يعني ذلك أنها ملزمة أيضا عندما تقوم بالإقراض أن تقرض البنوك الأخرى على أساس هذه المعدلات المنخفضة؟ 
الإجابة هي لا!
 أي أن البنوك المقرضة تقوم بتحميل البنوك المقترضة بمعدلات فائدة أعلى مما هو منشور من معدلات للإقراض.



غالبا ما يتحجج البنك المقرض في رفع معدل الفائدة عن المعدلات المعلنة

إما بأنه لا يوجد لديه سيولة كافية فائضة لكي يقوم بإقراضها،
أو أن البنك لا يرغب في أن يقوم بالإقراض عند معدلات الفائدة الحالية للبنك الآخر لأنه يخشى أن يكون هذا البنك يواجه احتمالات مخاطر التخلف عن خدمة القرض،
إما بسبب وجود أصول مسمومة لدى البنك المقترض أو رهون عقارية مضطربة والتي يمكن أن تؤثر على رأس مال البنك أو أن تهدد بإفلاسه. 
ما يحدث من الناحية الفعلية إذن هو أن البنوك تستخدم ما يسمى بمعدل الليبور+، أي معدل الليبور بالإضافة إلى هامش فائدة، 


لاحظ مرة أخرى أنه في حال تعمد البنوك التي تشترك في عملية تحديد معدل الفائدة بالتخفيض 
فإن البنوك تحقق بهذا الشكل أرباحا من كلا طرفي السوق (الاقتراض والإقراض).

ولكن لماذا يحتل الليبور هذه الأهمية الدولية كأهم معدل فائدة عالمي؟

الإجابة تكمن في حجم العمليات المالية التي تتم على أساسه، والتي تتسم بالضخامة،
فالليبور هو أساس عمليات تسعير قروض تصل إلى حوالي 10 تريليون دولارا سنويا وفقا لتقديرات لجنة التجارة في المستقبليات السلعية في الولايات المتحدة CFTC Commodity Futures Trading Commission،


من ناحية أخرى فإن معدل الفائدة الليبور على الدولار الأمريكي هو أساس تسوية المعاملات المستقبلية في عقود اليورو دولار استحقاق 3 أشهر في بورصة شيكاغو، والتي قدرت المعاملات التي تمت فيها في عام 2011 بحوالي 564 تريليون دولارا.
بل إن بعض التقديرات تضع هذا الرقم في حدود 800 تريليون دولارا.

نحن إذن نتحدث عن معدل الفائدة المستخدم في تسعير أضخم العقود المالية العالمية، والذي سوف يترتب على أي تلاعب فيه ولو بعدة نقاط مئوية غير ملحوظة تحقيق عوائد/أو خسائر مالية كبيرة،

ووفقا للجنة شيكاغوا لعقود التجارة المستقبلية فإن أية تحركات ولو هامشية في هذه المعدل تؤثر على عوائد الاستثمار وتكاليف الاقتراض من جانب الأفراد والشركات والمستثمرين في العالم.

بعد منتصف 2007 حتى منتصف 2008 حام الكثير من الشك حول أسلوب تحديد الليبور، وعبر الكثير من المراقبين عن شكهم في مدى اعتمادية الأسلوب الذي يتم على أساسه الحساب.



ففي نهاية 2007
لفت المراقبون الانتباه إلى الانخفاض غير العادي بين معدل الفائدة الليبور على الدولار ومعدل الفائدة لمدة ليلة واحدة في الولايات المتحدة، كذلك لوحظ اتساع الفجوة بين معدل الليبور على الدولار ومعدل الفائدة الفعال على الأموال الفدرالية،


وفي مايو 2009
نشر وول ستريت جورنال مقالا ذكر فيه أن المعدل المحدد لليبور يعد منخفضا جدا، كذلك لفت الكثير من المراقبين الانتباه إلى أن المعدلات المحددة لليبور غير معبرة عن الاتجاه العام لمعدلات الفائدة على عقود مقايضات التخلف عن السداد، والتي تعتبر من المقاييس المعتمدة لحساب احتمالات التوقف عن السداد،

وخلص المراقبون إلى أنه من الواضح أن البنوك في لندن تعرض معدلات منخفضة تقلل من تكلفة إعادة التمويل بالنسبة لها ولمستويات السيولة الحقيقية التي تتمتع بها حتى لا تكشف درجة ضعفها، وحتى لا تفقد سمعتها السوقية، كذلك لوحظ وجود هذه الفرق في معدلات اتفاقيات إعادة الشراء Repo.


مثل هذه الملاحظات أثارت التساؤلات حول مدى دقة وسلامة معدلات الليبور بالنسبة للأوضاع السوقية للمتعاملين.
ماذا يعني ذلك؟
إن ذلك يعني أنه هناك احتمال وجود تكتل محدد بين مجموعة من البنوك ذات المصالح المشتركة للتأثير على معدل الفائدة الليبور.

طوال هذه الفترة تجاهلت البنوك البريطانية كل جوانب الشك التي أثيرت حول طريقة تحديد معدل الفائدة الليبور، بل إن جمعية المصرفيين البريطانية دافعت عن اعتمادية ودقة عمليات تحديد معدل الليبور في 2008،



وهو ما دفع بالباحثين في المجال إلى محاولة إثبات أن معدل الليبور لم يكن محددا بالفعل وفقا لقوى السوق الحر بما يعكس التكلفة الحقيقية للاقتراض للبنوك المساهمة في تحديده.

فضيحة   بنك باركليز  
فوجئ العالم الأسبوع الماضي بأن الشكوك حول احتمالات التلاعب في الليبور حقيقية وبضلوع بنك باركليز في عملية التلاعب مما أدى إلى انطلاق فضيحة مالية على مستوى عالمي، وهذا هو موضوع الجزء الثاني من هذا المقال بإذن الله تعالى.