الاثنين، 25 يونيو، 2012

موقف الفكر الأقتصادي من العجز المالي

شيماء هاشم علي

يختلف موقف الفكر الاقتصادي من عجز الموازنة الحكومية من حيث القبول بحدوثه أو الرفض، وعلى أساس ذلك سيتم توضيح موقف مدارس الفكر الاقتصادي من العجز المالي وعلى النحو الآتي:-

أولا:- موقف المدرسة الكلاسيكية من عجز الموازنة الحكومية 
تسعى النظرية الكلاسيكية منذ ظهورها في منتصف القرن الثامن عشر وانتشار أفكارها في الأدب الاقتصادي ، الى عدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي وترك الاقتصاد يعمل حرا بفعل قوى السوق ، إذ أن محدودية دور الدولة في النشاط الاقتصادي سيؤدي إلى حيادية النفقة ، وبالتالي فان عملية تحصيل الإيرادات تكون تابعة لما تحتاجه الدولة من الإيرادات ، وأوضح الكلاسيك إلى تحديد العبء الضريبي الذي سيتحمله الإفراد لتجنب الإنفاق التبذيري ولكي لايتحمل الإفراد أعباء ضريبية إضافية .
وعلى أساس ذلك ، ُعد توازن الموازنة في ظل الفكر الكلاسيكي هوالمبدأ المثالي الذي ينبغي تحقيقه بين الإيرادات العامة والنفقات العامة ، وعليه أبدى الكلاسيك رفضهم لسياسة العجز في الموازنة ، فقد رفض (آدم سمث، وساي، وريكاردو) العجز بسبب التخلي عن مبدأ التوازن والتوجه نحو الوسائل غير التقليدية لتمويل العجز ومنها الاقتراض والإصدار النقدي الجديد ) ، ولقد بين الكلاسيك أن الاقتراض سيسحب الأموال المعدة لإقراض القطاع الخاص المتكونة من الادخارات وتوجيهها نحو الاستهلاك ، ولكي تقلل الحكومة من عبء القرض تفرض ضرائب جديدة لتسديد القرض وفوائده .
أما (مالثوس ) فقد اظهر تحولا عن أصحاب المدرسة الكلاسيكية ،مبينا أن الاقتراض الحكومي الناجم عن العجز من شأنه أن يعمل على إعادة توزيع الثروة لصالح أصحاب الدخول المنخفضة ، الامر الذي يقود إلى رفع مستوى استهلاكهم ،

وعليه فأراء الكلاسيك حول مسألة توازن الموازنة والدعوة إليه كما يلي وهذه ابرز الآراء :-
1 يعمل الاقتراض الحكومي على رفع أسعار الفائدة وسحب الأموال المعدة للقطاع الخاص ، الذي سيوجه نحو الإنفاق الاستهلاكي بدلاً من الانفاق الإنتاجي اللازم لرفع الطاقة الإنتاجية.
2 يعد اعتماد الحكومة على التمويل بالعجز أكثر يسرا من عملية تحصيل الضرائب، وقد يشجع هذا الأمر الحكومة على الإسراف في الإنفاق.
3 يكون تمويل الإنفاق الحكومي من خلال الاقتراض مكلف من ناحيتين، الأولى عند تسديد فوائد القرض ، والثانية أصل القرض.
لذلك رفض الكلاسيك حدوث عجز في الموازنة وطرق تمويله بالاقتراض أو الإصدار النقدي الجديد ، فضلا رفض حدوث فائض في الموازنة لأنه يعني حصول الدولة على أموال من الأفراد التي كان من المفروض استثمارها من قبلهم في مجال الإنتاج .
إلا أننا نجد موقفاً آخر مخالف لموقف المدرسة الكلاسيكية إلا وهو موقف المدرسة الكينزية التي رأت في عجز الموازنة أمراً مقبولا، وقد لا يتضمن آثاراً سلبية خطيرة على النشاط الاقتصادي .


ثانيا :- موقف المدرسة الكينزية من عجز الموازنة الحكومية 
توسع دور الدولة في ظل الفكر الكينزي وزادت درجة تدخلها في النشاط الاقتصادي ، والحياة الاجتماعية ، وأصبحت الموازنة أداة رئيسة من أدوات السياسة المالية التي تستخدمها الدولة في تحقيق أهداف السياسة الاقتصادية بشكل واسع الامر الذي أدى إلى تدخل الدولة وتحقيقها للتوازن الاقتصادي من خلال استغلال الموارد التي عجز القطاع الخاص عن استغلالها ؛ لذا خرج دور الدولة من الدولة الحارسة إلى الدولة المتدخلة فلم يعد منطقيا الاستمرار بتحديد الإيرادات العامة وفق الحاجة إلى النفقات العامة ، فقد أصبحت الموازنة الحكومية أداة حيوية لها أهميتها الكبرى وأثارها على القطاعات الاقتصادية ، حيث أجاز الفكر الكينزي حدوث عجز في الموازنة الحكومية ولجؤ الدولة إلى الاقتراض أو الإصدار النقدي في حالة تعرض الاقتصاد إلى أزمة اقتصادية ، وأصبحت القروض وسيلة لتمويل الانفاق الحكومي المتزايد وعامل من عوامل التوازن الاقتصادي والنمو الاقتصادي ، أما الإصدار النقدي فقد أوضح (كينز) عند لجؤ الدولة إليه فلن يولد آثارا سلبية على الاقتصاد وخاصة التضخم بسبب مرونة الجهاز الإنتاجي ، وان الزيادة في الانفاق الحكومي ستزيد من الدخل وفقاً لقيمة المضاعف ، عندها سيقابل العرض المتزايد طلباً له ، وبالتالي لا تحدث آثاراً سلبية على النشاط الاقتصادي لكلا الطريقتين على إلا يتم المبالغة بهما ، بمعنى أن تدخل الدولة مؤقت من اجل معالجة الأزمة القائمة ، ومن ثم تترك النشاط الاقتصادي يعمل بحرية مع متابعة الدولة للوضع الاقتصادي .

ثالثاً :- موقف المدرسة النقدية من عجز الموازنة الحكومية
ظهرت انتقادات عديدة خلال الأعوام التي تلت ظهور المدرسة الكنيزية ، وقد كان للمدرسة النقدية (جذور كلاسيكية التي تزعمها فريدمان ) ، السبق في أظهار الانتقادات والطعون للنظرية الكنيزية ، حيث هاجمت سياستها التدخلية ودعت إلى ترك النشاط الاقتصادي حراً، وان تنسحب الدولة من النشاط الاقتصادي ، ويقتصر دورها في تقديم الوظائف التقليدية المتمثلة بالخدمات العامة .
وتحاول المدرسة النقدية تأكيد عدم فعالية السياسة التدخلية المضادة للتقلبات فهو لايكون في جانبها المالي فحسب بل في جانبها النقدي أيضاً ، وعلى الرغم من تأكيدها لأهمية النقود وتأثيرها بمجرى النشاط الاقتصادي، فقد كان جل اعتراضهم على سياسات التدخل بسبب ما يطرأ عليها من اختلالات التي تجعل هذه السياسات تمارس تأثيرات في أوقات غير مناسبة ، الأمر الذي يقود إلى تعميق حدة الركود أو زيادة التضخم .
وترى المدرسة النقدية إلى أن عجز الموازنة الحكومية قد يكون له تأثير معتدل على الطلب الكلي إذا صاحبه تغير في العرض النقدي وأوضح (فريدمان ) انه ليس من الضروري إن يرافق عجز الموازنة تضخم ، وذلك لان حدوث التضخم يعتمد على طريقة تمويل العجز ، فإذا مول العجز من خلال الإصدار النقدي فان ذلك قد يؤدي إلى حدوث تضخم ، إما إذا مول العجز بالاقتراض من الجمهور فان اثر التضخم سيكون محدوداً ، إلا إن أثره الأساسي يتمثل بتحقيق ارتفاع في أسعار الفائدة ، ويركز النقديون على بيان إن السياسة المالية التوسعية البحتة . والتي لايصاحبها تغير في عرض النقد الذي سوف يؤدي إلى رفع أسعار الفائدة ومن ثم تقييد الإنفاق الخاص ، إذ يرى النقديون إن التوسع في الاقتراض الحكومي سيعمل على زيادة طلب الأموال المعدة لإقراض القطاع الخاص مما يدفع إلى ارتفاع في أسعار الفائدة ، وبالتالي انخفاض جزئي في الاستثمار والاستهلاك الخاص وحدوث عجز في الموازنة الذي يعرف (بالأثر الانكماشي لعجز الموازنة) ، وبالمقابل سيحصل تزايد في الإنفاق الحكومي وهو الأثر التوسعي لعجز الموازنة ) ، الناجم عن ارتفاع الاقتراض الحكومي .
إلا إننا نجد أن اعتقاد المدرسة النقدية مفاده يكمن في الأثر الناجم عن انخفاض الانفاق الخاص ، الذي سوف يضعف إلى حد كبير الأثر التوسعي ، إذ النقص في الانفاق الخاص سببه الأساسي هو إحلال الإنفاق الحكومي محله ، فإذا كانت الحكومة قادرة على اقتراض الأموال من سوق الأرصدة المتاحة للإقراض وبدون ارتفاع أسعار الفائدة ، فأن الانفاق الخاص لاينخفض . وسبب ذلك يعود إلى وجود قلة من الإفراد لديهم فائض مالي يرغبون في اقراضه للحكومة لتمويل عجز الموازنة . 
ومن هنا نجد أن المدرسة النقدية قد عادت إلى فروض النظرية الكلاسيكية والدعوة إلى ترك السياسة التدخلية وجعل الاقتصاد يعمل حرا . وتقليص دور الدولة وبقاءها لتقديم الخدمات العامة .
ولقد أبدى النقديون رأيهم في عجز الموازنة على أن تأثيره يكون محدوداً على الطلب الكلي ، إلا إذا صاحبه تغير في عرض النقد ، الأمر الذي يقود إلى زيادة الطلب على الأموال المعدة لاقراض القطاع الخاص التي ستوجه نحو الحكومة لكي تغطي إنفاقها المتزايد ، وبالتالي سترتفع أسعار الفائدة ويحل إنفاق القطاع الحكومي محل الانفاق الخاص ، مما يؤدي إلى ظهور اثرين ، الأول الأثر الانكماشي بسبب انخفاض الانفاق الخاص ، والأثر الثاني التوسعي بسبب ارتفاع الانفاق الحكومي .
إلا إن رأي المدرسة النقدية في أن الإنفاق الخاص سوف ينخفض والسبب في ذلك وجود قلة من الأفراد قد يرغبون في إقراض الحكومة لأموالهم وبالتالي لا يحدث تزاحم مالي بين القطاعين الحكومي والخاص ، وعليه فعجز الموازنة الحكومية وأثره قد يعتمد على حجم الأرصدة المعدة للإقراض .


رابعاً :- موقف مدرسة اقتصاديات العرض من عجز الموازنة الحكومية
ظهرت مدرسة اقتصاديات جانب العرض في بداية عقد الثمانينات التي تؤكد تشجيع الأفراد على العمل والادخار وإجراء تخفيضات كبيرة في الضرائب وكان انتقادها للمدرسة الكنيزية يتمثل في إن زيادة معدل الضريبة لتخفيض عجز الموازنة سيعكس آثار سلبية على الاقتصاد ، إذ سينخفض الناتج القومي ، ومن ثم انخفاض الحصيلة الضريبة واتساع العجز ، لذا دعت مدرسة اقتصاديات العرض إلى تخفيض الضرائب لأنها ستؤدي إلى تحفيز المدخرين والمستثمرين والعاملين على العوامل التي تزيد من الإنتاجية وترفع معدل معدل النمو الاقتصادي وبالتالي تزداد الحصيلة الضريبية ويقل عجز الموازنة الحكومية . 
ويلاحظ أن مدرسة اقتصاديات جانب العرض ضد أي ارتفاع في معدل الضرائب لأنها ستزيد من حجم العجز، وأبرز تأكيداتها هي الدعوة إلى الاستثمار والادخار وإجراء تخفيضات في معدل الضرائب من أجل تقليل عجز الموازنة الحكومية.


http://econ.to-relax.net/t746-topic