الجمعة، 15 يونيو، 2012

بنوك الظل


أ.د. محمد ابراهيم السقا












الأحد، يونيو 10، 2012

نشر في صحيفة الاقتصادية يوم الجمعة 8/6/2012
بنوك الظل Shadow banks هو مصطلح حديث نسبيا، ويطلق على العمليات المالية التي تتم خارج نطاق القوائم المالية للبنوك التجارية وغيرها من مؤسسات الإيداع،
فهي مؤسسات تمارس عمليات مصرفية بعيدا عن رقابة السلطات النقدية ودون أن تتمتع بالحق في الحصول على التسهيلات الائتمانية للبنك المركزي أو الضمانات التي تقدمها الحكومات للبنوك،
والبنك التجاري التقليدي هو وسيط في المال يعمل على جمع المدخرات من المودعين، والقابلة للسحب في أي وقت في غالب الأحوال، ثم يقوم بإعادة تدويرها للمقترضين في صورة قروض،
وعلى ذلك فإن عمل البنوك التقليدية من الناحية الفنية يتمثل في إعادة تكييف المدى الزمني للأموال المتاحة لها من خلال قبول مودعات قصيرة الأجل لمنح قروض لآجال زمنية أطول.
فقد استقر العرف المصرفي على أن المودعين غالبا لا يسحبون إلا جانبا ضئيلا من مودعاتهم، لذلك يتم الاكتفاء بالاحتفاظ بنسبة صغيرة من المودعات في صورة سائلة أو أصول شبه سائلة يتم تسييلها بسرعة عند الحاجة لمواجهة أية طلبات طارئة لسحب السيولة.

بما إن البنوك لا تحتفظ بالمودعات لديها في صورة سائلة فإن النظام المصرفي في أي دولة يصبح عرضة للانهيار اذا ما قام المودعون بسحب مودعاتهم في ذات الوقت، حيث ستحتاج البنوك في هذه الحالة إلى تسييل كافة أصولها في غضون مدة زمنية قصيرة جدا، وبما انه من المستحيل أن تتم هذه العملية بدون خسارة، فمن المحتمل أن يترتب على ذلك تعثر البنك أو حتى إعلان إفلاسه، وعندما يتعرض أحد البنوك لمثل هذه المخاطر غالبا ما تنتقل العدوى للبنوك الأخرى وهو ما يعرف فنيا بالذعر المصرفي.
لهذا السبب تحتاج البنوك التقليدية، طالما أنها تتلقى ودائع من الجمهور، إلى أن تعمل تحت رقابة البنك المركزي لضمان سلامة النظام المالي.


الوضع في بنوك الظل والتي تتكون من مجموعة من الوسطاء الذين يتولون عملية إعادة ضخ الأموال في مقابل أوراق مالية ومستندات قروض في سلسلة من العمليات التي تتم كل منها من خلال مؤسسة متخصصة، مختلف نسبيا، وان كانت نتيجة عمليات النوعين من البنوك واحدة وهي تدبير الأموال اللازمة للائتمان.
غير أن مصدر الأموال لبنوك الظل لا يأتي من الودائع وإنما يأتي من المستثمرين الذين لديهم سيولة ضخمة، ولذلك يطلق عليهم مستثمري الجملة، ولقد انتشرت العمليات التي تقوم بها بنوك الظل نتيجة عمليات التحرير Deregulation والتي ترتب عليها أن أصبح النشاط المصرفي التقليدي غير مربح.

عمليات بنوك الظل انتشرت إذن نتيجة الرغبة في عدم الالتزام بالقيود التي يفرضها البنك المركزي على السيولة أو على طبيعة الأدوات التي يجب أن تتعامل بها البنوك التقليدية ونسبتها إلى ميزانيتها أو توزيعاتها القطاعية أو الجغرافية إلى آخر هذه القائمة من القيود، وذلك لكي تتمكن بنوك الظل من خلق الكثير من المنتجات المالية والديون بصورة أكبر بدون أن تخضع لرقابة وسيطرة جهات التنظيم والرقابة في النظام المالي.

بغض النظر عن التسمية فإن بنوك الظل تقدم عملا مصرفيا، حيث تتدفق الأموال من يد من لديهم فوائض إلى الذين يعانون من نقص فيها في مقابل فائدة يدفعها من يقترضون الأموال، وهذا بالضبط ما تفعله البنوك التقليدية، 
ومن أمثلة هذه المؤسسات صناديق التحوط، أدوات الاستثمار الخاصة، صناديق سوق النقود، صناديق المعاشات.. الخ، 
غير أن الفرق الأساسي بين هذه المؤسسات والبنوك التقليدية 
هو أن سلسلة عمليات الوساطة التي تقوم بها بنوك الظل تكون في غاية التعقيد، ومن ثم فهي تمارس أنشطة غير مسموح للبنوك التقليدية بها.
كما أن بنك الظل ليس في حاجة إلى الاحتفاظ بالاحتياطيات، ولا يحصل على الأموال من خلال المودعات وإنما من خلال عمليات التوريق Securitization،
وتدخل معظم الأنشطة التي تتم على النطاق الدولي لبنوك الظل في مجال صفقات التحكيم، والتي تتمثل في عمليات شراء الأوراق المالية والأسهم والسندات مع تحقيق معدلات هامش منخفضة نسبيا في هذا الصفقات، ولكن ذلك يؤدي إلى تحقيق هذه البنوك لأرباح مرتفعة، نظرا لضخامة حجم الصفقات التي يتم تنفيذها.

لقد تمكنت بنوك الظل من خلال التوريق من أن تخلق منتجات ساعدت على نشر الأعمال المصرفية الخاصة ببنوك الظل والتي تستخدم كضمان للعمليات التي تقوم بها.
فبدلا من أن تقوم بنوك الظل بقبول مودعات، ومن ثم تخضع نفسها تحت القيود الرقابية والتنظيمية من جانب البنك المركزي للمؤسسات التي تقبل المودعات، فإن بنوك الظل تصل إلى هذه الأموال من خلال عمليات الاقتراض في مقابل الأصول، ومثل هذه الأصول قد تكون رهونا عقارية أو ديون بطاقات ائتمان أو سلع أو قروض سيارات .. الخ،
ويتم تجميع المنتجات في حزم تباع وتتداول بين المستثمرين، وهناك أشكال مختلفة لهذه الحزم مثل التزامات الديون المضمونة Collateralized debt obligations، والأوراق المالية المدعومة بالأصول Asset-backed securities، والأوراق المالية المدعومة بالرهون العقارية Mortgage-backed securities، وعقود إعادة الرهن Re-hypothecation، حيث يتم نقل الضمان لشخص آخر يتولى الاقتراض في مقابله على الرغم من أن الرهن يظل فعليا في يد المقرض الأساسي، 
وهي نفسها الأدوات التي تسببت في نشوب الأزمة المالية العالمية التي يعاني العالم من آثارها حاليا.

التوريق اذن هو طريقة لخلق منتجات لها قيمة وسبيل للحصول على الأموال لبنوك الظل، وهي أموال ضخمة إلى الحد الذي جعل قطاع بنوك الظل أكبر من حيث الحجم من قطاع البنوك التقليدية.
فالتوريق وما على شاكلته من رهن وإعادة رهن تسمح للأوراق المالية التي تملكها هذه المؤسسات من إعادة النشر عدة مرات كضمانات، ومن ثم جلب المزيد من الأموال إلى نظام بنوك الظل.
للأسف الشديد مع انطلاق الأزمة المالية العالمية وجد أن الكثير من هذه الأصول التي تم توريقها لجلب المزيد من الأموال للنظام هي من قبيل الأصول الخردة Junk، أو فاقدة القيمة، ومن ثم فإنه عندما تتعرض أحد هذه الضمانات للتعثر فإن المالك الحالي لهذه الأوراق المالية يتعرض لخسائر كبيرة،
أما اذا كانت هذه الأوراق المالية قدمت من قبل كضمان لعمليات إقراض لاحقة فإن هذه القروض سوف يتم السعي نحو تحصيلها، وبما أن أساس هذه العمليات هش، فمن الممكن أن يتعرض قطاع بنوك الظل للانهيار كما حدث في الأزمة، غير أن الأزمة المالية العالمية أثبتت أن مشكلات قطاع بنوك الظل لم تقتصر عليها وإنما امتدت عدواها أيضا للقطاع المصرفي التقليدي وهي العدوى التي دفع القطاع الحقيقي في الاقتصاد العالمي ثمنا باهظا لها وما زال حتى وقتنا هذا.

من الواضح أن عملية التمويل من خلال التوريق عملية خطيرة ويترتب عليها الكثير من المشاكل
 مما يملي ضرورة العمل على تنظيم هذا القطاع الذي يعمل في ظل غياب أي رقابة فعالة من أجهزة الرقابة المصرفية في الدول، ولذلك أصبحت عملية تنظيم أعمال هذا القطاع والرقابة علية أمرا حتميا حتى يمكن رفع درجة استقرار القطاع المالي وتجنب تعرضه لهزات من مصادر غير خاضعة لرقابة الأجهزة المعنية.

المشكلة الأساسية في هذه البنوك
 هي أنها قادرة على التمدد بصور سرطانية طالما أن هناك فرصة لتحقيق المزيد من الربح وتوليد الدخول من تلك العمليات، ولهذا السبب فإن بنوك الظل غالبا ما تكون مرشحة لأن تولد فقاعات كبيرة مسمومة تنتظر الانفجار.

لقد قدرت بعض المصادر حجم بنوك الظل في الولايات المتحدة قبل الأزمة بحوالي 24 تريليون دولارا، وقد كان من المنتظر أن يترتب على الأزمة المالية تراجع أنشطة هذه البنوك.
غير أنه قد صاحب الأزمة المالية تشديد الرقابة على البنوك التجارية وقواعد العمل بها، وهو ما أدى إلى تراجع معدلات الأداء للبنوك التقليدية، الأمر الذي دفع إلى هروب الأموال من البنوك التقليدية إلى بنوك الظل سعيا وراء الأرباح الأعلى ولتجنب القواعد الصارمة للنظم الرقابية على البنوك التقليدية،

ووفقا لتقديرات مجلس الاستقرار الماليThe Financial Stability Board وهو مؤسسة دولية لمراقبة النظام المالي العالمي، 
فإن حجم قطاع مصارف الظل على مستوى العالم بلغ 60 تريليون دولارا في أكتوبر 2011. هذا الرقم يعادل الناتج المحلي الإجمالي للعالم كله تقريبا،
وهو ما يعني أنه أصبح من الواضح أن الأزمة المالية العالمية لم تؤثر على حجم العمليات التي تتم في هذا القطاع المصرفي في العالم،
بل إنه وفقا للمجلس فإن حجم عمليات بنوك الظل تزيد حاليا عن مستوياتها قبل الأزمة، 
الأمر الذي يعني أن هذه البنوك مازالت تحمل للعالم نفس المخاطر التي أدت إلى اشتعال الأزمة المالية العالمية الحالية 
لذلك تجري محاولات حميمة في العالم حاليا لتنظيم وتقنين عمليات بنوك الظل، 
وذلك لتأمين النظام المالي في العالم من مخاطر انتشار المنتجات المالية لهذه البنوك والتي تتصف بأنها غير مؤمنة بشكل جيد.