الجمعة، 6 أبريل، 2012

هل نحن مقبلون علي نظرية جديدة تتجاوز اينشتين؟



أثارت نتائج التجربة التي أجريت في معامل المنظمة الاوربية للبحث النووي( قرب جنيف) التي اوضحت أن جسيمات "النيوترينوات"(neutrinos )، تتحرك بسرعة أكبر من سرعة الضوء ، سؤالا:
 هل نحن مقبلون علي نظرية جديدة في الفيزياء الحديثة تتجاوز نظرية اينشتين القائلة بأن سرعة الضوء ثابتة لايمكن تجاوزها، حسب ماجاء في المسلمة الثانية له التي تقول " ان الضوء ينتقل خلال فراغ بسرعة ثابتة في اطر القصور الذاتي جميعا"
،

فما هي النتائج التي تترتب علي ذلك اذا صح اثباتها من تجارب متعددة مستقلة أخرى؟ ، 

وماهي الدلالات المعرفية والفلسفية المترتبة على ذلك؟



*معلوم أن الفيزياء "التقليدية" خطت خطوات واسعة فيما بين أواخر القرن السابع عشر والقرن التاسع عشر ، وشكلت قوانين الحركة وقانون الجاذبية الكونية لنيوتن حجر الزاوية ومفتاحا مهما فيها.
 كما قامت علي نظرية دالتون الذرية ، وعلى ان المكان والزمان مطلقان، وانفصال الزمان والمكان عن حركة المادة.
ومع نهاية القرن التاسع عشر بدأت تظهر الفيزياء "الحديثة" عندما تم تجاوز نظرية دالتون الذرية التي كانت تقوم علي أن الذرة هي اصغر جزء من المادة، باكتشاف مكونات الذرة ( الالكترون، البروتون، النيوترون،...الخ). 
وفي عام 1905 م اكتشف اينشتين نظرية النسبية الخاصة التي اكدت ثبات سرعة الضوء وتجاوز فكرة وجود " الأثير " وما ارتبط بها من مفهوم المكان المطلق واكدت الترابط بين المكان والزمان وحركة المادة، وبالتالي تم تجاوز فكرة المكان والزمان المطلقين.

وكان من نتائج نظرية اينشتين، التي تجاوز فيها تحويلات "جاليلو" باستخدام التحويلات التي وضعها "لورنتس" لتفسير استحالة الكشف عن "الأثير"، الآتي:
1• سرعة الضوء هي أكبر سرعة ممكنة ، وهي السرعة التي لايستطيع أن يبلغها شئ مادي.
2• تقلص طول الجسم في حالة حركته بسرعة تقترب من سرعة الضوء.
3• تزايد كتلة الجسم والتي تصبح لانهائية في حالة اقتراب الجسم من سرعة الضوء.
4• ظاهرة تعادل الكتلة والطاقة، فالطاقة يمكن أن تتحول الي كتلة ، والكتلة يمكن أن تتحول الي طاقة، فاذا كانت E تمثل الطاقة، m تمثل الكتلة، c تمثل سرعة الضوء ، فان : E= mc2 ، أي أن الطاقة = الكتلة x مربع سرعة الضوء ( سرعة الضوء = 300,000 كلم/ الثانية تقريبا).
 أي أن الطاقة التي نحصل عليها من تدمير كمية معينة من المادة تعادل الكتلة المدمرة مضروبة في مربع سرعة الضوء، وهذا يعني أن كمية كبيرة من الطاقة يمكن أن تطلق من كمية ضئيلة من المادة.
 وهذه العلاقة قدمت المفتاح لتفسير كيفية سطوع الشمس والنجوم الأخرى..
 اذ تجري داخل الشمس عملية الاندماج النووي، وفي درجة حرارة تبلغ 15 مليون درجة(مئوية) في قلب الشمس يتحول أخف عنصر وهو الهيدروجين الي العنصر الذي يليه في الخفة وهو الهليوم، وفي هذه العملية يتحول قدر معين من المادة الي طاقة، وفي كل ثانية تحطم الشمس حوالي اربعة ملايين طن من المادة، وهذا يدعم تدفقها الهائل للاشعاع.
ان تعادل الكتلة والطاقة قدم لنا المفتاح لفهم النجوم، ثم توليد القوة النووية، ومنها تطوير القنبلة النووية.
وكما يقول عالم الفيزياء نيكلسون " مامن نظرية علمية مهما بدت لنا مقطوعة الصلة باحداث الحياة اليومية ، يمكن النظر اليها علي أنها خارجة عن الموضوع ، فنحن لانملك التنبؤ بالنتائج المترتبة علي التطور العلمي للبحث".
5• تمدد الزمان ، اذ أن كل ما اقترب جسم متحرك من سرعة الضوء ، كان أثر تمدد الزمان أشد وضوحا، حتي اذا أمكن السفر بسرعة الضوء تقريبا، فان الزمان يتوقف، ويمكن لأي رحلة أن تتم في صفر من الزمان !!!. وكل راصد في اطار القصور الذاتي له زمانه الخاص وهذا هو الزمان الذي تقيسه الساعة التي يحملها معه، وزمانه الخاص هو زمانه الصحيح فيما يتصل به ، غير أن الأزمنة الخاصة للراصدين الذين يتحركون حركة مضطردة نسبية لن تتفق مع بعضها.
6• اعطت النظرية النسبية العامة نتائج تتفق مع التجربة بصورة ادق وأفضل من أي نظرية سابقة، فاستطاع اينشتين بها مثلا تفسير التحول الظاهري لمواقع النجوم بالقرب من الشمس، وتفسير ظاهرة الفراغ المقوس، وعدم انتظام حركة الكوكب عطارد، وهكذا أسهمت نظرية ايتشتين في تعميق وتوسيع وتطوير نظرية نيوتن عن النظام الشمسي، كما تم تأكيد وحدة المكان والزمان في النظرية النسبية، وحل متصل المكان – الزمان ( الزمكان) محل المكان والزمان المطلقين، وانفصال الزمان عن المكان التي كان ينادي بها نيوتن.
7• كما ظهرت نظريات الكم ومبدأ عدم التحديد، وهكذا اصبحت النظرية الفيزيائية أشد تعقيدا كسابقاتها.
 ونقف الأن في انتظار نظرية جديدة تعمقها وتطورها ، بحيث تتيح للانسان مزيدا من التفسيرات ومزيدا من المعرفة للعالم الموضوعي القابل للمعرفة، اي احتياج لنظرية جديدة تجمع بين نظرية اينشتين ونظرية الكم، وتجاوز مبدأ عدم التحديد خاصة ماجاء به عالما الفيزياء بوهر وهينزبيرج.

ماهي الآثار المترتبة علي تجاوز مبدأ اينشتين( سرعة الضوء اقصي سرعة)؟
في حالة اثبات ذلك بشكل قاطع وحاسم يترتب علي ذلك الآتي:
1- التخلي عن أكثر الأفكار رسوخا الا وهو أن أن فكرة السبب ينبغي أن تسبق النتيجة.
2- سيكون هناك لاتماثل في طبيعة الزمان ، فنحن نستطيع أن نتذكر الماضي، ولكننا لانستطيع أن نتلقي معلومات من المستقبل، والماضي يمكن ان يؤثر في المستقبل ، غير أن المستقبل لايمكن أن يؤثر في الماضي.
3- السفر الزماني في الماضي غير ممكن. أما السفر في المستقبل البعيد للارض ممكن بالنسبة لرواد الفضاء المنطلقين بسرعة تقارب سرعة الضوء بسبب تمدد الزمان غير أن العملية العكسية غير ممكنة.

ماهي النتائج المعرفية والفلسفية المترتبة علي ذلك؟. 
من العرض السابق اتضح لنا التطور الهائل الذي حدث في علم الفيزياء، فقد أسهم اينشتين في تعميق وتطوير نظرية نيوتن، وفقا للنفي الديالكتيكي الذي يتجاوز القديم ويستوعب افضل ما فيه ، ولكنه لايلغي القديم كليا، فنظرية نيوتن صحيحة بالنسبة للاجسام التي تتحرك بسرعات عادية، ولكنها لاتصلح بالنسبة للاجسام التي تتحرك بسرعات قريبة من سرعة الضوء.
 وبالتالي، يمكن الحديث عن تجاوز وتطوير نظرية نيوتن في ظروف واوضاع جديدة، ولكن من غير الدقيق الحديث عن خطأ النظرية.
الكثير من الكتاب تساءلوا بعد التجربة التي أوضحت أن جسيمات "النيوترنيوات" تتحرك بسرعة اكبر من سرعة الضوء: هل كان اينشتاين مخطئا؟، والسؤال نفسه يعبر عن المنطق الشكلي لا الديالكتيكي، فقد اسهم اينشتين في تطوير علم الفيزياء باكتشاف النظرية النسبية، والتي ستظل صحيحة في ظروفها واوضاعها التي تمت فيها، وقدمت تفسيرا لظواهر كثيرة ماكان يمكن الوصول اليها باسنخدام قوانين نيوتن في الحركة والجاذبية.
ولكن كما اكدت الثورة العلمية التقنية ضرورة التعامل مع الواقع بذهن مفتوح، ونبذ فكرة الحقيقة المطلقة والنهائية، فما ان تحل نظريات جديدة مشكلات قائمة أو تفسر ظواهر معينة، حتي تظهر مشكلات أو ظواهر جديدة تحتاج لتفسير جديد أو اجابات جديدة جديدة، وهكذا تتطور النظريات العلمية.
 وأن المعرفة العلمية هي عملية الانتقال من عدم المعرفة الي المعرفة، ومن المعرفة غير الجيّدة الي المعرفة الأفضل.
 كما تؤكد الثورة العلمية التقنية وحدة النظرية والممارسة، ووحدة الفكر والواقع، والتحام العلم بالانتاج، وبالعقول الالكترونية أمكن دحض أو اثبات النظريات العلمية الجديدة في فترات زمنية وجيزة.
ومنذ اكتشاف اينشتين لنظرية النسبية اندفعت الثورة العلمية بشكل غير مسبوق وحدث تقدم شامل في 60 عاما يفوق التقدم الذي تم خلال الاربعين قرنا التي مضت.
فعلى سبيل المثال التجربة التي اجرتها المنظمة الاوربية للبحث النووي "سيرن" والتي تم فيها اطلاق شعاعا من النيوترينوات نحو مكشاف في جران ساسو بايطاليا علي مسافة 454 ميلا ، استخدم فيها العلماء جهازا متطورا تطورا عاليا – 15000 نيوترينو خلال مدة ثلاثة أعوام.
 وبدأ أن النيوترينوات كانت تصل المكشاف بأسرع من الضوء ب 60 نانو ثانية ( النانو ثانية تساوي واحد علي بليون من الثانية)، وهذا فارق ضئيل ولكن يجب الا يحدث حسب نظرية اينشتين.
 الشاهد ان هذه الاجهزة المتطورة لم تكن موجودة في زمن اينشتين.
وبالتالي ، لانندهش، اذا ظهرت نظرية جديدة في الفيزياء الحديثة تتجاوز اينشتين، وتعمق وتطور نظريته وتستوعب الظواهر الجديدة، وتقدم حلولا لمشكلات جديدة تنبع من التطورات الجديدة في الطبيعة والحياة، فالعلم لايعرف الحقيقة النهائية والمطلقة، ومنهج الديالكتيك الذي ينظر للظواهر في حركتها وتطورها وتبدلها، ووحدة المكان والزمان والمادة، ووحدة السبب والنتيجة..الخ ، هو نفسه يتعمق ويتطور بتقدم التحليل المنطقي والرياضي والاكتشافات العلمية والتكنولوجية. ووبالتالي هو منهج مناسب في فهم وتناول التعقيدات المتنوعة التي تفرزها الطبيعة والمجتمع.